Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Sunday, September 23, 2018

Text Size

 

Anthony1 100x100يقول الأسقف ثيوفان الحبيس في أحد مؤلفاته: "الراهب هو- نفس ملتصقة بالله". "نفس ملتصقة بالله"، إله حي ونفس مُختلجة وساجدة بخشوع أمام الله، نفس عرفت وأحبّت الله بحيث أنّ كل شيء في الوجود بالنسبة لها قد فقد بهاءه وفقط محبة الله هي التي تشرق وتنير.

      نفس "ملتصقة بالله"- هذا يعني بأن كل ما تحويه حياة الراهب وكل تطلعاته وطموحاته في الحياة تكون إلى الله وحده. ولكن هذا لا يعني أبداً عدم الاكتراث والبُرود وانعدام المحبّة للمخلوقات وبشكل خاص للإنسان.

هناك حادثة عجيبة يرويها لنا الستاريتس سلوان الآثوسي الذي رقد بالرب في سنة 1937. فيروي بأنه كان ذات مرة جالساً مع شيوخ الدير فسألوه:

"لماذا تسير الأمور بهذا الشكل، نحن نراقب العمّال ولكنهم يعملون بخمول وبدون رغبة في العمل، أما أنت فلا تراقبهم ولا تتابعهم ومع ذلك فهم يعملون عندك بجد ونشاط ومن القلب أيضاً؟"

فقال الستاريتس سلوان بأنه لا يملك جواباً على هذا ولا يقدر إلا أن يوضّح ما يفعله... فأوضح، بأنه قبل أن يخرج إلى العمّال ليعطيهم خطة العمل اليومية فهو يصلّي طويلاً من أجلهم جميعاً ومن أجل كل واحد منهم. بعد ذلك يخرج إليهم بقلب مفتوح ملؤه المحبّة والفرح واللطف... ويعطي كل واحد منهم عمله بحسب مقدرته. ثمّ يكرّس كل الساعات التي يقضيها العمّال في العمل إلى الصلاة من أجل كل واحد منهم. فروى بأنه يقف أمام الله ويقول: "يا رب! اذكر عبدك نيكيتا الذي له من العمر العشرون عاماً ونيف فقط، وقد أتى إلى جبل آثوس من أجل الفقر والجوع لأن قريته فقيرة جداً، وترك هناك زوجته الشابة مع طفلهما الرضيع، وكم يتقطّع قلبه اشتياقاً لهما! وهو أمّي لا يقرأ ولا يكتب وزوجته أيضاً ممّا يعني بأنه لن تصله أخبار منهم طوال السنة أو السنتين التي سيقضيها في آثوس، فعزِّ قلبه يا رب واحمِ زوجته من كل غِواية واحمِ طفلهما!.."

ويتابع الستاريتس: "وهكذا أنا أصلي. وكلما تعمّقت في الصلاة كلما ازداد إحساسي بحضور الله - إلى تلك اللحظة التي عندها تختفي الأرض فجأة بالنسبة لي ولا أعود أتذكّر شيئاً إلا الله. وأُُحْمَل كما بتيّار جارف إلى أعماق الله، وهناك في أعماق المحبّة الإلهية أجد نفسي من جديد وجهاً لوجه مع نيكيتا ومع زوجته ومع طفلهما ومع قريتهما ومع كل كُربة وفقر. لكن الآن أنا أحبّهم ليس بمحبتي أنا، وأصلي من أجلهم ليس بصلاتي أنا، إنما بمحبّة المسيح وبصلاة المخلّص. ويعيدني الرب من جديد إلى الأرض، وبمحبّة جديدة وبرأفة جديدة أبدأ بالصلاة من أجل الآخرين. وتأخذني الصلاة مرة أخرى إلى أعماق الله وفي هذه الأعماق ها أنا من جديد وجهاً لوجه مع احتياجات الأرض وأبكي من أجلها".

هذا مثال لنا على الجهاد في الصلاة، جهادٌ يخلعنا عن كل اهتمام دنيوي، ولكنه في نفس الوقت لا يعزلنا عن الرأفة وعن محبة الناس. جهاد يجبرنا أن ننسى كل الأرضيات من أجل الله والعودة مع الله فقط إلى الأرض، العودة كمحبة – محبة زاهدة ومنكرة للذات، وكرأفة لجميع المخلوقات. وهذا طريق طويل وشاق.

