Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Monday, February 26, 2018

Text Size

 

Nikolay Serb 99x150الطابق الرابع

"طوبى للجياع والعطاش إلى البرّ لأنهم سيشبعون"

مخطّط بناء الطابق الرابع للهرم الفردوسي يتوقف على العطش إلى البرّ. هنا تنشأ الضرورة إلى البرّ المتأسّسة على اشتياق مولع إلى الحق مماثل للجوع والعطش. إن الجوع والعطش كانا في كل الأوقات هما الدافع والحافز على الأرض. لكن الحديث هنا لا يدور حول الجوع والعطش الجسديين الذين يطفئهما الخبز والماء.

الحديث هنا يدور حول جوع أعظم وعطش أعظم، ذلك الجوع وذلك العطش الذيْن تحملهما روح الإنسان الوديع في داخلها والذيْن لا تقدر الأرض كلها بما فيها من مأكولات ومشروبات على إشباعهما. الإنسان الوديع كالحمل يقول دائما إنه شبعان وراضٍ لأنه يصمت ويصبر. لكن في واقع الأمر فإن هناك عطشاً عظيماً للبرّ يكمن في أعماق نفسه مثل البركان الخفي. من السهل إشباع المتكبّر، أي الذي يقضي كل أيامه على الأرض في تدمير نفسه، فهو يأكل كل وسخ الأرض،وما أن دفعته إلى الصفوف الأمامية ووضعته في مقدّمة القافلة البشرية يكون شبعان وراضياً. إلا أن الذي قد شيّد الثلاثة طوابق الأولى من الهرم الفردوسي لروحه لا يشبعه شيء أرضي وفانٍ وجسدي. هو ينظر إلى العالم بعيون إلهية ويفكّر بعقل إلهي ويبحث عن البرّ الإلهي.

المقصود من كلمة البرّ هنا الحق والترتيب مثل الذين أشار إليهما الرب في الرؤيا: حقيقة عن الخالق وحقيقة عن العالم وحقيقة عن الإنسان وحقيقة عن الهدف وحقيقة عن الطريق. الحقيقة تعني الاستقامة في الداخل ومن الخارج وترتيب في الروح وفي الجسد وفي المجتمع وفي كل الوجود وفي كل شيء – فهذا هو الحق.

وبكلام أدقّ، فإن الحق يتكوّن من جزئين: معرفة الحق وتطبيق الحق. كل ما هو ضروري للإنسان أن يعرفه ويفعله لكي يتقرّب من الرب الإله وينال رضاه يسمّى بكلمة واحدة، ألا وهي الحقيقة. الفرّيسيون لم يكونوا عطاشاً للحقيقة لأنهم كانوا متيقنين من أنهم يمتلكون الحقيقة. وبيلاطس أيضاً لم يكن متعطشاً للحقيقة على الرغم من السؤال الذي طرحه على يسوع: ما هو الحق؟ الجياع والعطاش إلى البرّ (إلى الحق) كانوا جميع أولئك الذين تبعوا المسيح منذ البداية ولم يتركوه حتى موته. واليوم فإن العطاش إلى البرّ سيكونون أولئك العطاش إلى المسيح لأن يسوع المسيح هو كمال الحق وكل الحق وكل الترتيب، كما قال هو عن نفسه: أنا هو الحق، أنا هو الطريق.

هناك وعد للجياع والعطاش إلى المسيح كما إلى الحقيقة الكاملة بأنهم سيشبعون. كثيرون من المسيحيين الذين آمنوا بهذا الوعد ازدروا بالجوع الجسدي وبالعطش إلى العالم وانطلقوا يبحثون عمّا يروي ظمأهم الروحي. كثيرون منهم تركوا جميع الأشياء الدنيوية وتوجّهوا إلى البراري متوحّدين، وآخرون انعزلوا في المغاور، وآخرون امتنعوا عن الكلام وصاروا صامتين، وآخرون صعدوا على العواميد لكي يُنموا في أنفسهم العطش الروحي ولكي يرووا هذا العطش بالحق الإلهي، أيْ بالربّ يسوع المسيح.

هم كانوا عطاشاً إلى السماء، أمّا العالم فكان عطشاً إليهم. طلب الإمبراطور قسطنطين العظيم القديس أنطونيوس من البرّية من أجل النظر إليه فقط. توسّل الإمبراطور ثيودوسيوس إلى الشيخ زينوبيوس لكي يأتي من مصر إلى القسطنطينية ليشاهده ويستمع إليه فقط. الإمبراطور لاون انطلق إلى البرّية لكي يشاهد الرجل القدّيس موسى الأسود. انظروا حكام الأرض العظماء الذين استيقظ في داخلهم العطش الروحي، كيف أنهم نزلوا عن عروشهم باحثين عن اللقاء مع أولئك الذين أحسّوا بداخلهم بأنهم أكثر عطشاً والذين سعوا سعياً حثيثاً نهاراً وليلاً إلى أن يشبعوا من البرّ الإلهي على المائدة السماوية. وبالرغم من أن عطشهم السامي كان يلازمهم حتى نهاية حياتهم، كان العالم يحسبهم شبعانين ومكتفين وراضين. هم كانوا يعتبرون شبع العالم جوعاً، أما العالم فكان يعتبر عطشهم شبعاً. بالحقيقة إن اختيار أحد العطشين يُعدّ مهارة. من بين هذين العطشين اختار خدّام الرب العطش السماوي، وبهذا العطش أنشأوا الطابق الرابع من هرمهم الفردوسي، وهو طابق متين وبديع مثل حجر الزمرد الثمين.

فكّروا: هم الذين سيشبعون فقط، أما العطش الخدّاع للمُتع الدنيوية فلا يمكن إرواؤه لا في هذه الحياة ولا في الحياة الأخرى. تذكّروا ما قاله الخالق على لسان نبيه: "هوذا عبيدي يأكلون وأنتم تجوعون. هوذا عبيدي يشربون وأنتم تعطشون. هوذا عبيدي يفرحون وأنتم تخزون" (إش 65: 13-14).

القديس نيقولاوس (فيليميروفيتش) الصربي