Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Thursday, December 14, 2017

Text Size

 

Nikolay Serb 99x150الطابق التاسع

"طوبى لكم إذا عيّروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شرّيرة من أجلي كاذبين".

والآن أيضاً يدور الحديث عن الاضطهاد، ولكن قبل قليل كان الحديث عن الاضطهاد من أجل البرّ، أمّا الآن فعن الاضطهاد من أجل المسيح. هناك يمثّل البرّ منظومة الفكر والسلوك المسيحي، أمّا هنا فالبرّ الإلهي كله متجسّد في يسوع المسيح.

إنّ هذين الطابقين من الهرم الفردوسي مُشيّدان من نفس المادّة: الآلام من أجل البرّ والآلام من أجل المسيح. وهذه الآلام ثمينة لبناء القصر الروحي إلى درجة أنّ الربّ يكرّرها مرّتين ويطوّب أصحابها مرّتين، كما لو أنه يضع خاتَمين ويثبت بهما حقيقة جميع الفضائل السابقة.

الفرق هو أنه في هذه الحالة الأخيرة يُقصد بآلامٍ أشدّ قسوة وتعذيباً من تلك التي ذُكرت أعلاها. إنّ الإهانات والاضطهادات والكذب والافتراء والشتائم – وكلها من أجل المسيح – تنهال على المؤمن كآخر التجارب وأشدّها رعباً. تحت هذا الضغط حتى أكثر الحجارة صلابة يصير منبسطاً، فكيف يواجه قلب الإنسان كلّ ذلك! تحت شدّة أمواجٍ كهذه حتى أوسخ الأقمشة يصير أبيض، فكيف تثبت روح الإنسان!

الحديث هنا يدور عن الشهادة من أجل المسيح. إنّ الذي يقبل هذه الشهادة طوعاً يقتني مادّة بناء لا تُقدّر بثمن لتشييد الطابق التاسع من هرمه الفردوسي. هؤلاء الذين استطاعوا بامتياز أن يبنوا الطوابق الثمانية الأولى من قصرهم الروحي أكثر شيء يرغبون فيه من كلّ قلوبهم هو أن يقدّموا حياتهم من أجل سيّدهم. إنّ هذا العطش للشهادة كان موجوداً دائماً في كنيسة المسيح مثل نار حيّة منذ أيام الرسل وإلى يومنا هذا.

عندما جاء الوثنيون بالرسول أندراوس "المدعو أولاً" إلى الصليب ليصلبوه، هتف الرسول منتعشاً وفرحاً: "أيّها الصليب الحلو، كم طال انتظاري لك وكم كنت أحلم بهكذا نصيب!". أيضاً القدّيس أنطونيوس الممتلئ من كافة الفضائل كانت عنده رغبة وحيدة في شيخوخته وهي أن يُعذّب وينال موت الشهادة من أجل الإيمان المسيحي، ومن أجل ذلك غادر برّيته متوجّهاً إلى الإسكندرية حيث جادل الهراطقة، وذلك من أجل أن يُقتل على أيديهم. لكن تدبير الله كان مختلفاً، فرقد القدّيس أنطونيوس بسلام في برّيته.

تصوّروا مواكب الشهداء المسيحيين وهم ماشون نحو جلجثتهم، كيف أنهم في الطريق يرتلون الأناشيد الروحية بفرح وكأنهم ذاهبون ليس إلى الموت وإنما إلى عرس. لم يشهد العالم على مدى تاريخه مثالاً أكثر روعة. كان الكثيرون من هؤلاء الشهداء قد عملوا لسنوات طويلة على تشييد أهرامات أرواحهم الفردوسية التي صارت الآن مرتفعة ومشرقة بكلّ طوابقها التسعة.

بعض الشهداء بدأوا للتو في بناء الهرم، وبالكاد لحقوا بتشييد طابق أو اثنين، والبعض الآخر لم يُدعوا مسيحيين إلا قبل يوم واحد أو ساعة، ثم استشهدوا من أجل المسيح.

ومن أجل تضحيتهم الروحية سيكافئ الربّ هؤلاء بقصر روحي مبني من الطابق الأوّل إلى الطابق الأخير، لأنهم كانوا مثل أولئك الفعلة الذين استأجرهم السيّد لكرمه في آخر النهار وأعطاهم نفس الأجرة التي تقاضاها الفعلة الذين اشتغلوا طول النهار. كان القدّيس أدريان ضابطاً رومانياً، وبما أنه انذهل من تضحيات المسيحيين وصبرهم صار مسيحياً أيضاً. قال له الامبراطور الوثني: "لا بدّ أنك جُننت يا أدريان!". فأجاب الشهيد من أجل الإيمان المسيحي: "لا أيّها الملك، أنا الآن فقط اقتنيت الرشد السليم".

يوجد في عصرنا الحاليّ أيضاً مجال للاستشهاد، وهناك الكثير من الشهداء. لقد شهد ملايين الشهداء في روسيا وذكّروا العالم كلّه بأنّ عصر الرسل لا يزال مستمرّاً وبأنّ حصاد الربّ اليوم كثير كما في تلك الأوقات.