في الإرشاد الذي يُلقى على طالب الرهبنة قبل الرسامة الرهبانية تتشكّل صورة صارمة يتوقعها الراهب أو الراهبة قبل الرسامة. وهي الكلمة المفرحة التي تعلن لنا إلى أي مدى وكيف نقدر أن نتبع المسيح ونتشبّه بالمسيح ونمشي على خطاه. من الممكن أن نتذكّر كلمات المخلّص نفسه التي وجّهها إلى يوحنا ويعقوب في طريقهم إلى أورشليم في أيام الآلام: "أتريدان أن تشربا كأسي، أمستعدّان أن تشرباها؟ أتوافقان أن تغوصا في هول الأوجاع التي تنتظرني؟" وإذا أجبنا: "نعم" فيصير هذا الجهاد الرهباني فرحاً لنا، وتصبح ضيقة الجثسيماني والحياة والمسيح حرزاً ثميناً لنا. إنه طريق عجيب! هو طريق إلى الحياة من خلال بستان الجثسيماني والصليب والنزول إلى الجحيم، لكن بعد ذلك ستكون القيامة والصعود إلى العُلا مع الإله القائم من بين الأموات ربّنا يسوع المسيح!

ويسألوننا في بداية جهاد الرهبنة: أتأخذ على عاتقك؟ أتلتزم بالبقاء في الدير مدى الحياة؟ ويظنّ البعض بأن هذا الوعد يتلخّص في البقاء مع مجموعة الإخوة أو الأخوات وعدم مغادرتهم. ولكن في الواقع الحديث هنا يدور عمّا هو أكبر بكثير: عدم المغادرة – هذا يعني أن أقف أمام الله مرّةً وإلى الأبد، عارفاً بأني إن لم أجد الله هنا فلن أجده في أي مكان آخر. ولا داعي للبحث عنه في كل الأرض. إنه هنا! ولكن، إن فتحت له قلبك بالجهاد – جهاد الصليب، جهاد المحبة... قف أمام الله! قف ثابتاً!

     يقول لنا القديس سلوان عن هذا أيضاً، عندما أصبح راهباً، صلى لمدة 14 عاماً بدموع من أجل لقاء الرب. وفي أحد الأيامSiluan 100x126 قام وأراد أن يسجد أمام إيقونة المخلص وفجأة وقف شيطان بينه وبين الإيقونة بحيث أن القديس لم يقدر أن يسجد أمام الإيقونة. وعندها كانت نفسه تتمزّق وكانت أوتار قلبه تتقطّع فقال في هلع ويأس: "يا رب، أنت لا تُسترحم!"

وذلك بعد 14 سنة من الصلاة المثابرة والغير منقطعة!... وعندها اختفى الشيطان، ووقف أمامه المخلّص... فرأى القديس سلوان في عينيه محبّةً بقي كل أيام حياته يتحدّث عن هذه المحبة فقط، وكأنه قد نسي كم من الوقت مضى وهو يقرع على الباب الذي كان يبدوا مغلقاً دون أن يعلم بعد من خبرته في ذلك الوقت بأنه ليس عبثاً دعى المسيح نفسه بالباب الذي يؤدّي إلى الحياة الأبدية. قرع القديس سلوان فانفتح الباب وظهر أمامه وجه المسيح.

هكذا يجب علينا الوقوف أمام الله: نقرع الباب دون أن نتوقع بالضرورة بأن الباب سيُفح اليوم، لأن الله ينتظر منا الوفاء. إنه يريد أن يقيس مدى عطشنا وجوعنا إليه. وفقط عندما يرى الله بأننا لن نضيّع لقاءنا معه في دروب هذا العالم عندها يظهر لنا بمجد إلهي منير. أما طريقنا فهو – الفقر أوعدم القنية والعفة والطاعة.

