Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Thursday, July 19, 2018

Text Size

 

Varsonofii 2 95x150ديسيمبر 1908

"يا صهيون ارفعي عيونك المستديرة وانظري، فها أنّ أولادك قد تواردوا إليك كدراري مستضاءة من الله، من المغارب والشمال والبحر والمشرق مباركين الرب فيه إلى الأدهار"٭. والآن يمكن القول: وأنتم يا أبنائي تقاطرتم هنا من أماكن مختلفة بحثاً عن المسيح. فليكافئكم الرب على هذا وليرسل لكم السلام وليملأ قلوبكم بالفرح المقدّس.

       طوباكم، لأنكم أحببتم الرب وها أنتم تقضون عيد الميلاد المجيد بين جدران هذا الدير. العالم يغرق الآن في الخطيئة والرذيلة، ويهلك الكثيرون ويضيعون بلا رجعة، أما أنتم فإنكم هنا بأمان في هذا الملجأ المقدّس، في ضيافة والدة الإله.

وأنتم موجودون هنا بواسطة صلواتها وشفاعتها. فاحمدوا الرب، لأنه يحرسكم من المصائب والهجمات. ومن الممكن أنّ بعضكم سيؤهل لارتداء الإسكيم الملائكي. أنا لا أدعوكم إلى الدخول في الدير ولا إلى الخروج من الدير، فالخلاص ممكن في العالم أيضاً. المهمّ ألا تنسوا الله، ولكن الذين يختارون الدير يأتون إلى هنا لتحقيق الكمال العلوي. وبصراحة، هنا التجارب أكثر، ومع ذلك تُعطى المعونة من الرب في الدير أكثر ممّا في العالم.

أراد أحد القدّيسين أن يعرف كيف يساعد الله الرهبان، فرأى رؤية. لقد رأى راهباً محروساً بجوق من الملائكة بمصابيح مشتعلة. يقولون بأن التجارب في العالم أقلّ ممّا هي في الأديرة، ولكن تصوّروا معي إنساناً يركض هارباً من أحد الأشرار، وحتى لو افترضنا بأن هذا الإنسان استطاع أن يفلت من يديه، لكن الشرير سيتوعّده من بعيد مُهدّداً: "ستقع في قبضتي!" أو لنتصوّر إنساناً يسير في طريقه، وبغتة تتعرّض له عصابة من اللصوص، ولا مجال للهرب. ولكن فجأة يظهر فوج من العسكر ويهبّون لمساعدة هذا الإنسان فيهرب اللصوص مدميي الوجوه مذعورين. ففي الحالة الثانية يكون الإنسان في أمان أكثر من الحالة الأولى، أليس كذلك؟

وحتى وجه الإنسان الذي يعبد الله هو بذاته يعبّر عن فلاحه الروحي. ذات مرة رأيت في الكنيسة أسقفاً وكان وجهه قد لفت انتباهي. وتذكرت كلمات الإنجيل: "لأن وجهه كان متّجهاً إلى أورشليم" (لو 9: 53). بالفعل فإن هذا الأسقف كان يعيش حياة النسك وكان متجهاً نحو أورشليم العلوية بخطى ثابتة. وبالعكس، فإن وجه الإنسان الفاسد يعكس حالته النفسية. والمحزن في الأمر أن هناك أناس بنفسيات جيّدة ولكنهم يتعاملون مع الحياة بلا انتباه، يعيشون يوماً بعد يوم دون أن يقدّموا حساباً لأنفسهم عن تصرّفاتهم فيهلكون.

أنا الآن أتذكر من الماضي البعيد أحد معارفي الجيّدين الموسيقار والملحّن باسخالوف. لقد كان يمتلك موهبة عظيمة، وكان المستمعون يتزاحمون بالآلاف على حفلاته الموسيقية.

أنا عندما كنت في العالم كنت هاوياً كبيراً للموسيقى وكنت أعزف على "الهارمونيكا". ومن أجل تطوير الأداء، ابتدأت بأخذ الدروس عند باسخالوف. وطلب مبلغاً كبيراً مقابل الدروس فوافقت لأني كنت أمتلك النقود. بعد ذلك أحبّني أنا الغير المستحق وعرض عليّ أن أمارس معه الموسيقى بدون مقابل ولكنني رفضت طبعاً. كانت دروسنا تسير بنجاح، ولكني كنت حزيناً جداً وذلك لأن باسخالوف قد ابتعد عن الكنيسة نهائياً، وبسبب ذلك تحدّثت معه أكثر من مرة في الموضوع.

