Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Saturday, August 18, 2018

Text Size

 

Luka 100x147هناك طريقان للخلاص معروفان لدينا، الأوّل أشار إليه رسل المسيح وعظماء رؤساء الكهنة القديسين، والثاني أشار إليه آباؤنا وأمّهاتنا المتوشحون بالله. هذان الطريقان مختلفان بالكلية لكنني أريدكم أن تفهموا بأن هذين الطريقين متساويان في العظمة والقداسة والكمال.

طريق الرسل يُظهره لنا بوضوح القديس لوقا الرسول والبشير، وجميع الرسل بالطبع أيضاً، ولكن الإنجيليين أكثر منهم جميعاً. فما هو الطريق المُشار لنا إليه من الرسل القديسين؟ ما هو الطريق الذي سلكه القديس لوقا الرسول البشير؟ هو طريق حياة العمل الدؤوب وخدمة الله والناس بنشاط. هو طريق المآثر العظيمة والمعاناة، هو طريق الاهتمام بخلاص البشرية جمعاء.

أرسل الربّ الرسل ليبشّروا بالإنجيل لجميع الأمم ولجميع الشعوب. لقد أنار هؤلاء العظماء جميع شعوب ذلك العصر بنور تعاليم المسيح، ثم من خلال مَن خلفهم من الأساقفة قد تنوّرت ولا تزال تتنوّر حتى الشعوب المنغلقة والبرابرة.

كانت أعمال الرسول لوقا عظيمة، حتى يمكن القول بأنها لا تقاس. كان من الرسل السبعين وأكمل مع الباقين العمل العظيم الذي أرسلهم الرب يسوع المسيح لإنجازه، لأن المسيح أمرهم بأن يذهبوا إلى جميع الشعوب وجميع المدن ويبشروا في كل مكان ببشارة الحق ويشفوا المرضى.

وأنتم تعلمون بأي ابتهاج أخبر الرسل السبعون الربّ يسوع المسيح حين عودتهم من رحلتهم وكيف كانوا فرحين لأن الأرواح الشريرة كانت تخضع لهم. كانت سعادتهم عظيمة لأنّ الرب أعطاهم قوة عجائبية لشفاء المرضى والمجانين. والرسول لوقا كان من ضمنهم وصنع العديد من العجائب وشفى العديد من المرضى. وهو كما تعرفون كان طبيباً، أيْ طبيب الأجساد. هو عالج الكثير من المرضى بأدوية وشفاهم، لكنه أخذ من الرب يسوع سلطاناً أكبر بكثير وهو أن يشفي باسم المسيح جميع الأمراض بما فيها تلك التي كان يعجز عنها الطبيب والتي لا يزال الطبّ عاجزاً عن شفائها لغاية اليوم.

قطع الرسول لوقا مسافات هائلة على قدميه المنتعلتين نعالاً فقط: رافق القديس الرسول بولس في رحلته التبشيرية الثانية في آسيا الصغرى ومكدونيا واليونان. وسافر مع الرسول بولس إلى أورشليم عندما حذره الروح القدس بالضيقات العظيمة والمخاطر التي كانت تنتظره هناك.

كان ملازماً للرسول بولس عندما تم ترحيله إلى قيصيرية وبقي محبوساً فيها سنتين. ورافقه في رحلته البحرية الشديدة الخطورة من قيصرية إلى روما، وكان بجانب الرسول بولس في روما وفي المرة الثانية عندما جاء الرسول بولس إلى روما كان "الطبيب المحبوب" أيضاً معه عندما تخلّى عنه أغلبية تلاميذه وتركوه.

تجوّل مع بولس في مكدونية وأخائية وكان أسقفاً لمدينة تسالونيكي وتقاسم معه جميع المخاطر التي صادفتهما في أخائية. عندما كان أسقفاً على تسالونيكي علّم هناك لمدة ثلاث سنوات وهو ينوّر المكدونيين بنور المسيح. وبعد استشهاد الرسول بولس تجوّل البشير لوقا في بلاد عديدة ماشياً على قدميه. بشّر في غلاطية ودلماسية ومكدونية وفي بانونيا، وأخيراً في شيخوخته توجّه إلى مصر.

هل تعرفون الطريق الذي سلكه إلى مصر؟ أبحر عبر البحر المتوسط ونزل على شواطئ ليبيا ومن هناك سافر مشياً على الأقدام إلى مصر. ليبيا بلد كبيرة وقطعها القديس لوقا كلها ماشياً على قدميه.

كانت تنتظره في مصر اضطهادات شاقة من أجل المسيح. وبالكاد رجع حياً الى اليونان، وفي الرابعة والثمانين انتهت حياته بالموت الاستشهادي حيث علّقه قاتلوه على شجرة لعدم وجود صليب.

عظيمة ومجيدة هي أعمال الرسول لوقا التي حدثتكم عنها الآن ولكن العمل الأعظم له هو كتابته لإنجيل المسيح الذي يمكن أن يحلّ في المرتبة الثانية من حيث عمق محتواه بعد الإنجيل العظيم ليوحنا اللاهوتي. نجد في إنجيله أشياء كثيرة مهمّة لم يدوّنها الإنجيليون الآخرون.

وكتب أيضاً سفر "أعمال الرسل"، هذا الكتاب المبارك الذي ننهل منه معلومات عن نشاط الرسل وبالأخصّ الرسول بولس. من يتساوى مع البشير العظيم لوقا في أتعابه؟ وها أنا أقول لكم بأن الرسول لوقا كمثل باقي الرسل والمنوّرين العظام قدّم حياته مثالاً موضّحاً كيف يجب أن يخدم الله، ليخلص ليس نفسه فقط ولكن نفوس العديد من الناس.

