Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Friday, January 19, 2018

Text Size

 

Varsonofii3 99x150يونيو 1909

في هذه الأيام ابتدأت تنتشر قناعة ليس فقط بين العلمانيين ولكن أيضاً بين الإكليروس الشباب وهي أن العذاب الأبدي لا يتوافق مع رحمة الله الغير محدودة وبالتالي فإن العذاب غير أبدي.

هذه الضلالة تنشأ من عدم الفهم، فالعذاب الأبدي والغبطة الأبدية هما ليسا مجرّد أشياء تأتينا من الخارج، ولكنها قبل كل شيء من داخل الإنسان نفسه... "ملكوت السماوات في داخلكم" (لو 17: 21).

كل المشاعر التي يزرعها الإنسان داخل نفسه أثناء حياته هي ما يغادر بها إلى الحياة الأبدية. الجسد المريض يتعذّب على الأرض وكلما اشتدّ المرض زاد العذاب. وهكذا هي الروح المصابة بأمراض مختلفة تبدأ تتعذّب عند انتقالها إلى الحياة الأبدية. مرض الجسد المستعصي ينتهي بالموت، ولكن كيف يمكن أن ينتهي مرض الروح بما أنّ الروح لا تموت؟ الحقد والغضب والسخط والزنا وغيرها من أمراض الروح هي مثل الأفاعي تزحف وراء الإنسان إلى الحياة الأبدية.

ومن هنا يتلخّص الهدف من هذه الحياة وهو أن نسحق تلك الأفاعي هنا على الأرض لتتنقّى نفوسنا كلّياً، لكي نقول مع مخلّصنا قبل الموت: "... رئيس هذا العالم آتٍ وليس له فيّ شيء" (يو 14: 30). النفس الخاطئة التي لم تتنقَّ بالتوبة لا يمكن أن تكون في مجمع القديسين. ولو أسكنوا تلك النفس في الفردوس لما أطاقت التواجد فيه ولكانت ستسعى إلى أن تخرج من هناك. بالفعل، كيف يتواجد القساة مع الرحماء والزناة مع الأعفاء والأشرار مع العُطفاء؟

ذات مرة دُعي أحد المدرّسين البسطاء إلى مأدبة غداء. وأجلسوه بين الجنرالات على المائدة، فشعر بحرج، لم يعرف كيف يستخدم السكين والشوكة مثل جلسائه من عُلية القوم، وربط المنديل على عنقه ونظر فإذا به الوحيد الذي فعل هذا، فوضع المنديل على ركبته فانزلق على الأرض فانحنى تحت المائدة ليرفعه. أنواع الطعام كانت كثيرة لكن المدرّس رفض بعضها لأنها غريبة ولم يعرف كيف تُؤكل. طوال فترة الغداء كان كمن يجلس على المسامير ويحلم: متى ينتهي هذا كله؟ أما الآخرون فكانوا يتصرّفون وكأنهم في بيوتهم وتناولوا من جميع الأطعمة وكانوا يتحدثون بمرح ويضحكون. وأخيراً انتهى الغداء وبعد الحلوى قدّموا آخر وجبة وهي عبارة عن كؤوس صغيرة مملوءة بسائل أبيض شفّاف وموضوعة في داخل فناجين زجاجية كبيرة. قدّموا أوّلاً للجنرال الجالس بجانب المدرّس فأخذ الفنجان ووضعه بجانبه وثمّ للمدرّس. وكان المدرّس عطشان فتناول الكأس وشرب ما فيها دفعة واحدة، فلم يستطعم بلذة لأنها عبارة عن ماء ساخن ونعنع. وكم أصابه الارتباك عندما رأى أن الجميع كانوا يتمضمضون منه ولم يشرب أحد هذا الماء.