إن الفقر وعدم الغنى هو تطبيق للتطويبة الأولى: "طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السموات". ليس مجرّد الفقر المادي هو الذي يخلّصنا، والطريق إلى الله لا يكون دائماً من خلال الجوع والعطش. الحديث هنا يجري عن أمر آخر، ألا وهو أنّه على الإنسان أن يدرك بأنه لا شيء بدون الله وبأن كل ما يملكه ليس إلا عطية المحبة الإلهية أو المحبة البشرية. يقول الرسول بولس: "ما الذي تملكه ممّا أُُعطي لك؟ وأيّ شيء لم تأخذه؟" دُعيت من العدم إلى الوجود وأخذت الحياة من الله وأخذت من الله - برحمته الإلهية اللامتناهية- معرفة الله. وكل شيء آخر هو من الله أيضاً: الجسد والعقل والقلب والإرادة... كل شيء. نحن لم ننشئ شيئاً ممّا هو لنا، وما هو لنا لا نستطيع أن نحتفظ به بالقوة.

إذا تعطّل أصغر شريان في دماغ الإنسان، حتى لو كان من أكبر العلماء، فسيتحوّل إلى شبه حيوان بحيث أنه يكون موجوداً ولكنه غير قادر على التفكير. أحياناً نواجه مصيبة لأقرب الناس إلينا، فتتكوّن لدينا رغبة من صميم القلب في التعاطف مع حزنه ولكن في هذه اللحظة يكون قلبنا مثل الحجر. نحن لا نسيطر على القلب، فضلا عن أن إرادتنا ضعيفة ومتذبذبة وميّالة إلى الغواية.

وكذلك يدعونا الرب إلى العفة، فهي نقاوة الأفكار والقلب والجسد. تبدأ العفة من تلك اللحظة التي أنظر فيها إلى قريبي بورع لأنه صورة الله، لأنه إيقونة، وهو بالنسبة لي مقدّس.

ليس هو الذي يجب أن يخدمني، بل أنا الذي وهبني الله القدرة على النظر إليه كأنه أيقونة وصورة الله، فيجب عليّ أنا أن أساهم في صيرورة هذ الإنسان. أجل، صيرورته! التي هي التحوّل من الصورة إلى مثال الله الحي.

وأخيراً الطاعة. نحن غالباً ما نفهم الطاعة على أنها ضرورة الخضوع لإرادة الغير، ولكن هذا جزء صغير من الطاعة. الطاعة تتضمّن الإصغاء والإنصات من كل قلبك ومن كل قدرتك ومن كل ضعفك ومن كل كيانك إلى كلمة الله القوية القادرة على تغيير الإنسان والتي تحوّل الخاطيء إلى مسيحي وتجعل مني إنسانا حقيقياً. ولكننا نعرف بأن هناك أمور تحول دون مقدرتنا على الإصغاء والسمع والعمل مثل إرادتنا الذاتية وكسلنا وخوفنا وأهواء مدمّرة أخرى... لذلك من المهمّ جداً أن تكون الطاعة الرهبانية غير مشروطة.

لن نقدر على القضاء على إرادتنا الذاتية وكشف قدرتنا على الإصغاء بكل قوّتنا لنسمع ما يجب أن نسمعه إلا بعد أن نتعلم الإصغاء غير المشروط دون أن نشكّك في أي شيء بل نجيب "آمين" على كل ما يقوله لنا الأب الروحي. لا بدّ من أن نتجاوز فهمنا الذاتي بحيث نقدر أن نفهم غيرنا، ونتجاوز حدود قلوبنا عن طريق فتحها لغيرنا، ونتجاوز تذبذب إرادتنا بثباتنا في الطاعة لإرادة الغير مهما كلّفنا ذلك. وعندما نتغلب على إرادتنا الذاتية، عندها نكتسب الشفافية واللين ونصبح بحسب قول الأسقف ثيوفان الحبيس بمثابة الوتر المشدود إلى درجة سليمة بحيث لا يتمزق بسبب التوتّر ولا يبقى مرتخياً غير فعّال. إن هذا الوتر مشدود بحيث يكون قادراً على بعث صوت سليم. ففي هذه الحالة نكون قادرين على سماع كلمة الله ونصبح مجاهدين حقيقيين.

فهذا هو طريق الرهبنة وهو طريق الصليب وإنكار الذات، ليس إنكار النفس، بل إنكار كل ما هو دنيء فينا، وذلك لننتهي إلى قياس ملء قامة المسيح. آمين.

 

المطران أنطوني سوروجسكي (بلوم)