Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Tuesday, June 19, 2018

Text Size

 

Varsonof 100x1291907

كان أجدادي تجاراً أغنياء جداً في مدينة سَمارا، وكانوا يمتلكون شارعاً بأكمله كان اسمه الشارع القازاني. وعموماً كلّ عائلتنا كانت تحت شفاعة مميّزة لإيقونة والدة الإله القازانية.

عندما كنت في السنة الثالثة أو الرابعة، كثيراً ما كنت أذهب مع أبي إلى الكنيسة، وفي مرات عديدة عندما كنت أقف أمام إيقونة والدة الإله كان يتهيّأ لي بأن والدة الإله تنظر إليّ من الإيقونة وتبتسم لي وتدعوني للاقتراب منها. فكنت أركض إلى أبي وأهتف: "بابا، بابا، هي حيّة!"

وكان والدي يسألني: " من هي يا بني؟"

فأجيبه: "والدة الإله!"

ولكن والدي لم يكن يفهمني. وذات مرة حصلت معنا حادثة وأنا في السادسة من عمري. كنا وقتها نعيش في بيتنا الصيفي في عزبتنا التي بجانب مدينة أورينبورغ. كان بيتنا يقع في وسط حديقة كبيرة وكان تحت حراسة مشدّدة من الحرّاس والكلاب، بحيث كان من المستحيل على أي شخص غريب أن يتسلل إليه. ذات مرّة كنا نتمشّى في الحديقة أنا وأبي، وفجأة ظهر أمامنا عجوز لا نعرف من أين أتى، واقترب من أبي وقال له: "تذكّر أيها الأب، بأن هذا الطفل في يوم من الأيام سينتشل أرواحاً من الجحيم". قال هذا واختفى فجأة كما ظهر، وفتشنا عنه في كل مكان ولكن بلا جدوى ولم يره أحد من الحرّاس.

لقد توفيت والدتي أثناء ولادتي، وتزوّج والدي مرّة أخرى. كانت زوجة والدي امراة طيبة القلب وتقيّة جداً، لذلك فهي عوّضتني عن أمّي. ومن الممكن حتى أنّ والدتي لم تكن لتقدر أن تعطيني مثل هذه التربية. كانت تقوم في الصباح الباكر وكل يوم كانت تصلّي معي صلاة السحرية بالرغم من صغر سني.

كنت أستيقظ في الصباح الباكر، ولكني كنت أرغب في البقاء في الفراش. كانت الخادمة تُساعد أمي على الاغتسال، أما أنا فكنت أبقى تحت اللحاف في الفراش. وها هي أمّي جاهزة، فتأتي إلى الغرفة وتقول: "آهه، لا يزال بافِل (بولس) نائماً"، فتنادي على الخادمة قائلة: "أعطيني الماء البارد ".

فتجدني في الحال أخرج رأسي من تحت اللحاف وأقول: "ماما، أنا مُستيقظ!"

ويُلبسونني ملابسي، وأتوجّه مع أمي إلى الكنيسة. كانت الدنيا لا تزال ظلاماً، وكنت أمشي مسرعاً وراء أمي وأقع من وقت إلى آخر في حفر الطريق الثلجية. وكانت أمي تحبّ الصلاة في البيت، وكثيراً ما كانت تقرأ الأكاثيستون وكان صوتي الرفيع يرتفع في كل البيت مرتلاً: "أيتها الفائق قدسها والدة الإله خلّصينا!"

عندما بلغت التاسعة من عمري دخلت المدرسة الثانوية. مضت سنوات الدراسة سريعاً، وبعد ذلك التحقت بالعمل واستقررت في قازان تحت حماية ملكة السماء. وعندما بلغت الخامسة والعشرين توجّهت أمي إليّ بعرض للزواج. وبإلحاح منها تقرّبت من النساء لأول مرة في حياتي ودخلت في حديث معهم. فقلت في نفسي: "يا إلهي! إنه ضجر لا يُطاق، فالنساء طول الوقت يتكلمن عن الزيارات والملابس والقبعات. ما الذي سأتحدّث عنه مع زوجتي عندما أتزوّج؟ لا، لا أريد ذلك".

