Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Tuesday, July 17, 2018

Text Size

 

Nikolay S 99x150ذكرت الأناجيل أكثر من مرة بأن المخلّص بكى، ولم تذكر ولا مرّة بأنه ضحك. هو سمّى نفسه بالطبيب الذي يحتاجه المرضى وليس الأصحّاء، بالبارّ الذي جاء ليدعو الخطأة إلى التوبة، بالراعي الذي ظهر لرعيته الضّالة، بمعطي الحياة الذي أتى إلى المائتين.

بهذه المهمّة وبهذه الألقاب لا يقدر على الضحك حتى الإنسان الخلوق العادي، فكم بالأحرى ابن الله الرؤوف. هناك أمر لا يقدر عليه حتى الله وهو: لا يستطيع الله أن يضحك وهو يرى آلام البشر. لا يستطيع أن يضحك وهو في حالة اهتمام دائم بالمرضى والمكروبين وبالخطأة والضالّين والهالكين والمائتين.

هل هناك أمور اندهش منها المسيح في هذا العالم؟ الإجابة على هذا السؤال أسهل من الأولى، فالأناجيل تجيب عليه بوضوح قائلة: اندهش المخلّص من أمريْن اثنين، هما الإيمان العظيم وعدم الإيمان العظيم اللذان للبشر.

ذات يوم عندما كان المخلّص متواجداً في كفرناحوم تلك المدينة الجميلة ولكنها في نفس الوقت المدينة الوثنية المنفسدة، جاء إليه قائد مئة روماني وهو وثني وعابد أصنام. وبانسحاق طلب من المسيح أن يشفي خادمه الجندي الذي كان مطروحاً في البيت ينازع الموت. فما كان من الرب الرؤوف إلا أن قام ليذهب إلى بيت قائد المئة ملبّياً توسّلاته. لكن حصل أمر غير متوقع، حيث أوقف قائد المئة المسيح قائلاً: "يا سيّد، لا تتعب. لأني لست مستحقاً أن تدخل تحت سقفي. لكن قل كلمة فيبرأ غلامي!" (لو 7: 6-7). ولمّا سمع يسوع هذا تعجّب من إيمان هذا الأممي الوثني وقال للذين يتبعون: "الحق أقول لكم: لم أجد ولا في إسرائيل إيماناً بمقدار هذا!" (مت 8: 10). لأنه لم يجد إيماناً كهذا في وسط أولئك الذين كانوا يفتخرون بالتوحيد قائلين بأنهم يؤمنون بالإله الواحد الحيّ العليّ، أمّا هذا الإنسان فكان من الأمم الذين لم يعرفوا الإله الواحد والذين كانوا يسجدون للأصنام الميتة. ونطق يسوع وبكلمته برأ خادم قائد المئة: "اذهب، وكما آمنت ليكن لك. فبرأ غلامه في تلك الساعة " (مت 8: 13).

في المرّة الأخرى اندهش المسيح من عدم إيمان الناس. حدث هذا في موطنه في مدينة الأبرار أيْ الناصرة. كان الرب يعظ بتعاليمه الإلهية وكانت كلماته قوية "كمن له سلطان". لكنهم لم يتقبّلوا تعليمه بحسب جوهره وقيمته بل كانوا يعثرون به كونه صاحب نَسب ومهنة بدا لهم بسيطيْن وعديميْ الأهمية فاستهزأوا قائلين: "أليس هذا هو النجّار ابن مريم؟ فكانوا يعثرون به" (مر 6: 3). ولم يؤمنوا به. عندها قال الرب كلماته العجيبة والتي أشار فيها إلى الظلم العميق الواقع على الناس دائماً: "ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وبين أقربائه وفي بيته". وهنا تكرّر القول: "وتعجّب من عدم إيمانهم" (مر 6: 4، 6).

وهكذا، لم يكن مخلّص العالم متعجّباً إلا من ظاهرتين في هذا العالم: الإيمان العظيم وعدم الإيمان العظيم.

