Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Thursday, January 18, 2018

Text Size

 

6Varsonof 100x129 يناير 1909

عظيمة هي المكافأة التي أعدّها الرب للذين يحبّونه. يقول القديس بولس: "... ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على بال بشر، ما أعدّه الله للذين يحبّونه" (1كو 2: 9).

أجل، طوبى للذين تأهّلوا لنيل الحياة الأبدية. نحن الآن لا نقدر أن نفهم ما هو الفردوس. لقد أظهر الرب لبعض الناس الفردوس بشكل حسّي، ورأوه في كثير من الحالات في صورة بستان جميل أو كنيسة. وعندما كنتُ في العالم عزّاني الرب مرّتين بأن أراني الفردوس في الحلم. ذات مرة رأيت مدينة بهية تقع على قمة جبل وكانت جميع بنايات هذه المدينة ذات جمال غير عادي وبطراز معماري مميّز لم أرَ مثله من قبل. كنت واقفاً أمتّع ناظريّ بإعجاب شديد. وفجأة رأيت "ميشا"٭ المتباله يقترب من المدينة وكان لابساً قميصاً طويلاً إلى ركبتيه وكان حافي القدمين. تمعّنت فيه فرأيته لا يمشي على الأرض وإنما يتحرّك مندفعاً طائراً في الهواء. أردت أن أسأله شيئاً فلم ألحق لأن الحلم انتهى واستيقظت من النوم. استيقظت وفي نفسي شعور فرح غير عادي. عند خروجي من البيت رأيت "ميشا" فجأة، فكان على عادته مسرعاً وفي عجلة من أمره. فقلت له: "يا ميشا، لقد رأيتك اليوم في حلم". فنظر إلي وأجابني: "لأنه ليس لنا هنا مدينة باقية ولكننا نطلب العتيدة" (عب 13: 14). قال هذا ومضى مسرعاً.

في حلم آخر كنت أقف في كنيسة بديعة الجمال في خدمة قداس الفصح وكان الباب الملوكي مفتوحاً. وكان يقف على الأمبون شماس إحدى كنائس مدينة قازان يرتل أودية من قانون الفصح والخورص يردّ عليه. وانطبعت في ذهني بشكل خاص الكلمات الأخيرة: "سمّي تامّاً٭٭.". كان ترتيل الخورص مدهشاً. لم أسمع في حياتي ترتيلاً كهذا، تهيّأ لي بأن كل ذرّة في الهواء كانت ترتل. كانت رقة الترتيل تأخذني إلى فرح وابتهاج لا يمكن وصفه. في الوقت الحاضر لم أعد أنا الخاطئ أرى مثل هذه الأحلام، الرب لا يعطيني تعزية كهذه (كأنه يقول لي :امض هكذا في طريق الحياة)، لكني أتمنى أن أعيش ذلك الفرح العظيم ولو لمرّة واحدة. وأذكر بأني بقيت طويلاً متأثراً بهذا الحلم محاولاً أن أتذكر كل حيثيّاته. كنت أيضاً أفكر: لماذا رأيت هذا الشماس بالذات في الكنيسة السماوية؟ فصرت أسأل الناس الذين يعرفونه. في البداية كنت أحصل على أجوبة لم تقنعني مثل :"عنده صوت ممتاز"... لكن الصوت الممتاز لا يُدخل الإنسان إلى الفردوس. فعلمت بعد هذا أنه يعيش حياة النسك في الخفاء.

آه، لو أهّلنا الرب جميعنا لأن نحظى بالفردوس السماوي! مع أنه يجب علينا أن نرجو ذلك، فاليأس خطيئة مميتة. هناك درجات مختلفة في الغبطة السماوية كلٌّ حسب استحقاقه، فهناك من سيكون مع الشيروبيم وآخرون سيكونون مع السيرافيم وهكذا. أما نحن فحسبنا أن نكون في عداد الذين يخلصون.

هناك نسّاك عظام مثل القديس سيرافيم المتوشّح بالله، هؤلاء عاشوا بالروح مثل ملائكة السيرافيم والآن هم يرثون المجد معهم. لا يقدر الجميع طبعاً على أن يصلوا إلى مثل تلك القداسة. كان المرحوم أبونا مكاريوس٭٭٭ يقول: "تلك الكواكب المضيئة مثل القديس أنطونيوس الكبير والقديس مكاريوس المصري وغيرهما كانوا عند الله مثل جنرالات الجيش فشغلوا مناصب جنرالات في السماء، أما نحن الجنود فبركة لنا إن شغلنا آخر مرتبة في صفوف المُخلّصين".

روح الشرّ المشتعل حسداً لجنس البشر يسعى ليُضلّ الجميع عن الطريق السليم وهو بالفعل يُضلّ الكسالى والمتهاونين.

ذات مرة ظهر الشيطان بشكل حسّي لأحد النّساك، فسأله الناسك: "لماذا تهاجمون جنس البشر بهذا الحقد والضغينة؟"

فأجاب الشيطان: "ولماذا أنتم البشرأخذتم أماكننا الشاغرة؟"

لقد فقد الشياطين أماكنهم في الغبطة السماوية بسبب كبريائهم، والبشر الآن يشغلون تلك الأماكن بواسطة الاتضاع! إن الاتضاع يرفعنا فوق شِباك الشيطان. 

في إحدى المرات رأى القديس أنطونيوس الكبيرفي رؤيا كيف ينصب الشيطان شباكه لجميع الناس في كل مكان. فتكدّر الناسك وتنهّد وقال: "يا رب، من يستطيع أن يتجنّب هذه الشِّباك؟" فسمع الجواب: "المتّضعون".