فقام عن المائدة منزعجاً للغاية وقاطعاً على نفسه عهداً بأن لا يحضر حفلات الناس الأكابر فيما بعد. انظر كم هو مُزعج ومكروه أن يكون المرء في مجتمع غريب عنه هنا على الأرض، فكم بالأحرى هناك في السماء. 

تنتشر الآن انتشاراً واسعاً نظرة غير صحيحة في العذابات بشكل عام، وتفهمها الناس من منظور معنوي وبتجرّد زائد على أنها تأنيب للضمير. بالطبع سيكون هناك تأنيب للضمير ولكن سيكون هناك أيضاً عذاب للجسد، ليس لجسدنا الذي نلبسه الآن ولكن للجسد الجديد الذي سنلبسه بعد القيامة. وجهنّم هي مكان معلوم وليس فكرة تجريدية.

كان يعيش في إحدى المدن ضابط شاب وكانت حياته ملؤها الفراغ واللهو، ويبدو أنه لم يفكر أبداً بالمسائل الدينية، وفي كل الأحوال كان يتعامل مع هذه المواضيع بشكّ وريبة. وإليكم ما حصل ذات يوم وبحسب روايته: " في إحدى المرّات رجعت إلى البيت وكنت أشعر بالتوعّك، فاستلقيت على السرير ويبدو أني غفوت... فرأيت في المنام أنني موجود في مدينة غير معروفة لي وكان منظر المدينة حزيناً والبنايات الكبيرة الرمادية اللون شبه المهدّمة تبرز كئيبة وخلفها تظهر السماء بلون شاحب.

الشوارع ضيّقة ومعوجّة وأكوام القمامة في كل مكان، ولا يوجد أحد! ولا أي مخلوق بشري! من المؤكد أن المدينة كانت مهجورة بسبب عدو. لا أستطيع أن أعبّر عن الشعور بالكآبة واليأس الذي تملّكني. يا إلهي، أين أنا؟ أخيراً ها أنا أرى في قبو إحدى البنايات شخصين معروفين لديّ، المجد لك يا الله! من هما؟ صرت أحثّ ذاكرتي فتذكرت بأنهما رفيقيّ في الثكنة وقد ماتا منذ عدة سنوات. وهم بدورهما عرفاني وسألاني: "كيف ذلك، وأنت أيضاً هنا؟". وبغض النظرعن غرابة اللقاء، فرحت وطلبت بأن يرياني أين يعيشان. فقاداني إلى سرداب رطب تحت الأرض، فدخلت إلى حجرة أحدهما. فقلت له: "صديقي، أنت كنت في حياتك تحبّ الجمال والأناقة، وكانت شقتك دائماً رائعة الجمال، والآن؟". لم يجبني بشيء، كان فقط ينظر بعينين شاحبتين مليئتين بالحسرة إلى جدران سجنه المظلم.

وسألت الآخر:"وأنت أين تعيش؟". فقام متنهّداً بأنين متوجّهاً إلى عمق السرداب. لم أتجرّأ على أن أتبعه وتوسّلت إلى رفيقي الثاني بأن يُخرجني إلى الهواء الطلق، فأراني الطريق وبصعوبة بالغة خرجت أخيراً إلى الشارع فقطعت بضع أزقة فانتصب أمام عيني حائط حجري ضخم، ليس هناك وجهة للذهاب إليها. استدرت فإذا بحيطان عالية مظلمة من خلفي أيضاً، كنت وكأني موجود في داخل شوال حجري.

"أنقذني يا ربّ!" – صرخت يائساً واستيقظت. وعندما فتحت عينيّ، نظرتُ وإذا بي أقف على حافة هاوية مُخيفة وهناك مخلوقات مُرعبة تحاول جاهدة أن تدفعني إلى تلك الهاوية. تملّك الرعب كلّ كياني. "ساعدني يا رب!"- ناديتُ من قلبي واستفقتُ. يا إلهي، في أي مكان كنتُ، وفي أيّ مكان أنا الآن موجود؟ سهل رتيب كئيب مُغطّى بالثلج، ومن بعيد تظهر جبال هرمية الشكل. ولا يوجد أي إنسان، وأنا أمشي، وها هو نهر مُغطى بطبقة رقيقة من الجليد.

