Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Saturday, January 20, 2018

Text Size

 

Nikolay Serb 99x150الطابق الثالث

"طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض"

وهكذا الطابق الثالث من الهرم الفردوسي يُنشأ من الوداعة. الوداعة هي ابنة التواضع وحفيدة البكاء. أعظم شخصيات السنين الغابرة مثل صموئيل ويوحنا المعمدان والدائمة البتولية مريم وُلدوا بعد أن استجاب الربّ إلى صلوات الدموع من أجل ولادتهم.

      وفضيلة الوداعة نفسها هي وليدة الدموع والصلاة. ولهذا بالذات فإن الوداعة غير منفصلة إطلاقاً عن الشخصيات المذكورة، كما لا تنفصل الدموع عن القلب. الوداعة يمكن أن تأتي في المرتبة الثالثة فقط، فالطابق الثالث يُبنى بعد الأول والثاني. وكما أنّ الهدوء والراحة يحلان بعد أن تسكب الغيوم أمطارها، هكذا تأتي كلّ وداعة بعد البكاء.

الوداعة كانت موجودة في أزمنة العهد القديم. على سبيل المثال، قيل عن موسى بأنه كان وديعاً جدّاً أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض (عدد 12: 3). وهكذا بالضبط قيل عن وداعة رئيس الآباء يعقوب والملك داود ("اذكر يا ربّ عبدك داود وكل دعته"). ولكن بعد المسيح فقط دخلت الوداعة في عداد الفضائل الضرورية لارتقاء روح الإنسان. لقد قال ابن الله عن نفسه: "أنا وديع"، وكما يكون هو هكذا يجب أن يكون أتباعه. الوداعة هي الفضيلة الأولى للمسيح التي لفتت انتباه الناس. "هذا هو حمل الله" – هكذا نادى القديس يوحنا السابق عندما رأى الميسيّا على شاطئ الأردن. كان الآخرون في نفس الوقت يتدافعون ويتزاحمون مسرعين إلى النبي ليسمعوا خطابه وليقبلوا المعمودية. أما يسوع فلم يُسرع، لكنه مشى بوداعة متجاوزاً عن الآخرين مثل الحمل الذي لا يمسّ أحداً ولا يسيء إلى أحد. هو مشى مثل الحمل الذي يبتعد عن الجميع ويتحاشى الصدام مع الآخرين.

الوداعة تظهر قبل كل شيء في عدم السعي الى إشغال الصفوف الأولى، وهذا يحصل نتيجة للإخلاص المطلق لمشيئة الله. الوديع يعرف أن الخالق يضع الناس كلّ واحد في مكانه كما يشاء هو، والوديع مستعدّ أن يخضع لمشيئة الله سواء كان في الصفوف الأولى أو في الصفوف الأخيرة. بالنسبة له ليس المهمّ في أي مكان يضعه الله، ولكن الأهمّ أن يتمّم مشيئة الله من أي مكان يكون فيه. الوديع يعرف أن الذين في الصفوف الأخيرة إذا سلّموا أنفسهم لمشيئة الله سيحصلون على إكليل مجد أعظم من أولئك الذين كانوا في الصفوف الأولى يتصرّفون بحسب مشيئتهم الشخصية.  

ويمكن التعبير عن الوداعة هكذا أيضاً: لا تؤذِ أحداً وتحمّلْ بصبر جميع الإساءات. بالحقيقة أنّ الحمل هو صورة الوداعة. تصوّروا المسيح واقفاً أمام القضاة المستوحشين. في حين كانوا يصرخون ويشتمونه ويبصقون عليه ويمزقون ملابسهم، وقف هو صامتاً مثل الحمل الأبكم. إن الهدوء والسلام في داخله كان مثل وميض السكون فوق هائج مزبد. كان هدوءاً عجيباً مستقصى عن الفهم بحيث أنّ الرسول يستحلف به المسيحيين قائلاً: "أنا بولس أناشدكم بوداعة المسيح وحلمه" (2 كو 10: 1).

والرسل أيضاً كانوا مشابهين تماماً لمعلّمهم في الوداعة. لقد أوصاهم أن يكونوا كالحملان في وسط قطيع الذئاب، أيْ أن يكونوا ودعاء مع الوقحين وصبورين مع المنتقمين. وقد علّمهم أن يكونوا صبورين مثل الأمّهات المرضعات اللواتي يعانين بسبب إرضاع أطفالهن ولكنهن يتحملن هذه العذابات بصبر: "مع أننا قادرون أن نكون في وقار كرسل المسيح بل كنا مترفقين في وسطكم كما تربّي المرضعة أولادها" (1تس 2: 7).

بعض الزوّار تعجّبوا في زيارتهم لأحد القديسين كيف أن هذا القديس يتحمّل الشتائم من راعي غنم يقيم في جوار كوخه. فأجابهم القديس: "هكذا أنا أتعلم أن أصبر على الشر قائلاً لنفسي: كيف أقدر أن أتحمّل شراً أكبر حينما يأتي؟".

كان هناك ستاريتس له جار يخدمه، وكان هذا الجار يسرقه دائماً. كلما دخل إلى حجرة الستاريتس كان يسرق شيئاً. لاحظ الستاريتس هذه السرقات، ولكنه لم يقل شيئاً له. وعندما حضرت ساعة موت الستاريتس واجتمع كل جيرانه حول فراش الموت، قبّل الستاريتس يديْ خادمه السارق قائلاً: "أنا مدين لهاتين اليدين في أنني ذاهب الآن إلى ملكوت السموات".

آه، أيها الودعاء، إنكم ستحصلون بالميراث على الأرض كلها. وأنتم تتحيّرون: كيف هذا؟ هكذا مثل الرسل. أيّة أسماء معروفة اليوم في الأرض أكثر من أسمائهم؟ كلام أيّ حاكم مسموع الآن في كل مكان بجهارة أكثر من كلام الرسل؟

الذين لا يملكون الوداعة لن يرثوا شبر أرض، لا هنا ولا في الفردوس. وأنت، أيها المسيحي، شيّدْ الطابق الثالث من هرمك الفردوسي بمعونة الوداعة. الوداعة تشبه الحجر الكريم "الجمشت"الذي يتلوّن بظلال رقيقة رائعة.

 

القدّيس نيقولاوس (فيليميروفيتش) الصربي