يجب أن نسعى بجدّ لاقتناء الاتضاع، فبدونه كل جهاداتنا لا قيمة لها. ولو ظنّ الإنسان نفسه بأنه ذو قيمة فهو هالك. فالخاطئ المتضع محبوب من الرب أكثر من البارّ المتكبّر. 

كان القديس مكاريوس المصري المتوشح بالله يمتاز بمواهب روحية خاصة ولهذا يُطلق عليه لقب مكاريوس الكبير. لكن في ذات يوم جاءه فكر بأنه هو المركز الروحي لكل الإقليم الذي يعيش فيه وبأنه الشمس التي يستضيء بنورها الكثيرون. وبالفعل هكذا كان، لكن عندما ابتدأ القديس مكاريوس يفكّر في هذه الأشياء عن نفسه، سمع صوتاً يقول له بأن هناك إمرأتين تعيشان في القرية المجاورة وهما مرضيتان عند الرب أكثر منه. فحمل الستاريتس عصاه وانطلق يبحث عن هاتين المرأتين. وبتدبير إلهي وجدهما بسرعة ودخل إلى بيتهما. 

عندما رأت المرأتان القديس مكاريوس خرّتا ساجدتين له وهما لا تجدان كلمات لتعبّرا بها عن دهشتهما لرؤيته وعن شكرهما له. فرفعهما القديس وابتدأ يسألهما بأن تكشفا له عن كيفية إرضائهما لله. فقالت المرأتان:

- أيها الأب القديس، نحن لا نفعل شيئاً يرضي الله، صلِّ لنا، لأجل الرب.

ولكن القديس أصرّ على المرأتين بأن لا تحجبا عنه فضائلهما. فخافت المرأتان من أن تعصيا الستاريتس فابتدأتا تحدثانه عن حياتهما:

- كنا غريبتين عن بعضنا البعض ولكن تزوّجنا من أخوين فأصبحنا نعيش معاً وها نحن لم نفترق لمدة 15 سنة. طوال هذه المدة لم نتخاصم ولم تقل إحدانا للأخرى كلمة مسيئة واحدة. نثابر بحسب الإمكان أن نتواجد أكثر وأكثر في الكنيسة، نلتزم بالأصوام الكنسية، وبحسب مقدرتنا نساعد المحتاجين... ونعيش مع أزواجنا كما مع إخوتنا، ولا يوجد لدينا أي شيء حسن أكثر من هذا. 

- وهل تعتبران نفسيكما قدّيستين أو بارّتين من وراء الخير الذي تفعلانه؟

تعجبّت المرأتان:

- قديستين؟ أيّ قديسات وأيّ بارّات نحن؟ نحن خاطئتان عظيمتان. صلِّ من أجلنا أيها الأب القديس، فليرحمنا الرب!

فباركهما القديس ثم اعتزل راجعاً إلى الصحراء وشاكراً لله على الإرشاد الذي ناله. ولم يخبرهما بكلمة عن الرؤيا التي رآها خوفاً من أن يعثرهما بمديحه لهما.

على غرار القديس مكاريوس الكبير حصل هذا أيضاً مع القديس الناسك بيتيريم الذي أخبره الملاك ذات مرة بأنه بالرغم من كل جهاداته فهو لم يصل بعد لدرجة القداسة التي وصلت إليها إحدى مريدات الرهبنة التي تعيش في دير شركوي. وبإرشاد من الملاك انطلق القديس بيتيريم قاصداً ذلك الدير.

ولدى وصوله هناك طلب من رئيسة الدير أن تريه جميع راهبات الدير. وعندما حضرت جميعهنّ وابتدأن بأخذ البركة، سأل القديس بيتريم:

- ألا يوجد أخت أخرى؟

فأجابت الرئيسة:

- يوجد، لكن لا يجوز إحضارها، هي شبه مجنونة ونحن نحتملها هنا في الدير من أجل الشفقة فقط.  

ومع ذلك أصرّ القديس على إحضارها. أتت الأخت لابسة أسمالاً مهلهلة وإيشاربها منسحل على رأسها. سألها القديس:

- أين كنت يا أم؟

فأجابت:

- كنت مستلقية عند البالوعة.

فقال لها القديس:

- لماذا هكذا يا أم، ألم تجدي مكاناً أفضل؟

فأجابت:

- أنا لا أستحق مكاناً أفضل من هذا.

فسمح لها القديس بيتيريم بالذهاب، ثم توجّه نحو الرئيسة والأخوات وقال:

- ديركم هذا يملك كنزاً لا يُقدّر بثمن، أختكم هذه المتواضعة هي مُرضية عظيمة لله. 

اضطربت الراهبات جميعهنّ لدى سماعهنّ ذلك. فواحدة اعترفت للقديس بأنها كثيراً ما كانت تضرب تلك الأخت، وثانية اعترفت بأنها كانت تشبعها شتماً، وثالثة تحتقرها جداً حتى أنها كانت لا تعتبرها إنساناً، ورابعة اعترفت بأنها كانت عن قصد تسكب عليها الغُسالة (ماء الشطف). أرادت الراهبات في الحال أن يطلبن السماح من تلك الأخت، فلما علمت بأنهنّ يردن الاعتذار منها، غادرت الدير سراً وذلك هرباً من المجد الباطل الذي من الممكن أن يهلكها. قال الرب: "من رفع نفسه إتّضع ومن وضع نفسه ارتفع" (لو 14: 11).

--------------------

٭ ميشا (Миша) – صغة التصغير من اسم "ميخائيل".

٭٭ الأودية الرابعة من قانون الفصح.

٭٭٭ الراهب الكاهن مكاريوس إيفانوف (1788-1860) - قديس من شيوخ أوبتينا.