Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Monday, July 16, 2018

Text Size

 

Emmaus 100x84هل الكثيرون منـّا صاروا مسيحيين نتيجة للقاءٍ حسّي مباشر مع المسيح القائم من الأموات؟ هل ظهر هو بنفسه للكثيرين ليقترح عليهم، كما اقترح على توما يوماً، أن يضعوا أصابعهم في آثار المسامير ويتأكدوا من حقيقة قيامته؟ فكيف تحوّلنا من غير المؤمنين إلى مؤمنين وكيف تلقينا هذه الهبة العجيبة التي هي الإيمان المسيحي؟

كان المطران أنطوني سوروجسكي يحبّ ذكر المقولة الرهبانية القديمة التي تقول إنّ "لا أحد يمكن أن يصير راهباً ما لم يرَ في عينيْ الغير إشراقة الحياة الأبديّة". ينطبق ذلك إلى حدّ كبير ليس فقط على الرهبان الذين عزموا على التخلي عن السعادة العائلية، بل على كل الذين قرّروا أن يهجروا العالم الذي ملؤه عدم الإيمان والأنانيّة والرذائل وأن يتبعوا المسيح ويكونوا مخلصين له وشركاء في حياة المسيح التي تتجلى عليهم في حياة الغير. الثقة بشهادة الغير هي ميزة خاصّة بالإيمان المسيحي، وهذا الإيمان هو إيمان شخصي، لكنه يتأسّس على شهادة الآخرين.

نحن لسنا مَن آمن أوّلاً، وإنما تسبقنا عشرات الأجيال من المؤمنين الآخرين الذين تبعوا المسيح وشهدوا لحقيقة المسيحية ليس بحياة البرّ والتقوى فحسب، بل بالموت الاستشهادي أيضاً. كما هو معروف، تعني كملة μαρτυρία في اللغة اليونانية "الشهادة". نحن نتبع المسيح معهم، أيْ مع مسيحيي الأجيال الماضية، وقد وُصّي لنا بالوفاء للمسيح مثل وفائهم، وقد انتقل إلى جيلنا إيمانهم بالمسيح الحي القائم من الأموات. تتجلـّى حقيقة إيماننا من خلال تمسّكنا بالتقليد الذي يُقصد به التسليم. إنّ القصد من الحياة المسيحية اليوم كما في سائر العصور هو "أن نجتهد لأجل الإيمان المسلـّم مرّة للقدّيسين" (يه 3). يتمّ تسليم الإيمان هذا بطرق مختلفة. هناك من يتلقاه من والديه التقيين أو من أصدقائه المخلصين، ويتلقاه البعض من الرعاة والمبشـّرين، والبعض الآخر – مثل المطران أنطوني سوروجسكي – من خلال شهادة الإنجيل المكتوبة. ليس من الصحيح اعتبار الإيمان الذي نشأ من قراءة النصّ الإنجيلي "إيمان الكتبة"، لأن كلمة الإنجيل هي شهادة حيّة من الذين "كانوا منذ البدء معاينين وخداماً للكلمة" (لو 1: 2). يحتوي كل من الأناجيل الأربعة كلمة الله الحيّة الفاعلة القادرة على أن تصل إلى قلب الإنسان وتجعله يخضع للإيمان. ولكن الكتاب لا يقع في يديْ الإنسان من تلقاء نفسه. ثمّة دائماً أيدٍ أخرى ناولتك إياه، حتى لو كانت غير مرئية وغير معروفة لك. "كيف يؤمنون بمن لم يسمعوا به؟ وكيف يسمعون بلا كارزٍ؟ وكيف يكرزون إن لم يُرسلوا؟" (رو 10: 14-15). أسئلة بولس الرسول هذه هي أسئلة بلاغية تتضمّن الجواب في ذاتها وهو: هذا مستحيل. الإيمان الحقيقي لا بدّ من تسليمه. يتكرّر في كل إنجيل من الأناجيل الأربعة التأكيد على أنه يجب الثقة بشهادة الغير. وهذا هو الغرض الذي دُوّنت له الأناجيل كشهادة كتابية للمسيح الذي مات وقام، وذلك لكي نستطيع نحن أن "نتوب ونؤمن" (مر 1: 15).