* * *

قد يتحيّر أحد من اندهاش الرب ويتساءل: أليس على الأرض أمور أكثر أهمّيةً وخطورةً من الإيمان وعدم الإيمان لتثير اندهاشه؟ كلا. بالنسبة لله الذي يعرف مسبّبات كل ما يحدث، ليس هناك شيء في حياة الإنسان أكثر خطورة من عدم الإيمان. الإنسان العادي الذي لم يشبع نظره بعد من رموز العالم الخارجية البرّاقة قد يجد كثيراً من الأمور أكثر أهمّية وخطورة من عدم الإيمان. أما الرب فلا يمكن أن يدهشه أيّ من مخلوقاته لأنه يعلو على الجميع. لا يمكن أن يدهشه ما هو غير حرّ ومُرغم على الخضوع للقوانين التي أوجدها. إذا كان هناك ما يمكن أن يدهشه فهو الاختيار الحرّ للكائنات الحرّة وهو الاختيار بين الإيمان وعدم الإيمان. وهذا الكائن الحرّ هو الإنسان بلا شكّ: فحتى لو لم يكن حرّاً في كل الأمور، لكن في الاختيار بين الإيمان وعدم الإيمان هو حرّ تماماً.

يمتلك "الإيمان" و"عدم الإيمان" الأهمّية القصوى والحاسمة بالنسبة لحياة الإنسان كلّها ولمجرى حياته ولقيمته ولسعادته ولتحديد مكانه في العالم الأرضي والعالم السماوي، في عالم الزمن والفساد وفي عالم الخلود. لو كان الأمر ليس كذلك لما اندهش مخلّص العالم البصير الذي لم يدهشه شيء أرضي من إيمان الإنسان وعدم إيمانه. ولكن الإيمان يُعتبرهو القوة الإيجابية الرئيسية المحرّكة التي تُوجّه الإنسان نحو كل خير، و"عدم الإيمان" بدوره هو القوة السلبية الرئيسية التي تدفع بالإنسان نحو كل شرّ. وبقدر ما يسمو الإنسان على جميع المخلوقات الأخرى بما له من كرامه ورسالة في هذا العالم المادي، هكذا يسمو إيمانه مرتفعاً فوق جميع منجزاته ومداركه.

إن كولومبوس العظيم اكتشف العالم الجديد ومن أجل هذا وضعه الناس الجاهلون في السجن، وعندما كان مقيّداً بالسلاسل في سجنه ندم بمرارة على أنه انطلق في رحلته الاستكشافية بحثاً عن أرض جديدة. المسيح فتح للناس عالماً جديداً أزلياً وحياة جديدة وعالم الواقع الروحي وملكوت الله الخالد وموطن الملائكة والأبرار الأبدي. ومن أجل ذلك قَبِلَ أقسى عقوبة إعدامٍ من الناس ولكنه عند تحمّله كل العذابات والإهانات لم يندم من أنه فتح للناس عالماً جديداً وبيّن الطريق المؤدّي إليه.

* * *

لقد قطع الرحّالة المشهور ماركو بولو وهو الأرستقراطي من مدينة البندقية طريقاً عبر آسيا الكبرى. لقد عاش في الصين لسنين عديدة ثم قطع منغوليا وصحراء "جوبي" الواسعة ودرسهما. وعندما عاد إلى وطنه حدّث أبناءَ بلده عن ممالك آسيا العظيمة وعن جمالها وعن ثراء وتألّق ملوك الصين وقصورهم وعن العروض العسكرية الأسطورية وعن آلاف مؤلّفة من الفِيَلة والجِمال وعن المدن الضخمة المحاطة بالأسوار المتينة وعن الشعوب الغريبة وعن الشجرة التي تطرح ثمار الخبز وعن الطيور والحيوانات العجيبة على مختلف أشكالها وعن الحيوانات الوحيدة القرن وعن الأفاعي الضخمة وعن غيرها من غرائب اليابسة والمياه. ولكن أحاديثه عن الواقع الذي عاشه ورآه بأمّ عينيه لسنين عديدة أثارت السخرية والتشكيك من الجميع. اعتبر بعضهم ماركو بولو النبيل مخادعاً والبعض الآخر اعتبروه مجنوناً.

كان أقرباؤه يطلبون منه أن يصمت ولكنه لم يفعل بل تابع أحاديثه، فتركه أصدقاؤه وانضمّوا إلى الساخرين منه، ولكن هذا أيضاً لم يوقف ماركو عن الكلام بالرغم من أن كل فجر كان بالنسبة له بمثابة كأس فارغة تمتلئ بالمرارة إلى أن يحين المساء. وعندما جاءت ساعة موته أحاط بسريره أقرباؤه والمقرّبون منه وألحّوا عليه أن يتراجع عن كل قصصه وأحاديثه التي قالها في حياته وهو أسير لخياله الجامح ، فأجابهم ماركو قائلاً: "أنا لم أبالغ فيما رأيتُ فحسب، بل لم أحدّثكم عن نصف ما رأيت!".

