Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Tuesday, November 20, 2018

Text Size

 

Antony Ground 100x67أريد أن أكرّس حديثي اليوم لامرأةٍ لا يتذكرها الآن أحد سوى شخصين كانت هي قد أنقذت حياتهما وسوى عدد قليل ممّن يعرفون هذه الحادثة. المثال الذي أودّ أن أعطيكم إياه يعود إلى العام 1919.

إحدى مدن روسيا الوسطى كانت تنتقل لعدّة مرات من سيطرة سلطة لسيطرة سلطة أخرى*، وأخيراً سقطت المدينة في يد السلطة الجديدة. كانت في هذه المدينة امرأة وهي زوجة لضابط من الجيش الأبيض ومعها طفلاها. اختبأت في بيت مهجور على أطراف المدينة وقرّرت أن تنتظر اللحظة المناسبة لتستطيع أن تهرب. ذات مساء هناك من طرق بابها، ففتحت الباب بحذر وارتعاد وإذا بامرأة شابة من نفس جيلها واقفة على الباب تقول لها: هل أنت فلانة، أليس كذلك؟ يجب عليك أن تهربي فوراً، هناك من أبلغ عنك وفي هذه الليلة سيأتون ليقبضوا عليك. نظرت إليها الأمّ وقالت وهي تشير إلى طفليها: "إلى أين أهرب وطفليّ لن يقدرا على المشي طويلاً وسيتعرفون علينا في الحال!". عندئذ تحوّلت هذه المرأة – التي كانت مجرّد جارتها – إلى مخلوق عظيم يُسمّى بكلمة إنجيلية "القريب"، فابتسمت وقالت للأم: "كلا، لن يبحث عنكم أحد، لأني سأبقى أنا مكانكم". فقالت لها الأم: "ولكنهم سيقتلونك". فابتسمت المرأة الشابة من جديد وقالت: "أجل، ولكن ليس عندي أطفال". فغادرت الأم وبقيت المرأة الشابة في البيت. وفي وقت متأخر من الليل جاءوا ووجدوا هذه المرأة الشابة (كان اسمها ناتاليا) وأطلقوا عليها الرصاص وقتلوها.

ولنا أن نتخيّل الكثير من وراء هذه القصة، لا أن نتخيّل أشياء مبينة على الخيال بل أمثلة من الإنجيل. غادرت الأم مع طفليها وبقيت ناتاليا وحدها في البيت وحلّ المساء وحلّ بعده الليل. كانت العتمة وكان البرد والوِحدة. ولم يكن أمامها سوى موت مُبكّر، موت قسري، موت غير مُبرّر، موت ليس له أهمية، موت امرأة أخرى وهو يصير موتها هي من أجل المحبة فقط لا غير. ألا يذكّركم هذا بليلة الجثسيماني؟ كان عمرها ليس فقط من عُمر الأمّ التي غادرت ولكن من عُمر المسيح المخلّص أيضاً. إنه أيضاً كان في تلك الليلة ينتظر الموت وحيداً وسط الظلام المدلهم وبرد الليل وهو الموت الذي وكأنه لا معنى له والذي هو غريب عنه والذي هو مزمع أن يتكبّده. كان ينتظر الموت الذي ليس موته هو بل موت البشرية الذي أخذه على نفسه.

وصلّى إلى الآب ثلاث مرّات: "يا أبتاه! فلتعبر عني هذه الكأس! يا أبتاه! إن لم يكن من الممكن أن تعبر عني فأنا أقبلها... يا أبتاه! فلتكن مشيئتك..." (مت 26: 36-46).صلاة الجثسيماني هذه هي صراع المسيح قبل الموت، هي ارتعاش طبيعته البشرية كلها أمام فكرة الموت، هي صراع داخلي وتذليل كل شيء لكي تتم مشيئة الآب الخلاصية للجميع. تقدّم المسيح إلى تلاميذه النيام ثلاث مرّات على أمل أن يلتقي بنظرة إنسان وأن يسمع صوت إنسان صديق وأن يلمس يداً ويربت على كتف واحد منهم ولكنهم كانوا نياماً، فقد غلبهم التعب في ساعة متأخرة من الليل والبرد والحزن. عاد إليهم مرّتين، وبقي وحيداً أمام موته ثلاث مرّات، أو بالأحرى أمام موت الجنس البشري الذي أخذه على عاتقه.