ولكن الاضطهاد والتعذيب يلاحق المؤمنين في أماكن ليس بها اضطهاد رسميّ على المسيحيين. فعلى سبيل المثال، تعرّضت جارتنا للضرب من قبل زوجها الغير المؤمن الذي شتمها وطردها من البيت لمجرّد أنها تؤمن بالله وتصلّي. فهل لا بدّ لها من الإمبراطور نيرون مضطهد المسيحيين، إذا كان هناك "نيرون" يعيش في بيتها وقد حكم عليها بالشهادة لأجل المسيح؟ أحد التلاميذ عاد من المدرسة ودموعه تنهمر، لأنّ التلاميذ سخروا منه وشتموه عندما قال إنه يحبّ يسوع المسيح. أحد الجنود تلقى لطمة على خدّه، لأنه رشم علامة الصليب في الطابور.

جميع هؤلاء هم بُناة مُكرّمون للأهرام الفردوسيّة، وفي الحياة الآخرة كلهم سيؤهّلون للوقوف في صفوف على مدّ البصر من الجند المرضي لله الذين تحمّلوا من أجل المسيح الشتائم والإهانات والضرب والافتراء وحتى الموت الأكثر إهانة.

سيكون الطابق التاسع من أهرامهم الفردوسيّة مرصوفاً بالياقوت الأحمر الذي بلون الدم والذي يتلوّن بلمعان سماويّ عجيب. على هذا الطابق يجتمع ويلتقي جميع المُضطهدين من أجل المسيح في هذه الحياة.

 

برج الفرح

يكتمل الهرم الفردوسي بالطابق التاسع. ولكن فوق الطابق التاسع يرتفع بناء يشبه الطابق العاشر أو مثل منارة تنير الهرم بأكمله من قاعدته التي هي التواضع إلى قمّته التي هي موت الاستشهاد. ليس الإنسان من يجتهد في إنشاء هذه المنارة، بل يضعها الربّ بنفسه من أجل محبّته. وبما أنّ هذه المنارة تولّد فرحاً لا يُنطق به في كلّ نفس عند مجرّد رؤيتها إياها، تُسمىّ هذه المنارة برج الفرح.

افرحوا وتهللوا لأنّ أجركم عظيم في السموات.

الفرح والتهلّل والأجر معاً! ليس ذاك الفرح المؤقت، بل الفرح الذي لا نهاية له. ليس المرح الجسدي الذي ينتهي بالمرارة وبخيبة الأمل، لكن التهلّل الروحي الذي يعني النعيم الروحي الأبدي. وليس ذلك الأجر الذي يُعطى لعامل المياومة، وإنما الأجر الذي يُعطى للابن، ليس من سيّد غريب، بل من الآب، وليس مقابل ساعات العمل، وإنما بالمحبّة.

يظهر برج الفرح هذا نازلاً من السماء وليس صاعداً من الأرض، وكأنّ الربّ يتقدّم من خلاله مستقبلاً الإنسان الذي يشيّد قصراً روحياً لنفسه. حقاً إنّ الخالق يزيّن ويضيء بمنارة برج الفرح جميع أركان هرمنا الفردوسي.

يضيء برج الفرح بأكمله بنور لا يوصف مثل حجر الماس الضخم الجزيل الثمن. تنير أشعّته اللمّاعة كلّ البناء من الطابق الأوّل حتى الطابق الأخير، وهي تجمع بلطف جميع طوابق الهرم لتظهر وحدة متكاملة حيّة.

في ختام هذا الحديث يجب توضيح ما يلي: لا يرتكبْ أحدكم خطأ وينظر إلى بناء الهرم الفردوسي كأنه أيّ بناء أرضي. ليس هذا الهرم مادّياً، بل روحيّ. ولكن بالرغم من أنّه ليس مادّياً، فهو حقيقيّ وأكثر واقعية من أيّ بناء منظور. الهرم الفردوسي الذي يُرى من السماء خارج الجسد البشريّ يذكّرنا بإنسان، لكن ليس أيّ إنسان، وإنما الإله-الإنسان، الربّ يسوع المسيح نفسه. حيث أنّ ملكوت السموات لا يقدر أن يدخله من لا يشبه الربّ يسوع المسيح، ولا يستطيع أحد أن يدخله ببناء آخر خاصّ به يختلف عن ذلك البناء الذي قد خطّطه وصمّمه الربّ.

وعندما يحين وقت الانفصال عن الجسد الأرضيّ، عندها سنرى بوضوح – كما ملائكة الله كلهم سيرون أيضاً – ما قد صنعناه نحن كمسيحيين أثناء حياتنا وما قد بنيناه على أساس الربّ يسوع المسيح. لنتذكّر كلمات خادم المسيح، الرسول بولس: "ولكن إن كان أحد يبني على هذا الأساس: ذهباً، فضة، حجارة كريمة، خشباً، عشباً، قشّاً، فعملُ كلّ واحدٍ سيصير ظاهراً لأن اليوم سيبيّنه. لأنه بنارٍ يُستعلن، وستمتحن النار عملَ كلّ واحدٍ ما هو. إن بقي عملُ أحدٍ قد بناه عليه فسيأخذ أجرة. إن احترق عملُ أحدٍ فسيخسر" (1كو 3: 12-14).

ولربّنا وإلهنا المجد والتسبيح دائماً. آمين.

 

النص الأصلي:

Свт. Николай Сербский. Райская пирамида. Толкование заповедей блаженств