لم يذكر إنجيل متى عدم إيمان التلاميذ إلا ذكراً خاطفاً بعبارة "ولكن بعضهم شكـّوا" (مت 28: 17)، بينما تولـّي بقية الأناجيل القانونية اهتماماً خاصاً لهذا الموضوع. في كل من إنجيل مرقس وإنجيل لوقا وإنجيل يوحنا نجد عتاباً موجهاً لبعض التلاميذ سببه عدم تصديقهم شهادة التلاميذ الآخرين للقائهم المسيح القائم من الأموات.

بحسب إنجيل مرقس، المبشـّرة الأولى لقيامة المعلـّم هي مريم المجدلية. "وبعدما قام باكراً في أوّل الأسبوع ظهر أولاً لمريم المجدلية التي كان قد أخرج منها سبعة شياطين. فذهبت هذه وأخبرت الذين كانوا معه وهم ينوحون ويبكون. فلمّا سمع أولئك أنه حيّ، وقد نظرته، لم يصدّقوا" (مر 16: 9-11). يشير مرقس إلى أنّ الرسل لم يصدّقوا مبشـّريِْن غيرها، وهو يستطرد قائلاً في إنجيله: "وبعد ذلك ظهر بهيئة أخرى لاثنين منهم، وهما يمشيان منطلقيْن إلى البرّية. وذهب هذان وأخبرا الباقين، فلم يصدّقوا ولا هذيْن" (مر 16: 12-13). فاستحقّ عدم تصديق شهادة الآخرين كهذا توبيخاً من طرف الربّ: "أخيراً ظهر للأحد عشر وهم متـّكئون، ووبّخ عدم إيمانهم وقساوة قلوبهم، لأنهم لم يصدّقوا الذين نظروه قد قام" (مر 16: 14).

نجد نفس التسلسل للظهورات والشهادات في أنجيل لوقا: أولاً ظهور المسيح للنساء (بحسب مرقس، لمريم وحدها)، ثمّ للتلميذيْن الذين ليسا من الاثنيْ عشر. يشدّد كلّ من مرقس ولوقا بذلك على أنّ الأحد عشر كان لا بدّ لهم من تصديق شهادة غيرهم وقبول بشارة القيامة ليس على أساس الخبرة الشخصية، بل على أساس خبرة الآخرين. من السهل أن نفهم لماذا لم يصدّق التلاميذ شهادة النساء، ولعلـّهم فكّروا في نفوسهم: "يمكن أن يُخيّل إليهنّ أيّ شيء!". لم يكن من الممكن أن تكون المرأة شاهدة في المحكمة. إنّ الإنجيل يعطينا جـِدّة عجيبة في حق النساء، فالقائم من الأموات يظهر لهنّ أولاً، وهنّ – وليس الرجال – من يجب أن يكون أوّل من يبشّر للكنيسة الرسولية بأن المعلـّم حي. وماذا بعد؟ "فتراءى كلامهنّ لهم كالهذيان ولم يصدّقوهنّ" (لو 24: 11). ثمّ يصف لوقا بالتفصيل ظهور المسيح "لاثنين منطلقيْن في الطريق" بينما يتحدّث مرقس عن ذلك باختصار، بل يذكر الإنجيلي الثالث اسم أحدهما وهو كليوباس. ثانيهما الغير مسمّى بالاسم هو لوقا نفسه بحسب التقليد الكنسي، بما أنّ الكتـّاب اليونانيين القدماء لم يكونوا يذكرون أنفسهم إلا في صيغة الغائب. فعندما عاش هذان المنطلقان إلى عمواس، أيْ لوقا وكليوباس، وهما خائبان ومُوهّنا المعنويات، حدث اللقاء مع الربّ القائم من الأموات تخلـّصا من كآبتهما ورجعا مسرعيْن إلى أورشليم إلى عند الأحد عشر آمليْن في أن يفرحاهم بهذه البشارة. أمّا شهادتهما لما حدث لهما في الطريق، شأنها شأن شهادة بطرس الذي كان يؤكّد على أنه رأى المسيح القائم أيضاً، فأثارت شعوراً مزدوجاً عند الرسل، بما أنهم أرادوا أن يصدّقوا، ولكن خوفهم واضطرابهم كان يتغلب على إيمانهم (انظر لو 24: 36-37)، حتى أنّ المسيح عند ظهوره لهم كان مضطراً إلى تأكيد حقيقة قيامته لهم، كما يصف ذلك لوقا: "... وقف يسوع بنفسه في وسطهم وقال لهم: "سلام لكم!" فجزعوا وخافوا، وظنوا أنهم نظروا روحاً. فقال لهم: "ما بالكم مضطربين، ولماذا تخطر أفكار في قلوبكم؟ انظروا يديّ ورجليّ: إنـّي أنا هو! جسّوني وانظروا، فإنّ الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي". وحين قال هذا أراهم يديه ورجليه. وبينما هم غير مصدّقين من الفرح، ومتعجّبون، قال لهم: "أعندكم ههنا طعام؟ فناولوه جزءاً من سمك مشوي، وشيئاً من شهد عسل. فأخذ وأكل قدّامهم" (لو 24: 36-43).