هناك أناس على الناحية الأخرى، وهم يمشون أرتالاً ويردّدون: "الويل، الويل!". فقرّرتُ العبور إلى الضفة الأخرى. الجليد يتصدّع ويتكسّر ومن النهر تظهر وحوش تحاول أن تقبض عليّ. وأخيراُ ها أنا على الضفة الأخرى. الطريق يؤدي إلى الجبل، الجو بارد وفي النفس كآبة لا تنتهي. لكن هناك بعيداً تظهر النار، وأرى خيمة منصوبة وفيها أناس. الحمد لله، لست وحدي! وأدنو من الخيمة، ونظرت وإذا الجالسين في الخيمة هم ألدّ أعدائي، وانقضّوا عليّ شامتين: "آآآ، وقعت أخيراً في أيدينا أيها العزيز ولن تذهب من هنا حيّاً". فصرخت:" يا إلهي خلّصني وارحمني!". ما هذا؟ أنا مُمدّد في تابوت وأسمع خدمة الجناز وحولي الكثير من الناس، وأرى كاهننا العجوز،الذي تميّز بحياة روحانية سامية وعنده موهبة الرؤية، فأتى بسرعة نحوي وقال: "هل تعلم بأنك كنت بالروح في الجحيم؟ لا تتحدّث الآن بأي شيء، اهدأ!".

منذ ذلك الوقت تغيّر الشاب فجأة، ترك الفوج واختار لنفسه عملاً آخر، وابتدأ بالذهاب للكنيسة كل يوم وكان كثير التناول من الأسرار المقدّسة. رؤيا الجحيم تركت في نفسه انطباعاً لا يُمحى. إنّ تذكار الموت والجحيم مفيد جداً للنفس... "في جميع أعمالك اذكر أواخرك، فإنك لن تخطئ أبداً" (سيراخ 7: 39). مع أن تذكار الغبطة السماوية يساعد أيضاً في حفظ الإنسان من السقوط.  

عاش في أحد الأديرة راهب اسمه بيمن، وكان من الأوكرانيين وكان أمّياً وله من العمر سبعون عاماً. كانت خدمة الطاعة له في الدير هي تقطيع الحطب وإحضار الماء وإشعال النار. كان الطبّاخ في ذلك الدير معروفاً بطبعه النزق وبسرعة غضبه وكان كثيراً ما يغضب ويضرب الأب بيمن بكل ما تطاله يده: بمحراك الطبخ أو بالملقاط أو بالمكنسة. لم يرَ أحد قط بأن الأب بيمن غضب من الطباخ أو قال له كلمة جارحة. في بعض الأحيان كان يسأله الإخوة: "هل تتألم، أيها الأب بيمن؟" فيجيب: "لا بأس، أصابتني بظهري"، وكان وجهه الكهل يُشرق بابتسامة.

ذات مرة وفي أثناء الصلاة غفى أحد رهبان هذا الدير فرأى حلماً: كان في بستان فيه أشجار ذات جمال غير عادي ومحمّلة بالثمار وتفوح منها رائحة عطرية، ففكّر الراهب في نفسه وتساءل: "من صاحب هذا البستان الرائع؟". وفجأة رأى الأب بيمن.

هتف الراهب: "كيف، أنت هنا؟".

- "الرب أعطاني إياه، هذا منزلي الصيفي. كلما شعرت بانقباض في نفسي آتي إلى هنا وأتعزّى".

- "هل تقدر أن تعطيني من ثمار الجنّة هذه؟"

- " طبعاً، بكل سرور، مدّ ثوبك نحوي".

مدّ الراهب ثوبه فملأ الأب بيمن حِجْره بالثمار العجيبة. في تلك اللحظة رأى الراهب والده الكاهن المتوفي.