ومضت خمس سنوات أخرى. وصارت أمّي من جديد تنصحني قائلة: "فكّر في الأمر يا بافلوشا٭، قد ترغب في أن تتزوّج، انظر إلى الفتيات من حولك، عسى أن تعجبك واحدة منهنّ ".

وأطعتُ أمّي كما في المرة الأولى، ولكني خرجت بنفس النتيجة بعد الحديث مع النساء وقررت في نفسي ألا أتزوّج. عندما بلغت الخامسة والثلاثين من العمر أعادت أمي الكرّة مرة أخرى وقالت: "بافلوشا، أنت لا تزال تتجنّب النساء، وتكبر في السن وسنوات عمرك تمضي، وقريباً لن ترضى بك الفتيات زوجاً، فانظر بنفسك لئلا تندم فيما بعد".

من أجل طاعتي لأمي نفّذت رغبتها وقررت مرّة أخرى الخوض في حديث مع النساء. كان ذلك في يوم كنت فيه مدعواً لحفلة غداء عند أحد المعارف. وفكّرت في نفسي بأنني سأخوض في حديث غريب عليّ مع الشخص الذي يكون بجانبي على المائدة. فجلست في مقعدي، وإذا بي أجد نفسي بجانب كاهن، وكان متميزاً بحياة روحية سامية، وفتح معي حديثاً حول صلاة يسوع. وكنت أستمع إليه بشغف حتى أنني نسيت تماماً موضوع التحدّث إلى الفتيات. ومع انتهاء الغداء كان قراري الحاسم بعدم الزواج قد نضج، وأخبرت أمّي بقراري هذا. ففرحت أمّي جداً. كانت رغبتها الدائمة هي أن أكرّس حياتي للرب، ولكنها لم تكلّمني أبداً بهذا الموضوع من قبل. وبطرق مُستقصاة عن الفهم أتى الربّ بي إلى الرهبنة. وبرحمة من الله عرفت أوبتينا٭٭ والأب أمبروسيوس٭٭٭ الذي أعطاني البركة لدخول الدير.

وقبل دخولي الإسقيط بسنة، في اليوم الثاني من عيد الميلاد المجيد كنت عائداً من الكنيسة بعد حضور القدّاس المبكّر. وكان الظلام لا يزال باقياً والمدينة تنهض لتوّها من النوم. وفجأة اقترب مني رجل عجوز يطلب صدقة. وتنبّهت للتو بأني نسيت محفظة نقودي، ولم يكن في جيبي سوى عشرين كوبيكاً٭٭٭٭ فأعطيتها للعجوز قائلاً: "سامحني، لا يوجد معي أكثر من ذلك". فشكرني وأعطاني قربانة، فأخذتها منه ووضعتها في جيبي ورفعت عينيّ لأقول له شيئاً، ولكنه كان قد اختفى. وعبثاً تلفتّ في كل النواحي باحثاً عنه لأنه اختفى بلا أثر. وفي السنة التالية وفي نفس اليوم كنت قد دخلت الإسقيط.

لو أمعنّا النظر في الحياة لوجدناها مليئة بالعجائب، لكننا في الغالب لا نلاحظها ونعبر عنها بلا مبالاة وبعدم اكتراث.

فليعطنا الرب الحكمة لنقضي أيّام حياتنا بانتباه ولنسير نحو خلاصنا بخوف وورع. آمين.

-----------------

٭ "بافلوشا" هي صيغة التصغير من "بولس".

٭٭ "أوبتينا" هي اسم مختصر لدير دخول والدة الإله إلى الهيكل للرهبان في برّية أوبتينا في محافظة كالوغا بشمال روسيا. اشتهر الدير في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين كأهمّ مركز لتقليد الإرشاد الروحي من قبل الشيوخ الروحانيين في روسيا.

٭٭٭ القدّيس أمبروسيوس (غرينكوف) المتوشح بالله (1812-1891) هو أشهر شيوخ دير أوبتينا.

٭٭٭٭ 1/100 من الروبل.

المرجع الأصلي:

Преподобный Варсонофий Оптинский. Беседы старца с духовными чадами/ 1907-1912 гг