ولكن كما يبدو، المطالبة بتصديق شهادة الآخرين يتبيّن الإصرار الأشدّ عليها في الإنجيل الرابع أيْ إنجيل يوحنا. تخبر مريم المجدلية بطرس ويوحنا: "أخذوا السيّد من القبر، ولسنا نعلم أين وضعوه!" (يو 20: 2). يركض الرسولان ويجدان القبر فارغاً على قول مريم. وما الذي نقرأه بعد؟ "فحينئذٍ دخل أيضاً التلميذ الآخر (يكتب يوحنا كما لوقا عن نفسه في صيغة الغائب) الذي جاء أولاً إلى القبر، ورأى فآمن" (يو 20: 8). ويشرح الإنجيلي قائلاً: "لأنهم لم يكونوا بعد يعرفون الكتاب أنه ينبغي أن يقوم من الأموات" (يو 20: 9).

من الواضح أنّه من المهمّ جداً في نظر جماعة تلاميذ يوحنا أن يستند خبر قيامة يسوع إلى الكتاب المقدّس، شأنهم شأن لوقا، حيث عرف التلميذان المعلم القائم من الأموات في إنجيله ليس "عند كسر الخبز" (لو 24: 35) فقط، بل من الكتاب أيضاً، وهما يقولان لبعضهما البعض: "ألم يكن قلبنا ملتهباً فينا إذ كان يكلـّمنا في الطريق ويوضح لنا الكتب؟" (لو 24: 32). التعرّف على المسيح القائم من الأموات استناداً إلى الكتب مهمّ إلى درجة أنّ هذه النقطة أُدرجت في نصّ قانون الإيمان: "... وقام في اليوم الثالث على ما في الكتب"، فنحن لا نؤمن بالمسيح الذي قام من الأموات فقط، بل الذي قام كما قيل في الكتب. إذاً، يجب أن نصدّق شهادة الكتب ولا ننتظر متى يظهر القائم من الأموات لنا بنفسه.

ثمّ نجد في إنجيل يوحنا قصّة مشهورة تخبرنا بالتفصيل كيف تيقـّن توما بالقيامة. لم يكن – وهو أحد الاثني عشر (يو 20: 24) – قد صدّق شهادة باقي الرسل. كلمات المسيح الذي ظهر له ليست موجّهة إلى توما وحده، بل إلينا نحن جميعاً، قرّاء إنجيل يوحنا: "لأنك رأيتني يا توما آمنت! طوبى للذين آمنوا ولم يروا" (يو 20: 29). وهذه هي ميزة الإيمان المسيحي الذي هو بحسب الرسالة إلى العبرانيين "الإيقان بأمورٍ لا تـُرى" (عب 11: 1). لا يسعنا إلا أن نتذكر في هذا الصدد ما قيل في رسالة بطرس الأولى: "... تبتهجون، مع أنكم الآن – إن كان يجب – تـُحزنون يسيراً بتجارب متنوّعة، لكي تكون تزكية إيمانكم، وهي أثمن من الذهب الفاني، مع أنه يُمتحن بالنار، توجد للمدح والكرامة والمجد عند استعلان يسوع المسيح، الذي وإن لم تروه تحبّونه. ذلك وإن كنتم لا ترونه الآن لكن تؤمنون به، فتبتهجون بفرح لا يُنطق به ومجيد، نائلين غاية إيمانكم خلاص النفوس" (1بط 1: 6-9).