اليوم وبعد مرور ستمائة عام على رحلات ماركو بولو لا نجد إنساناً متعلّماً واحداً لا يصدّق ما حدّثه هذا الرّحالة، ليس هناك من يقول بأنه مخادع أو مجنون.

اتخذ شيوخ أورشليم والكتبة موقفاً أشدّ ضدّ الربّ مقارنة بموقف أهل البندقية ضدّ ماركو بولو. فنعتوا المسيح بالكاذب وبالمجنون لسببين: أولاً، لأن المسيح تكلّم عن وجود مملكة عظيمة وغير محدودة لا تضاهيها أية مملكة من ممالك الأرض؛ ثانياً، لأنه فضح نجاسة قلوبهم التي كانت تعيقهم عن الإيمان بكلامه. اليوم وبعد مضي عشرين قرناً على كشف المسيح لملكوت الله للناس هناك مئات الملايين من نفوس البشر على كوكب الأرض يؤمنون به، ويؤمنون بما رفض الكتبة والفريسيين أن يؤمنوا به، فصارت لنا خبرة ألفيْ سنة تقريباً لهذا الإيمان.

* * *

في الحقيقة لو ظهر المسيح الآن في العالم لما اندهش من أي شيء سوى من أمرين كما منذ ألفيْ سنة: الإيمان وعدم الإيمان.

كان سيقول: "يا أبنائي، يا أولادي وبناتي! ما الذي سيدهشني في وسطكم؟ كل ما هو عجيب في أعينكم لا يمكن أن يثير عجبي ودهشتي أنا. كيف تدهشني مركباتكم السيّارة وطائراتكم، وملائكتي السيرافيم يتحرّكون بسرعة أكبر من سرعة أفكاركم؟

كيف تدهشني تلفوناتكم وراديوهاتكم التي توصل لكم أصوات الناس من البلاد البعيدة إذا كانت ملائكتي في السماء تسمع صلواتكم الخفية ولا حاجة لهم لأي أجهزة؟ أو كيف تدهشني جراموفوناتكم التي تحفظ أصوات الناس وتنسخها لعشرات السنين إذا كانت سماواتي تحفظ أغاني وآهات البشر منذ بدء الخليقة وتنسخها كلما تشاء؟

أو كيف تدهشني أفلامكم التي تنعكس فيها ظلال باهته من دراما حياة الناس والعالم في حين أن سماواتي ترى في طرفة عين كل ما كان يحصل على خشبة مسرح الكون منذ لحظة انبعاث شعاع النور الأول الذي أنار ظلمة الفوضى الكونية وكل ما يحدث وسيحدث إلى انتهاء الأزمنة؟

كل هذه الأجهزة والاختراعات ابتكرها الناس ليس بفضل مؤهّلاتهم ومواهبهم بل لأني أنا كشفت لهم هذا بإيحاء خفيّ. كشفتُ لهم ذلك في وقت خطير جداً، عندما أصبح الناس يعتبرون أنفسهم حيوانات من سلالة الغوريلا. لقد كشفت ذلك لكي يستفيق أبنائي البشر ويروا الهوّة التي تفصلهم عن باقي العوالم والممالك والتي خلقتها بينهم".

كان سيقول: "آه يا أبنائي، يا أولادي وبناتي! ما الذي سيدهشني في وسطكم؟

أأندهش من ثروتكم التي يغطّيها الصدأ ويأكلها السوس؟هأنا لا أعتبر ملايين النجوم الذهبية ثروة بالمقارنة مع كنوز لا تُرى ولا تنضب في خزانتي السماوية! أمْ من جمال ملابسكم المغزولة من أوراق الشجر وعشب الأرض؟ فأنا أكسي زهور الحقل بأجمل ممّا كان سليمان يلبس في مجده. وقدّيسيَّ في السماوات مؤتزرون بجمالٍ لم تره عيونكم ولم تسمع به آذانكم!