كانت ناتاليا لوحدها وكان الجو بارداً والعتمة والوِحدة تخيّمان على البيت، لم يكن هناك مكان لتذهب إليه ولم يكن هناك أحد لتخرج إليه. أو بالأحرى كان بإمكانها أن تخرج فهي لو تخطّت عتبة البيت لعادت هي ناتاليا وليس تلك المرأة التي سيكون موتها موتاً لها. لكنها بقيت في دائرة الموت هذه بإرادتها وبمحبّتها. وبالتأكيد، في هذه الليلة مَثُلت أمامها تساؤلات. لو أن الأمّ استطاعت أن تهرب، لو أن الأم وطفليها يمكن أن ينجوا، عندها سيكون هناك معنى لأن تتحمّل هذه الليلة الجثسيمانية والموت رمياً بالرصاص. وماذا لو كان كل ما فعلته عبثاً؟ ماذا لو كانوا قد ألقوا القبض على المرأة وطفليها، وتم قتلهم؟ هل ستكون تضحيتها بلا فائدة؟

هذا السؤال نفسه راود أعظم أنبياء العهد القديم، يوحنا المعمدان الذي عاصر العهدين القديم والجديد. عندما كان محبوساً في السجن في انتظار موته أرسل اثنين من تلاميذه إلى المخلّص سائلاً: "أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟" (مت 11: 3). ما المخفي من وراء هذا السؤال؟ أليس السؤال المخيف وهو: لأي سببٍ أموت أنا الآن؟ من أجل ماذا؟ إذا كان المسيح هو مَن كان العالم ينتظره، عندها سيكون هناك معنى لجهاده المضني في سنوات شبابه المبكّر ولجهاده البطولي في السنوات الأخيرة ولموته المنتظر، عندها من الممكن قبول كل هذا. لكن ماذا لو أنه كان قد أخطأ؟ ماذا لو أنه قد أخطأ فيما كان قد قاله له الله نفسه؟ ماذا لو أنه أخطأ في دعوته؟ ماذا لو أنه أخطأ في اعترافه بالمسيح؟ عندها ستكون حياته كلها قد هلكت وضاعت بلا معنى، عندها ستكون جهادات شبابه كلها ستذهب سُدى وعبثاً ستكون كرازته، وعبثاً يكون قد صغّر نفسه طوال حياته لكي ينمو المسيح ويزيد إلى ملء القامة وعبثاً يكون قد نقص هو من أجل أن يكون المسيح هو الوحيد الذي تلتفت إليه الأنظار.

والمسيح لم يعطِ جواباً مباشراً لأعظم الأنبياء، لم يحرمه من جهاد الإيمان البطولي، فأعطى للنبي جواباً من كلام النبي (أش 35: 5-6؛ 61: 1): قولوا ليوحنا بأن العمي يبصرون والعُرج يمشون والمساكين يُبشّرون و"طوبى لمن لا يعثر فيّ" (مت 11: 5-6). لم يبقَ أمام يوحنا إلا أن يؤمن حتى النهاية، أن يؤمن بكلمة الله التي صدحت في داخله، أن يؤمن بما رأى عندما جاء إليه المسيح ليعتمد منه على ضفاف الأردن. لم يعزِّه المسيح بل أرجعه إلى كلام النبؤةوإلى ما تشهده له أعماق قلبه وعقله.

من السهل أن نتصوّر بأن ناتاليا فكّرت أيضاً في هذا السؤال: هل عبثاً أنا أموت أم لا؟ ولكن لم يعطَ لها حتى ذلك الجواب الذي حصل عليه المعمدان.

لنتذكّر أيضاً بطرس في الليلة التي قبضوا فيها على المسيح وأخذوه إلى المحاكمة وتبعه بطرس إلى بيت رئيس الكهنة (مر 14: 66-72). توجّهت إليه جارية قائلة: "أنت كنت معه؟" فأجاب بطرس: "لا أعرف هذا الإنسان!" ثم ابتعد نحو الباب. وآخرون قالوا له: "بلى، أنت كنت معه ولهجتك جليلية، أنت من أتباعه!" فيجيب بطرس: "أنا لا أعرف هذا الإنسان!" ثم تأتي جارية أخرى وتقول: "رأيتك في بستان الجثسيماني!" فأجاب: "لا، أنا لا أعرف هذا الإنسان!" وخرج من هناك. قد خرج وهو الآن حرّ طليق، هو الآن لم يعد بطرس ولا صفا ولا تلميذ، بل مجرّد سمعان بن يونا أخو أندراوس، هو كأيّ واحد آخر. ولكن عند خروجه التفت نحو النافذة فرأى المحاكمة، وعندئذ صاح الديك، فأدار المسيح رأسه ونظر إلى تلميذه الخائن، فتذكّر بطرس كل شيء وبكى. لكنه لم يرجع إلى بيت رئيس الكهنة، لم يرجع ليقول للجاريتين وللآخرين: "لقد كذبت عليكم، أنا كنت معه وأنا تلميذه..." بل ذهب. ذهب مصحوباً بالخزي واليأس. تقول إحدى القصص بأنه مثل حيوان جريح اختبأ في بيت يوحنا مرقس (أع 12: 12).