كنت أقول له: "الخلاص مستحيل بدون الكنيسة، أنت تؤمن بالله، فلماذا ترفض الوسيلة إلى الخلاص؟" فأجابني: "وما الغرابة فيما أفعل؟ أنا أعيش مثل جميع الناس أو كمعظمهم، فما الحاجة إلى الطقوس؟ وهل الخلاص مستحيل بدون الذهاب إلى الكنيسة؟"

فأجيبه: "نعم مستحيل، هناك سبعة أبواب للخلاص، أنت قد دخلت في واحد منها فقط، لكن يجب الدخول في الأبواب الأخرى".

- "أية سبعة أبواب؟ أنا لم أسمع مثل هذا من قبل".

- "السبعة أبواب، هي أسرار الكنيسة السبع. أنت دخلت من باب واحد وهو المعمودية، ولكن يجب الدخول في باب التوبة والاتحاد مع المسيح في سر الإفخارستيا..."

- "ما هذا الذي تقوله لي يا بافل إيفانوفيتش! كل واحد يخدم الله حسب استطاعته وحسب ما يراه ضرورياً، أنت تذهب إلى الكنيسة وتمارس الصوم وما إلى ذلك، أما أنا فأخدم الله من خلال الموسيقى. أليس هذا نفس الشيء؟"

ودون أن ينتظر مني جواباً أخذ بالعزف.

لم أسمع أبداً مثل هذه الموسيقى، لقد كان عزفه في ذلك المساء لا مثيل له. كنت أسكن في غرف مفروشة بالفندق، فازدحمت كل ممرّات الفندق بالناس، وانفتحت كل أبواب الغرف، كان الجميع يرغبون في سماع هذا الموسيقار العبقري. وأخيراً توقف عن العزف.

فعلّقت: "رائع، مُدهِش. لكن الموسيقى تبقى موسيقى فهي لا تقدر أن تكون بديلة عن الكنيسة، لكل شيء وقته". وامتدّ حديثنا في ذلك المساء إلى ما بعد منتصف الليل بكثير. لقد غادر وهو في مزاج خاصّ وكان هادئاً وفرحان. وفي اليوم التالي أتى عندي من جديد. فقال لي: "هل تعلم يا بافل إيفانوفيتش بأني طوال ليلة البارحة فكرت وقلت لنفسي كم أنا خاطئ كبير، كم من السنوات مرّت دون أن أصوم. لكن قريباً سيحلّ الصوم الكبير فسأصوم وسأتناول".

فقلت له: "لماذا تنتظر الصوم الكبير؟ صُم الآن.... ". لقد كان بسخالوف مُحقاً في تفكيره، لكنه نسي بأن هناك عدو لن يعجبه هذا التغيّر الحاصل معه، فكان الأجدر ببسخالوف أن يستعدّ للحرب. لكنه أسقط كل هذا من حساباته. وذات مرة عاد بسخالوف إلى بيته في وقت متأخر من الليل وأمر الخادمة بأن تدفع الأجرة لسائق العربة، فخرجت الخادمة إلى الشارع ولكنها رأت كائناً بشع المنظر جالساً على كرسي السائق، كان منظره مُخيفاً وفائق البشاعة إلى درجة أن الخادمة أُُغمي عليها. ومن غير المعلوم أين كان بسخالوف وإلى أين أخذه العدو؟ لكنه في اليوم التالي مات موتاً فجائياً، وهلكت نفسه إلى الأبد. أنا أشعر بالأسف عليه من أعماق قلبي. إن العدو يمدّ شباكه في كل مكان راغباً في هلاك الإنسان، فيُهلك الطائشين العديمي الحذر.

عندما ابتدأت تدريجياً في الإبتعاد عن العالم وكنت لا أزال بعد في العالم، توقفتُ عن زيارة الكثير من البيوت وبقيت أتردّد على بيتين أو ثلاثة من الأسر المسيحية التقية. كنت في زيارة لإحدى هذه الأسر وكانت تتكوّن من أمّ عجوز وابنتها الأرملة وحفيدتها.

وذات مرة جلسنا حول مائدة الشاي وتحادثنا. فقصّت عليّ الأرملة ما يلي:

"عندما فقدت زوجي منذ عدّة سنوات مضت، كنت حزينة وكئيبة للغاية. وفقدت الحياة بالنسبة لي جاذبيتها. وابتدأت فكرة الانتحار تتوارد على رأسي أكثر فأكثر. لن أنسى أبداً عشية فصح تلك السنة الحزينة. لقد تمّ الاستعداد للعيد في بيتنا وذلك بفضل والدتي وكان البيت مزيّناً يزهو بحلة العيد. ولكن نفسي لم تشعر بالفصح بل امتلأت بيأس مظلم.

