Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1

التراث السلافي الأرثوذكسي باللغة العربية

 

 

القدّيسان المعادلان للرسل كيرلس وميثوديوس شفيعي الموقع

Tuesday, November 20, 2018

Text Size

 

Nikolay Serb 99x150"فلستم بعد غرباء ونزلاء بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله. مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية الذي فيه كل البناء مركباً معاً ينمو هيكلاً مقدساً في الرب. الذي فيه أنتم أيضاً مبنيون معاً مسكناً لله في الروح" (أف 2: 19-22).

مقدّمة

في الأزمنة القديمة بنى الفراعنة أهرامات من الحجر. بعض هذه الأهرامات كانت على ارتفاع خمسين متراً، البعض الآخر مئة متر وبعضها تجاوز ارتفاعها المائة متر. وهناك أهرامات أعلى مرّتين من كنيسة آيا صوفيا في القسطنطينية التي تعتبر أعظم كنيسة في المشرق الأرثوذكسي. وفي الحقيقة هذا لغز، فلماذا بنى الفراعنة أهرامات ضخمة كهذه؟ على أية حال كل ما يتعلق بمصر القديمة هو لغز وحكاية وهاجس.

من المرجّح أن الفراعنة شيّدوا هذه الأبنية الحجرية العملاقة حالمين بالخلود لأنفسهم. كانوا يحلمون بخلود الجسد ولو أنهم تحزروا بخلود النفس أيضاً. وفي جميع الأحوال كان الحافز الآخر لبناء الأهرامات هو الغرور ومنافسة الفراعنة لبعضهم البعض. كل واحد منهم رغب في أن يخلّد نفسه في صرح يتحدّى الزمن ويبقى قائماً طالما الأرض قائمة. في كتاب الأموات لقدماء المصريين توجد نبوات عن الدينونة الآتية للإله أوزيريس وعن خلود الإنسان، لكن كل هذا مذكور بطريقة مبهمة وغامضة ومعتمدة على التخمين.

التخمين حول خلود الإنسان في مصر القديمة تمّ الإعلان عنه في المسيحية كحقيقة واقعية. لا نجد إلا في المسيحية مفهوم الخلود متنقياً من كل ضلالات الفراعنة ومنفصلاً عن غموض الرؤى الوثنية وعن التخمينات الخيالية والتبصير حسب المزاج. مفهوم الخلود في العصر المسيحي مؤسّس على وجود الإله الحي الواحد ومرتبط بذبيحة المسيح الخلاصية وقيامته من الأموات وانتصاره على الموت.

والمسيحية بدورها حثت الناس على بناء الأهرامات. إنها حثت على هذا العمل ليس فقط الملوك ومشاهير الناس بل جميع الذين يؤمنون بالمسيح ويتبعونه، لأن جميع المسيحيين مدعوون ملوكاً بحسب يوحنا الرائي: "وجعلنا ملوكاً وكهنة لله أبيه" (رؤ 1: 6).

وبناء على ذلك فإنه من الواجب الشريف على كل مسيحي أن يشيّد هرماً واحداً لنفسه. وبالتالي، فإن عدد الأهرامات في العالم يجب أن يكون بعدد المسيحيين. هذه الأهرامات المسيحية لهي أكثر ارتفاعاً من أيّ هرم فرعوني، ولكن يتعذر قياسها بالأمتار العادية، فهي ترتفع أعلى من الشمس والقمر ومن الكون المادّي كله. إنها ترتفع إلى السماء ولا يمكن رؤية عظمتها وجمالها إلا في السماء. هي لا تخشى الزمن ولا الأمطار ولا الريح ولا الصقيع ولا القنابل ولا القذائف ولا أية قوة تدميرية غاشمة. كل العالم عاجز أمام هذه الأهرامات المسيحية. هي قائمة خارج حدود الدمار والموت. لها ضمانة الخلود في العالم حيث اسم الموت لا يُذكر وشوكة الموت لا تنخز.