"أبي، أبي، وأنت أيضاً هنا؟" - هتف الراهب فرحاً ومدّ يديه نحو أبيه، فأفلت طرف الثوب من يديه ووقعت الثمار كلّها على الأرض. استيقظ الراهب. كان الوقت صباحاً.

نظر الراهب من نافذة قلايته وسمع صراخاً: "أنت أيها السافل!". كان الطباخ يصرخ: " مرة أخرى لم تُحضر ماءً كافياً، يجب أن تكون البراميل كلها ملآنة وأنت حتى لم تتفحّصها أيها البهيم!" وضرب الطباخ الأب بيمن بالمحراك بكل ما أوتي من قوّة. خرج الراهب من قلايته واقترب وقال للطباخ: "ابتعد عنه". والتفت الراهب إلى الأب بيمن وسأله: "أيها الأب بيمن، أين كنت الآن؟" فأجاب الأب بيمن: "غفوت قليلاً في المطبخ وبسبب ذاكرتي الهرمة نسيت أن أحضر الماء الكافي وبذلك جلبت على نفسي عقوبة الطباخ العادلة واستياءه مني.

- لا، أيها الأب بيمن لا تخفِ عني، أين كنت أنت الآن؟

- أين كنتُ؟ كنتُ هناك حيث كنتَ أنت. الله الذي رحمته لا توصف أعدّ لي ذلك المنزل.

فسأله الرهب: "ماذا لو لم تسقط الثمار من حجري؟"

فأجابه الأب بيمن: "كانت ستبقى معك، وكنت ستصحى من النوم وستجد حجرك مليئاً بالثمار، ولكن عندها كان سيتوجّب عليّ أن أترك الدير".

بعد هذه الحادثة بوقت ليس بطويل توفي الأب بيمن ورحل للأبد إلى المنزل المُعدّ له. ليؤهّلنا الرب الإله بأن نسكن في دياره مع كل الذين أرضوه!

تحدّث أحد رهبان جبل آثوس إلى ستاريتس برية أوبتينا مُخبراً إياه بالآتي: "لقد كنت في شبابي غنياً جداً وكنت أعيش عيشة المرح والترف. كنت سعيداً في كل النواحي. ومضت السنون وأصبحت صاحب مصانع كبيرة وكان دخلي يُعدّ بالملايين. وكنت أمتلك صحّة جيدة ولم أكن أفكر في أمور الحياة أبداً وكان موضوع العقاب والثواب بعد الموت بالنسبة لي خرافة.  

غفوت ذات مرة بعد الغداء في مكتبي. وفجأة رأيت بكل وضوح ملاكاً منيراً وأخذني من يدي وقال: "لنذهب، سأريك المكان الذي سيكون بيتك إلى الأبد". فتبعتُ الملاك بخوف.

هبطنا إلى وادٍ. وفي وسط الوادي ارتفع جبل هرمي الشكل وكانت تخرج منه أعمدة من دخان ومن داخل الجبل كانت تُسمع أصوات عويل. قال الملاك: "هذا هو المكان الذي ستأتي إليه بعد موتك إذا بقيت تعيش كما تعيش الآن. الرب أمر بأن يُكشف لك هذا". اختفى الملاك، واستيقظتُ، وأعطيت مجداً وشكراً لله الذي أعطاني وقتاً للتوبة. بعد هذا أسرعت في إنهاء أعمالي، وتركت لزوجتي مليون نقداً ومثلها للأولاد أيضاً، أما أنا فانعزلت وذهبت إلى جبل آثوس المقدّس. لم يقبلني رئيس الدير في البداية لأن سني كبير ولأني غير معتاد على العمل، لكني تبرّعت للدير بمليون لذلك قبلني عنده في الدير. أنا الآن تأهّلت لألبس الإسكيم وبمعونة الله آمل في أن أتفادى مكان التعذيب ذلك".