كان بإمكان ناتاليا أيضاً أن تخرج من البيت وتعود مجدداً إلى حياتها، لكنها لم تخرج. ومثالها هذا يثير التساؤل نفسه: ما الذي حصل بعد ذلك؟ من أجل ماذا ماتت؟ هناك جوابان محتملان على هذا السؤال: الأول هو "ليس لأحد حبّ أعظم من هذا: أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه" (يو 15: 13). حتى لو كانت الأم قد قُتلت مع طفليها، فإنها تمّمت الوصية إلى النهاية: "احملوا بعضكم أثقال بعض وهكذا تمّموا ناموس المسيح" (غل 6: 2). أخذت ناتاليا كل أثقال هذه الأم وطفليها وحملتها. وهذا بحد ذاته كان من الممكن أن يكون كافياً. ولكن هناك شيء آخر: لقد نجت الأم وطفلاها فعاشوا بعد ذلك سنين عديدة واثنان منهم لا يزالان عائشيْن، ولكنهم يعيشون على ضوء موت ناتاليا. قالت لي تلك الأم مرّة: "نحن عشنا حياتنا كلها على أمل أن نعيش بطريقة بحيث لا يفقد العالم أي شيء من خلال موت ناتاليا". هم لم يكونوا يعرفون شيئاً عن ناتاليا سوى أنها قدّمت حياتها من أجلهم. لكنهم يعرفون بأن ناتاليا كان من الممكن أن تعيش وتزهر لسنين عديدة كما تنمو تلك الشجرة التي تتآوى في أغصانها كثير من طيور السماء بحسب تعبير الإنجيل (مت 13: 32). كان من الممكن أن تنمو وتزهر بالجمال وتأتي بثمار وفيرة. وها هم الثلاثة أشخاص الذين بقيوا أحياء بموتها أخذوا عهداً على أنفسهم بأن يكونوا هم الثمار لحياة ناتاليا.

إن هذه القصة باعتقادي يمكنها أن تؤثر في كل واحد منا، وقد وعظتُ بها مرّتين أو ثلاث مرات في روسيا ورأيت كيف أن الناس الذين مرّوا بويلات الحرب الأولى والثورة والحرب الأهلية والحرب الثانية يستجيبون ويتأثرون بها. أما نحن فنستجيب استجابة ضعيفة: نتعجّب ونندهش فقط. ومع ذلك فقد كانت ناتاليا إنسانة ريفية بسيطة من وسط روسيا لا تتميّز بأي شيء سوى أنها كانت امرأة تمتلك قلباً، امرأة كانت رأفتها وشفقتها أقوى من محبّتها لنفسها، امرأة استطاعت أن تنسى ما لنفسها – من خلال جهادها الصعب – من أجل أن يستطيع الآخرون أن يعيشوا.

هذا هو المثال البطولي الأعظم بحسب رأيي، وجدير بـنا التفكير فيه. من المستحيل لنا نحن أن نعيده – والحمد لله – ولكن يمكننا أن نتعلّم منه ما حصل في الإنجيل. صورة ناتاليا مفهومة بالنسبة لنا، فهي بنت القرن العشرين وهي ابنة بلدنا. كانت قد مرّت بهذه المأساة التي نحن جميعاً مررنا بها سواء بشكل مباشر أو غير مباشر والتي لا تزال آثارها تعيش فينا. ولكني حاولت في حديثي معكم أن أربط العلاقة بينها وبين الإنجيل، بين بطرس والتلاميذ الآخرين، بين يوحنا المعمدان والمسيح المخلّص. حاولوا أنتم كما أنا أحاول أيضاً من خلال هذا الشعور الحي والقويم والمفهوم الذي يبعثه فينا التفكير في ناتاليا، حاولوا أنتم أن تحيوا في داخلكم قصة المسيح ويوحنا المعمدان والتلاميذ النيام وبطرس المُنكر لمعلّمه والباكي ندماً. حاولوا أن تربطوا حياتكم بالذي وحده قادر على أن يعطيكم قوّة محيية ونوعية الحياة: بالإنجيل وبالمسيح وبالله.

 

المطران أنطوني سوروجسكي

من الأحاديث في صوم الميلاد

لندن، 1979

--------------------

* من سيطرة الجيش الأبيض إلى سيطرة البلاشفة.