لقد كانت والدتي تعلم بحالتي النفسية الصعبة ولذلك لم تكن تتركني لوحدي، وقرّرتُ أن أستغلّ ليلة الفصح لكي أنفذ فكرة الانتحار. كانت أمّي دائماً تحضر سحرية الفصح وهذا كان يعني بأني سأكون لوحدي في البيت مع ابنتي الصغيرة التي لن يعيقني وجودها. فقلت لأمّي بأني لن أذهب معها إلى الكنيسة لأن رأسي يؤلمني. فقالت لي أمي محاولة إقناعي: "نامي الآن وارتاحي وبعدها من الممكن أن يزول الصداع وعندها نذهب معاً إلى الكنيسة". ذهبتُ للنوم لئلا أدخل في حديث مطوّل مع أمي، وغفوت. وفجأة رأيت حلماً مُروّعاً: كنت أقف على مقربة من سرداب مُظلم تحت الأرض وتراءت من بعيد أعمدة من اللهب ومن أعماق الأرض كانت تركض نحوي صديقتي في المعهد وكان جسمها مليئاً بالحروق وحبل يلتفّ على عنقها ومنظرها مُخيف. فناديتها قائلة: "أولغا، أولغا ماذا بك؟" فصرخت بي قائلة: "وأنت أيضاً أيتها الشقية تريدين أن تأتي إلى هنا!" وفجأة دوى صوت جرس كنسي كبير، وفتحت عينيّ والخوف والرعب يتملكني وعندما رأيت غرفتي فرحت لأني لست في السرداب تحت الأرض. في هذه اللحظة دخلت والدتي الغرفة. فقالت أمي: "هل استيقظت يا عزيزتي؟ كيف رأسك الآن؟"

فأجبتها: "لقد زال الصداع، سأذهب معك إلى الكنيسة". ففرحت والدتي وقالت: "المجد لك يا رب! كنت سأحزن لو أنك بقيت بدون سحرية الفصح".

وبعد قداس الفصح وتبادل القبلات بيننا والإفطار أخبرتُ والدتي بكل شيء. وبصعوبة بالغة حصلنا على عنوان عمّ صديقتي أولغا الذي كان يعيش في سيمبيرسك وكتبنا له رسالة نسأله فيها عن عنوان صديقتي أولغا. فجاءتنا منه رسالة جوابية يخبرنا فيها خبراً حزيناً وهو أن ابنة أخيه أولغا انتحرت منذ سنتين. وعندها فهمنا أنا وأمي مغزى الحلم".

إنّ الرب أرشد أمته من خلال حلم. عموماً أنا لا أولّي أهمية للأحلام، ولكن توجد أحياناً أحلام مميزة. أعرف رجلاً رأى حلماً عن إحدى الراهبات. لقد رأى، وإذا بالأمّ الرئيسة والراهبات أحضرن راهبة موثوقة اليدين والرجلين وفتحن باباً أرضياً وأصبحن يُنزلن الراهبة فيه. ففكّر الرائي قائلاً: "يا إلهي، إلى أين سينزلنها؟". أما الأم الرئيسة فأمرت بإنزالها أعمق فأعمق وكانت تمسك بيديها نهاية الحبل الذي رُبطت به الراهبة. فاستيقظ الرائي من نومه. وفي الصباح تقابل مع راهبة عجوز من ذلك الدير فقصّ عليها حلمه.

فسألته الراهبة العجوز: "هل لك أن تصف لي تلك الراهبة؟" فأجابها: "هي شقراء وطويلة القامة وعلى وجهها نمش". فقالت الراهبة: "نعم، حلمك صحيح. بالفعل لقد وقعت هذه الراهبة في خطيئة، فأرسلتها الأم الرئيسة إلى قلاية الدير البعيدة المنعزلة". وعندما سألوا الستاريتس أمبروسيوس عن تلك الراهبة التي سقطت، أجاب: "هي لن تهلك، لأنّ الأم الرئيسة كانت تمسك بنهاية الحبل ولم تفلته من يديها، وهذا يعني بأن الراهبة ستخلص".

وأنا أقول لكم، سيروا نحوا الخلاص يا أبنائي، وليؤهلكم الربّ لأن تصبحوا مطيعين لملكوته. وليجمع الرب أرواحنا بعد الموت ونجتمع هناك ونتذكّر هذا الكوخ وجلساتنا.

أيها الرب يسوع المسيح يا ابن الله ارحمنا نحن الخطأة، وأهّلنا لشركة نورك الذي لا يعروه مساء في ملكوتك السماوي.

آمين.

---------------------------

٭ الأودية الثامنة من قانون الفصح.

الكتاب الأصلي:

Преподобный Варсонофий Оптинский. Беседы старца с духовными чадами. - 1907-1912 гг

(يتبع)