إذاً، كل الأناجيل تدعو إلى الإيمان بقيامة المسيح بناء على شهادة الآخرين. هذه هي الميزة الخاصّة للإيمان من وجهة نظر مسيحيّة: ليس الرؤية أولاً ثمّ الإيمان، بل على العكس، الإيمان أولاً، ثمّ الرؤية. مثل هذا الإيمان يرتبط بالرجاء، بحسب قول بولس الرسول، حيث يكتب إلى مسيحيّي رومية: "لأننا بالرجاء خلصنا، ولكن الرجاء المنظور ليس رجاءً، لأنّ ما ينظره أحد كيف يرجوه أيضاً؟ ولكن إن كنـّا نرجو ما لسنا ننظره فإننا نتوقـّعه بالصبر" (رو 8: 24-25). من يؤمن هكذا ستتبعه الآيات، بحسب إنجيل مرقس (مر 16: 17-18). الإيمان وحده يجعل المعجزة ممكنة. قد نبّهت الأناجيل أكثر من مرّة إلى أنّ الربّ لم يستطع أو لم يُرد أن يصنع معجزة لعدم إيمان الناس برسالته المسيانيّة (مت 13: 58؛ مر 6: 5 الخ). وبالعكس، كان إيمانهم بأنه مسّيا، أي المسيح، يفتح مجالاً لصنع معجزة.

هكذا هو الحال في أيّامنا. لا يمكن أن يصير أحدٌ مؤمناً بالمعنى الإنجيلي للكلمة إثر مجرّد رؤية معجزةٍ ما، وإنْ كانت عظيمة مثل معجزة إقامة ميّت. يقول إبراهيم في مثل الغني ولعازر: "إن كانوا لا يسمعون من موسى والأنبياء، ولا إن قام واحد من الأموات يصدّقون" (لو 16: 31).

ليس الإيمان يولد من المعجزة، بل المعجزة تصير ممكنة بناء على الإيمان. تشير قاعدة الإيمان المسيحي إلى أنّ "الإيمان بالخبر، والخبر بكلمة الله" (رو 10: 17). الإيمان المبني على كلمة الله التي يحتوي عليها الكتاب المقدّس هو وحده إيمان حقيقي أرثوذكسي خالٍ من خرافات. وهو وحده قادر على صنع معجزات.

نحن المسيحيين الذين آمنـّا بشهادة الكتب كما بشهادة أولئك الذين قادونا إلى الإيمان، مدعوون إلى أن نصير بدورنا شهوداً لحقيقة الإنجيل وشهوداً للمسيح. هذا ما يحثـّنا عليه كلام المخلـّص الوارد في سفر أعمال الرسل: "ستنالون قوّة متى حلّ الروح القدس عليكم، وتكونون لي شهوداً في أورشليم وفي كلّ اليهوديّة والسامرة وإلى أقصى الأرض" (أع 1: 8). فخطة العمل هذه نجدها في بداية سفر أعمال الرسل.

كلّ من يقرأ هذا السفر إلى النهاية يشعر كأنه لم يُكمل، فالنصّ ينتهي فجأة. يرى بعض الباحثين المعاصرين في ذلك قصداً من المؤلـِّف: كما أنّ تاريخ البشرية لم ينتهِ بعد، هكذا لم تنتهِ البشارة بالإنجيل. لا بدّ من أن يشعر قارئ سفر أعمال الرسل بأنه من بين الذين يتابعون رسالة الرسل، أيْ أنه يكون شاهداً للمسيح وكارزاً بموته الخلاصي وقيامته. ينقل المؤمنون هذا التتابع التبشيري من جيل إلى جيل. تاريخ المسيحية هو تاريخ الشهادة – بالقول، بالحياة، بالموت. واليوم نحن مسيحيّي القرن الحادي والعشرين مدعوون إلى أن نكون متابعين لمهمّة الرسل، أيْ أن نكون شهوداً.

 

الهيجومينوس أرساني (سوكولوف)

ممثل بطريرك موسكو وسائر روسيا لدى بطريرك أنطاكية وسائر المشرق

 

النص الأصلي:

Игумен Арсений (Соколов). Верить свидетельству других / Доклад на ХІІ Успенских чтениях, Киев, 2012