Text Size

الإثنين, كانون1/ديسمبر 10, 2018

 

Nikolay Serb 99x150الطابق السادس

طوبى للأنقياء القلب، لأنهم يعاينون الله

إنّ نقاوة القلب تقوم على الرحمة، فهذا من البديهي، بما أن الطابق السادس يقوم على الخامس. الشخص الأناني والشحيح لن يشعر أبداً بهذه الغبطة التي اسمها نقاوة القلب.

       إنه لن يقدر أبداً على بناء الطابق السادس من هرمه الفردوسي، لأنه لم يقدر قبل ذلك على بناء الطابق الخامس. كان إبراهيم ممتلئاً من الرحمة، وهذه الرحمة نقّت قلبه، وبنقاوة قلبه عاين ابراهيم الله.

لماذا لا نتكلّم عن نقاوة الروح، وإنما نؤكد على نقاوة القلب؟ لأن القلب هو مركز الروح. من القلب تخرج الأفكار وفي القلب تختبئ الرغبات وفي القلب تعشش الشهوات كلها، لهذا فقد أُعطيت النصيحة في الكتاب: "يا ابني! فوق كل تحفّظٍ احفظ قلبك لأن منه مخارج الحياة" (أم 4: 23).

طالما أن لبّ الشجرة سليم، فبإمكان الأغصان أن تتمايل على جذعها بلا خوف، لكن ما الفائدة من جمال الغصن وكثرة أوراقه إذا كان الدود ينخر قلب الجذع؟ كان القديس سمعان اللاهوتي الجديد يسمّي الخطايا بالدود. إن الخطايا بالنسبة للإنسان هي كدود السوس للخشب. ليس هناك خطايا تنخر قلب الإنسان بقوة مثل الخطايا المختبئة. إذا أخرجتَ الدود إلى الشمس فهو سيجفّ ويموت. اعترفْ بخطاياك حتى ولو لشخص واحد، فستُغفر لك وتُمحى. فالدود والخطايا لا تنشط وتتقوّى إلا في العتمة، في العتمة فقط.  

ما دام داود متمسكاً بشدّة بالشريعة الإلهية كان يتكلم مع الله وكان يخضع لمشيئة الله بسهولة. وما أنْ خالف الشريعة الإلهية، حتى توقف الرب عن الكلام معه وخاطبه من خلال أنبياء آخرين.

القلب النقي هو المرآة التي يحبّ الله أن يرى نفسه فيها. لقد خطّ الله اسمه العظيم والمُهيب في كل مكان، وفي أي لغز من ألغاز الطبيعة يمكن التخمين بوجود الله، ولكنه يُظهر نفسه مباشرة وبدون تخمينات في قلب الإنسان النقي. هكذا يستطيع الإنسان أن يرتقي فوق طبيعته! أي مجد وأي فرح استحقه البشر بأن يتشرّفوا بقبول الخالق كضيف في حجيرات قلوبهم! هذه سعادة عظيمة للبشر، ولكن الذين لم يلقوا نظرة في مذود بيت لحم أبداً ولم يشاهدوا مدى العمق الذي يمكن أن يتنازل إليه الله "المحبّة"، لا يمكن أن يؤمنوا بهذا إلا بصعوبة.  

الإنسان قد يرتفع ويسقط، لكن الله لا يمكن أن يرتفع، يمكنه فقط أن يتنازل. ليس هناك علو أعلى من الله ليرتفع إليه الله، أمّا الإنسان فأعطي الإمكانية أن يُحلّق أعلى من نفسه ويرتفع إلى الأعالي الإلهية. وبسبب ضعفه يسقط الإنسان إلى الأسفل، ولكنه بقوة الله يقوم. يجب على الإنسان فقط أن يُعدّ قلبه وأن ينقيه من أتربة الأخطاء الصغيرة ومن أوحال الخطايا الكبيرة، وكل ما تبقى تصنعه محبّة الرب الإله.

القلب يتنقى بالإيمان وبالرجاء وبالمحبّة، بمخافة الله وبانتظار الموت ودينونة الله الرهيبة، وبالدهشة وبالعجب من المخلوقات التي خُلقت بعظمة العلي وقدرته، وأيضاً باختبار مشيئة الله وبالصبر وبالوداعة وبأشياء أخرى كثيرة.

ولكن حتى لو تنقى قلب الإنسان بكل هذه الوسائل، مع ذلك تبقى في داخله رائحة التراب والخطيئة والموت، ولا تزال موجودة إلى أن يهب الروح القدس مثل ريح من أعالي السماء ويتهوّى القلب، وإلى أن يبرق مثل البرق ويملأه بالأوزون. ليس عبثاً يؤكّد آباء الكنيسة بأنه عندما يختفي مجرّد تذكار الخطيئة المفعولة، عندها فقط يمكن القول بأنّ القلب قد تنقى.

نقاوة القلب تشبه الكريستال الجبلي، ومنه يُبنى الطابق السادس في الهرم الفردوسي. يتسرّب نور السماء من خلال هذه الحيطان الشفافة ولا يُعيقه شيء، فلم يتبقَّ هناك أي أثر لأوساخ الخطايا، وليس هناك ما يعيق السماء من إنارة جميع زوايا ومخابئ النفس في هذا الطابق.

أيها المسيحي، عندما تدخل إلى ملكوت الله، فإن بناءك الروحي هذا سيفرّح ملائكة الله الأطهار والأطفال الذين أخذهم الرب إليه مبكراً والعذارى اللواتي عبرن بعذريتهنّ على جسر الموت إلى الفردوس. في طابقك السادس، الذي هو طابق النقاوة، ستلتقي بهم جميعاً ومعهم سوف تتمتع بمعاينة وجه الله.

القديس نيقولاوس (فيليميروفيتش) الصربي

 

المجموعة: دراسات كتابية