وكل هذا لأن هذه الأهرامات روحية وهي أكثر واقعية من أية حقيقة مادّية. هي متأسّسة على أساس روحي، وبالروح مبنية وبالروح مُزيّنة، وبالروح مثبتة، ولملكوت الروح مُخصّصة. ضرورة هذه الأهرامات ومخطّط بنائها أعلن عنهما الرب يسوع المسيح نفسه. أمّا البناؤون فيجب أن يكونوا جميع الناس المعمّدين المُلهمين بمعونة الروح القدس الكليّ القدرة.

كل هرم كهذا يتكوّن من تسعة طوابق أساسية، والطابق العاشر هو برج الفرح الذي يتوّج به الرب نفسه كل البناء. كل طابق يحتوي على عدّة مستويات خاصة وعلى العديد من الأقسام. وكل الطوابق العُليا ترتكز على الطوابق التي تحتها بالضبط كما في أي بناء أرضي. وكل الهرم بأكمله رائع وأنيق يخطف الأبصار.

من المعروف أن الفراعنة بنوا أهراماتهم على الرمال مُحضرين الحجارة من أمكنة بعيدة. أما الأهرامات المسيحية فهي أهرامات فردوسية مؤسّسة على أكثر الأحجار صلابة وهذا الحجر هو المسيح، كما يقول الرسول العظيم: "فلستم إذاً بعد غرباء ونزُلاً بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله. مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية. الذي فيه كل البناء مركباً معاً ينمو هيكلاً مقدساً في الرب. الذي فيه أنتم أيضاً مبنيون معاً مسكناً لله في الروح القدس" (أف 2: 19-22).

فلنتأمّل بإمعان في المخّطط العجيب للهرم الفردوسي وندرس كل طابق منه على حده طابقاً بعد الآخر.

 

الطابق الأوّل

على الشاطئ الغير مرتفع لبحيرة جنيسارت ذات اللون الأزرق جلس البنّاء الإلهي على العشب الأخضر وبدأ بوضع الخطوط الأولية لرسم البناء الجديد. ولكنه لم يخطّه على الرّق ولم يرسمه بالقلم على الورق، بل طبعه في نفوس تلاميذه بكلمات حماسية، مثل الختم الألماسي على الشمع الطري. توضح كلماته الأولى كيف يبدأ بناء الهرم الفردوسي وكيف يُبنى الطابق الأول.  

"طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السماوات".

نطق البناء الأعظم بهذه الكلمات فقط لوضع أساس الطابق الأول، أكبر الطوابق وأكثرها متانة، ذلك الأساس الذي يتوجب عليه أن يحمل على عاتقه كل البناء. تكفيك هذه الكلمات أيها المسيحي، لو كنت حقاً تريد أن تبني هرماً ملكياً تتمتع به في الفردوس الأبدي. أنت نفسك تعرف بأنه كلما كان أساس البناء عميقاً في الأرض كلما كان البناء أكثر ثباتاً. إن المسكنة البشرية هي عميقة جداً ومحتجبة بحيث أن الكثيرين لا يقدرون أن يصلوا إلى قاعها، لكن طوبى لأولئك الذين ينزلون إلى دركها الأسفل.

المسكنة بالروح هي ليست هدية ممنوحة من الخارج، لكنها الحالة الحقيقية للإنسان الذي يجب عليه إدراكها فقط. وقبل معرفة المسكنة يمرّ الإنسان باختبارٍ قاسٍ للذات. كل من يقدر على هذا يصل إلى المفاهيم الثلاثة للمسكنة:

1- المسكنة من وجهة نظر معرفتنا؛

2- المسكنة من وجهة نظر صلاحنا؛

3- المسكنة من وجهة نظر أعمالنا.

المسكنة هي أعلى درجات الفقر. عندما يتأمّل الإنسان في إمكانياته العقلية أو في مزاياه الأخلاقية أو في أعماله فإنه سيصل دائماً إلى قناعة بفقره العظيم المسكنة بكل معنى الكلمة.