أمْ أندهش من قوة جنودكم وكثرة جيوشكم؟ فها هم قوّاتي السماويون يفوق عددهم عدد رمال البحر وأوراق الشجر في الغابات، وأقلّ جندي من جنودي السماويين أقوى من أعظم جيوش الأرض! أم أتعجب من علمكم؟ كل علومكم بالمقارنة مع المعرفة الإلهية الغير محدودة تشبه حبّة رمل في قاع البحر. وحتى هذه المعرفة التي كحبّة الرمل لن تحصلوا عليها بدون تدبير الله ومعونته. لا يا أبنائي، لا يدهشني شيء من كل هذا. ومع ذلك فعندكم شيء لا يزال يُدهشني دائماً: أنا أندهش للإيمان العظيم للكثيرين منكم الذين بالكاد سمعوا باسمي. هذه هي دهشتي وفرحتي. وأيضاً أندهش من عدم إيمان البعض الذين عرفوا ناموسي وأعمالي. فيتحوّل اندهاشي إلى حزن.

أنا أندهش من إيمان الذين أتوا إليّ من الوثنية، وأندهش من عدم إيمان الذين وُلدوا وتربّوا في الإيمان، الذين أجدادهم من جيل إلى جيل تمسّكوا بي وضحّوا بأنفسهم من أجل اسمي.

أندهش من العميان الذين وهم في عماهم يعظّمون خالقهم، وأندهش من المبصرين الذين وهم ينظرون بأعينهم المفتوحة إلى أعمال الله حولهم لا يبصرونها. أندهش من الفقراء والمرضى الذين في فقرهم وفي أوجاعهم يرفعون تسبيحاً للرب، وأندهش من الأغنياء والأصحّاء الذين في غناهم يبقون خُرْساً للشكر لواهب جميع الخيرات.

أندهش من المرضى الموشكين على الموت الذين عند رؤية أجسادهم التي أُُضنيت وتجرّحت وتقيّحت من المرض يموتون وعندهم إيمان بالقيامة والخلود الذيْن وعدتهم بهما. أندهش من شهدائي الذين ضحّوا بأجسادهم من أجل محبّتهم لي، ضحّوا بأجسادهم من أجل الحياة، وأندهش ممّن يضحّون بالحياة الأبدية من أجل الجسد.

آه يا أبنائي! لا شيء يدهشنا أنا وملائكتي سوى الإيمان العظيم لبعضكم ولا شيء يدهشنا أنا وملائكتي سوى عدم الإيمان العظيم لبعضكم الآخر".

* * *

لا يسعني إلا أن أذكر حادثة تؤكّد كلامي هذا. في أثناء الحرب العالمية الأولى جاء كاتب صحفي بريطاني في إطار جولته وسط صفوف الحلفاء إلى الصرب (وكان ذلك في فترة الفصح). اصطفّ الجنود غير المشغولين بالمهامّ العسكرية في عرض عسكري في يوم الفصح فحضر العرض الملك الصربي مُحاطاً بالضبّاط ووقف أمام الجنود المصطفّين وحيّاهم قائلاً: "المسيح قام أيها الأبطال!". فأجابوه بصوت كالرعد: "حقاً قام!". هذا المشهد الاعتيادي بالنسبة لنا نحن الصرب وقع على الرجل البريطاني كوقع الرعد. فبعد ذلك تحدّث في محاضراته في لندن: "في أي جبهة من الجبهات لم أشعر بشعور أعظم من هذا. لكم فقط أن تتخيّلوا، ملك يتوجّه إلى شعبه المسلّح بتهنئة عيد الفصح، فيجيبه جميع الشعب بروح واحدة وبتصميم على الحياة: "حقاً قام!". وهذا يا سادتي لم يحصل في إحدى الكاتدرائيات أو في أحد الصالونات بل في ساحة القتال، في ساحة الموت والألم والرعب، حيث الملك نفسه دون عرشه والشعب دون وطنه وهم جميعاً على الجلجثة! كان ذلك المشهد على درجة من السمو بحيث لا تعبّر عنه الكلمات. كنت أشعر حينها وكأني أمام قيامة المسيح في أورشليم منذ تسعة عشر قرناً. هذا الشعب لا يُقهر. ولا تندهشوا لو قلتُ لكم بأني حينها فقط في تلك الجبهة شعرتُ بإيمان صلب لا يتزعزع بأن الحلفاء سينتصرون، سينتصرون بقوة إيمان هذا الشعب الصغير".

 

القديس نيقولاوس (فيليميروفيتش) الصربي

 

ترجمة عن الروسية:

Святитель Николай Сербский. Почему Господь не смеялся? Что удивляло Господа? // Библейские темы