Text Size

الإثنين, تشرين1/أكتوير 22, 2018

 

Nikolay Serb 99x150الطابق الثاني

عندما يكون الطابق الأول قد تم بناؤه بناء متيناً عندها أسرع أيها الأرثوذكسي لتشييد الطابق الثاني. الطابق الأول لا يسرّ العيون بجماله كما الحديد أيضاً لا يجتذب الأنظار لكنه قوي ومتين مثل الحديد الذي يُستخدم في إنشاء الأبنية.

الطابق الأول هو تحت الأرض أكثر ممّا هو فوق الأرض وهو تقريباً غير ملحوظ مثل أساس كل بناء. التواضع لا ينتمي إلى الفضائل المتألقة. الطابق الأول كله مكوّن من الأفكار عن حقارتنا الشخصية ومن الإحساس بضعفنا وعجزنا.

أما الطابق الثاني فكله من الدموع.

"طوبى للمحزونين لأنهم يتعزّون".

الدموع هي مادة عجيبة! هي لينة جداً لكن كم هي متينة! وهي تتلوّن مثل حجر الأوبال. وبالفعل الطابق الثاني بكامله هو طابق من الدموع ويظهر كأنه مبني من حجر الأوبال الكريم.

المتكبّر ليس لديه دموع. هو يفتخر بأنه لم يبكِ ولن يبكي أبداً. هو لا يفهم بأن هذا ضعف وليس قوة. من عينيه تقطر نار جافة تحرق القلوب البشرية. التكبّر نما في طبقة الأرض الرقيقة الجافة فوق الحجر. بينما الرطوبة تكمن في العمق. إن الانسحاق أمام الرب يذكّرنا بحراثة الأرض العميقة حينما ترتفع للسطح طبقات الأرض الرطبة. الإنسان المنسحق والمتواضع القلب يبكي، ونفسه دائماً مليئة بالدموع وتشهد على ذلك عيونه. قد تكلم أحد المعلمين الأرثوذكسيين عن معموديتين: واحدة بالماء والأخرى بالدموع. معلم آخر كان يردّد قائلاً: "ابكِ نهاراً وليلاً ولا تشبع من البكاء!".  

قد تفكّر بأن الدموع هي علامة الضعف. لا تفكر هكذا! المسيحيون الأوائل الذين بكوا أكثر من الجميع كانوا يذهبون إلى الموت وهم ينشدون التراتيل. قال القديس أنطونيوس الكبير: "الدموع هي زيت العيون". أكبر الخاطئات مثل مريم المصرية وتاييسي وبيلاجيا غسلن أرواحهن بالدموع وأصبحن قدّيسات، وهذا ما حصل مع آلاف آخرين.

بإمكانكم أن تسلكوا أنتم هكذا أيضاً أيها الأرثوذكسيون. من المعروف أنه بسبب الضحك يتوجّب التوبة وليس بسبب دمعة واحدة انسكبت. وها هي الكلمات المقدسة من الفم الأقدس: "ويل لكم أيها الضاحكون الآن لأنكم ستحزنون وتبكون" (لو 25: 6). لم يحدث أبداً أنه من بذار الدموع نبت شرّ، أما من بذار الضحك فبالحقيقة نبت شرّ كثير.

ومع ذلك فليس كل الدموع هي دموع ذات روح إنجيلية. بناء الهرم الفردوسي لا يحتاج إلى دموع الغضب الانفعالي ولا إلى دموع الحسرة لخسارة أو عدم الحصول على غنى أرضي.

الدموع الإنجيلية – هي تلك التي تنهمر من قلب منسحق وتائب.

الدموع الإنجيلية – هي دموع الحزن على الفردوس المفقود.

الدموع الانجيلية – هي تلك الدموع التي اختلطت بدموع الاطفال والمتألمين.

الدموع الإنجيلية – هي تلك الدموع التي تغسل ما أحدثناه من الضرر الذي لحق بالمحبة السماوية.

هذا يشبه كيفية تكوّن الندى عندما يلتقي الهواء البارد بالهواء الساخن، هكذا الدموع أيضاً من الطبيعي والسهل أن تنهمر من عينيْ الإنسان الذي يلتقي بدفء محبة الآب السماوي. "صارت لي دموعي خبزاً نهاراً وليلاً" (مز 42: 3)، يعترف الملك التائب داود، عندما التقى قلبه البارد بدفء شمس البرّ الروحية.

أولئك الذين لا يبكون أبداً لا يحصلون أبداً على التعزية. فالطفل الباكي فقط يمكن أن يتعزّى حينما تلاطفه أمّه.

ليس من العبث أن يُسمّى هذا العالم بوادي البكاء. فالرب نفسه عندما جاء إلى عالمنا سكب الدموع.

أيها الإنسان، أنت أمام اختيار بين بكاء وبكاء، لكن ليس بين بكاء وعدم البكاء. إما أن تبكي يائساً وبلا رجاء أمام النيرفانا* العمياء والصماء، وإما أن تبكي أمام المُعزّي الحي. وإذا بكيت أمام المُعزي الحي فستنال تعزية. الرب بنفسه سيظهر لك مثل تعزية لك. وفي هدوء نفسك المتعزّية سيُكمل الرب بنفسه بناء هرمك الفردوسي.

القدّيس نيقولاوس (فيليميروفيتش) الصربي

---------------------

*النيرفانا – مفهوم الفلسفة الهندية وهي حالة الانطفاء الكامل التي يصل إليها الإنسان بعد فترة طويلة من التأمل العميق.

المجموعة: دراسات كتابية