لطالما أراد الإنسان أن يعرف مصيره، أراد أن يعرف من هو، ومن أين هو، وكيف يجب عليه أن يسلك محيكاً خيوط نسيج حياته، إلا أنه يرى، حتى لو أنه عالم، فإن كل معرفته بالمقارنة مع جهله تشبه حوض ماء أمام البحر العميق. هو يطمح أن يتفوّق بالفضيلة على المخلوقات الأخرى في العالم، لكنه يرى كيف أنه في كل خطوة يتعثر ويقع في مستنقع الظلم والشر القذر. هو يريد دائماً أن يُبدع أعمالاّ عظيمة وضخمة، لكنه يرى بأنه بدون مساعدة من الخارج لا يقدر على شيء. وعلى هذا المثال، فمن جميع النواحي يقتنع الإنسان بضعفه وبعجزه.

الناس الآخرون لا يستطيعون مساعدته، لأنهم عاجزون وضعفاء مثله. عندها يلتفت الإنسان نحو خالقه ويركع أمامه إلى الأرض ويخضع لمشيئته ويصرخ طالباً المعونة. وهذا الإدراك لضعفه وهذا الفهم الكامل لعجزه يُسمّى "المسكنة بالروح". ومسكنة الروح تناقض التكبّر بالروح، فالتكبّر أكثر عجزاً من مسكنة الروح، فإن المعرفة والشعور بالعجز لهو أقل عجزاً من التكبّر، لأن التكبّر هو ليس جهلاً فقط، بل حماقة أيضاً. التكبّر هو أمّ لجميع الحماقات ولجميع أعمال البشر الشريرة. معرفة النفس تعني مقدرة الإنسان على رؤية عجزه وضعفه والوصول إلى انسحاق القلب ليصرخ في النهاية نحو السيد طالباً الرحمة والمعونة.

الانسحاق أو التواضع الذي ينبع من فهمنا الصحيح لضعفنا هو الأساس لجميع الفضائل وأساس للحياة الروحية لكل مسيحي، وهو أساس الهرم الفردوسي. التواضع هو الباب نحو الله. ذات مرة تجادل الشرير مع القديس مكاريوس وفي النهاية صرخ قائلاً: "يا مكاريوس! أنا أقدر أن أفعل كل الأشياء التي تفعلها، ولكنك تغلبني بالتواضع!". وقال أحدهم عن التواضع: "التواضع ليس له لسان ليتكلم بالشر على الآخرين، وليس له عيون ليرى شرور الآخرين، وليس له آذان ليسمع كلام الشر الصادر عن الآخرين".

من أدرك أنه بعجزه لا يقدر على أي شيء بدون معونة الله يكون قد وضع أساساً وطيداً لهرمه الفردوسي. قال الرب: "بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً". من الصبح الى الليل وفي كل خطوة يدرك الانسان العاقل صحّة هذه الكلمات. وإدراكه هذا يجعله عظيماً أمام الرب.

عندما يتخلّص الانسان من رياح التكبّر الشريرة يدخل في قلبه الهدوء ويحلّ الروح القدس فيه. وعندما يسكن الروح القدس في النفس البشرية، فإنه يبدأ هناك ببناء هرم فردوسي بنفسه بحسب مشيئته وبحسب فكره، لكن تحت ستار الإنسان. أيّها الأرثوذكسي، المهمّ ألاّ تعيق روح الله بأن يسكن فيك ويبدع. المهمّ، أيها الأرثوذكسي، أن تحتقر في داخلك كلّ ما هو منك وليس ما هو من الله، سواء في حقل المعرفة أو في حقل المشاعر أو في حقل الرغبات.

لا تقل أيها المتكبّر: "لماذا عليّ أن أذلّ نفسي وأهينها!" لا أحد يطلب منك أن تهين نفسك، ولكن يجب عليك فقط أن تعترف بأنك أقلّ من الله. لا أحد يطلب منك أن تصبح حقيراً، اعترف فقط بلا جدال بعجزك الذي أنت فيه الآن. عندما تقتنع بهذا وتعترف، عندها فقط ستمتلك المقدرة على وضع الحجر الأول في أساس البناء الروحي لنفسك.

بعد ذلك بإمكانك أن تبني بالكامل كل الطابق الأول لهرمك الفردوسي الذي سيكون كله كأنه من حديد: قوياً مثل الحديد ومشرقاً بلمعان معتم مثل الحديد.

 

القدّيس نيقولاوس (فيليميروفيتش) الصربي

يتبع...