هذا هو الطريق الأول، الطريق العظيم لعمل المحبّة. ولكنكم لا تقدرون أن تسلكوا جميعكم في هذا الطريق، فهو مخصّص لنا الكهنة والأساقفة وللمبشرين بالإنجيل. هذا نموذج لنا.

عن أي طريق ثانِ أحدّثكم؟ هذا طريق النسّاك العظام والمتوحّدين والرهبان وآباء البرّية الذين كانوا كثيرين جداً. هذا طريق مختلف بتماماً، فهم لم يكونوا يخدمون الناس علنية بل هربوا من الناس إلى غابات موحشة غير مسلوكة وإلى صحاري أفريقيا، وعاشوا لعشرات السنين في البرية محجوبين عن العالم.

يقول بعض الناس المتجاسرين عنهم بأنهم كانوا أنانيين ويحبّون أنفسهم لأنهم خلّصوا أنفسهم فقط وليس الآخرين. لا، لا! هذا اتهام باطل لهم لأنهم قدّموا أعظم مثال للناس أيضاً.

تذكّروا مريم المصرية العظيمة التي كانت قد قضت حياة الرذيلة في الإسكندرية، ثم ذهبت إلى برية الأردن الموحشة وعاشت هناك 53 سنة مع الوحوش لم ترَ فيها وجه إنسان. هل يمكن لأحد أن يقول بأن جهادها هذا كان لخلاص نفسها فقط؟ لا نجرؤ أن نقول هذا، لأن الله أظهرها للعالم كله قبل موتها بقليل من خلال القديس زوسيما الذي رآها تصلّي راكعة في الهواء مرتفعة عن الأرض. ورآها أيضاً تعبر نهر الأردن ماشية كما على اليابسة. كما أنها عرفت الكتاب المقدس معرفة تامة مع أنها لم تقرأه في حياتها أبداً.

وهناك آخرون، أمثال القديس سيرافيم ساروفسكي وسيرجي رادونيج وأنطونيوس وثيودوسيوس من مغاور كييف ونيل سورسكي وكيريل بيلوزيرسكي وزوسيما وسباتيوس وجرمانوس الذين من سولوفكي. هؤلاء الناس هجروا العالم كما لو أنهم أرادوا أن يخلّصوا أنفسهم فقط... كما لو أنهم... بالضبط. لأنه في أواخر حياتهم أظهرهم الله للناس كاشفاً لأي درجة من الكمال وصلوا في براريهم وكيف نقوا قلوبهم جاعلين إياها مسكناً للروح القدس.

هؤلاء القديسون العظام المتوشحون بالله والذين منهم مثل مريم المصرية التي كانت تصلي واقفة فوق الأرض في الهواء ومثل سيرافيم ساروفسكي، هؤلاء الناس العظماء صلبوا أجسادهم بأصوام قاسية وبصلاة غير منقطعة ويقظة وسهر ونوم على الحجارة وعلى أكوام الحطب.

لقد أظهر الله أيضاً هؤلاء الناس العظماء في نهاية جهادهم كمثال للعالم أجمع.

كان الناس يأتون إلى القديس سيرافيم ساروفسكي بالآلاف وينالون بركة من القداسة المشعّة المنبثقة عنه. أليس هذا إنجاز عظيم للبشرية؟ ألم يكن العالم بحاجة إلى نموذج لهذا الطريق، طريق إخضاع الجسد للروح؟

وهكذا، ها هما طريقان متعاكسان: طريق النشاط والعمل للرسل والمبشرين المنوّرين، وطريق التأمّل وهو طريق التعمّق في الذات وتنقية القلب الذي سلكه القدّيسون والقدّيسات المتوشحون بالله (الرهبان).

وما هي النتيجة التي سنخرج بها من خلال معرفتنا لهذين الطريقين؟

ستقولون، وبالحق ستقولون بأنكم لن تقدروا أن تسلكوا طريقاً مشعّاً بالنور مثل الذي سلكه الرسل والمنوّرون.

وأيضا بالحق تقولون بأنكم لن تقدروا أن تتنسّكوا في البرّية وأن تتركوا العالم وعائلاتكم. كلام صحيح طبعاً، ولكن يجب عليكم أن تعرفوا بأن هناك طريق وسط. الآباء القدّيسون يسمّون الطريق الوسط بالطريق الملوكي.

وهكذا يجب عليكم جميعاً أن تسلكوا الطريق الوسط، الطريق الملوكي متمثلين أولاً بأولئك الذين سلكوا طريق النشاط وعمل المحبّة، مقتدين برأفتهم وبأعمالهم الحسنة وخدمتهم للناس. وثانياً يجب أن نتشبّه ولو بحدّ أدنى بالرهبان – بصلاتهم وبصيامهم وبأن لا نخضع للجسد والشهوة، وقبل كل شيء أن نراقب القلب طاردين منه الحيات النجسة والضفادع التي نجدها فيه ومن ثم نغسل القلب بدموع التوبة.

هذا هو الطريق الوسط – الطريق الملوكي. اسلكوا فيه. كونوا نشطين في المحبّة والرأفة. كونوا متأمّلين ومنقيين لقلوبكم.

آمين.

القديس لوقا المعترف رئيس أساقفة القرم

1 نوفمبر 1953

Category: عظات