Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Tuesday, November 20, 2018

Text Size

إقرأ أيضاً مواضيع ذات صلة

 

2015Voznesenie 100x125قد انتهت الأيام الأربعون التي عيّدنا فيها للفصح المقدّس، وهي تلك الأيام الأربعون التي كانت تفصل بين لحظة القيامة وصعود المخلـّص. هذه الأيام مملوءة بمضمون خاصّ.

لم يكن المسيح متواجداً مع الرسل يومياً، بل كان يظهر لهم، ولم يكن في استطاعة الجميع التعرّف عليه في هذه الظهورات، كما حدث لمريم المجدلية أو لوقا وكليوباس الذين لم يروا في الإنسان الذي كان يكلـّمهم ربَّهم ومخلـِّصَهم إلا في لحظة معيّنة.

كان الربّ يلتقي بتلاميذه في اليهودية والجليل على مدى هذه الأربعين يوماً وهو يعلـّمهم عن ملكوت الله. وفي هذه الأربعين يوماً بالذات وُضع أساس لحياة الجماعة المسيحية المستقبلية، وهو ما نسمّيه نحن بالتقليد. لم يتمّ تدوينه كتابياً، بل احتفظت به ذاكرة جماعة المسيحيين، فبعد أن انتقل من جيل إلى جيل صار تقليداً مقدَّساً للكنيسة.

القراءة الإنجيلية لليوم هي من الإصحاح الأخير لإنجيل لوقا، أيْ أنّ ما دوّنه لوقا ينتهي بما نقرأه اليوم. يتحدّث الرسول عن ظهور المسيح القائم من الأموات للتلاميذ، حيث يقول المخلص: "انظروا يديّ ورجليّ: إنـّي أنا هو!" (لو 24: 39). ما أعجب هذه الكلمات: "إنـّي أنا هو"! وبعد، يقول كأنه يثبت أنه هو: "جسّوني وانظروا، فإنّ الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي". لا يُستبعد أنّ الرسل الذين ظهر لهم المسيح فجأة والأبواب مغلقة رأوا فيه روحاً أو شبحاً وليس من هو حقيقي. فبدّد الربّ هذه الشكوك، وهو ينبّههم إلى أنه جاءهم في جسدٍ حقيقي ("جسّوا وانظروا")، ثمّ وكأنه يشدّد على حقيقة وجوده يقول لهم: "أعندكم ههنا طعام؟". فناولوه جزءاً من سمك مشوي وشيئاً من شهد عسل، فأكل من هذا الطعام. بالطبع، كان يمكن أن يستغني الربّ عن أيّ طعام ماديّ بعد قيامته، ولكنه يفعل ذلك لكي يرى الرسل أنه في جسده وأنّ ليس روحه هو الذي قام – وهو لم يمتْ أبداً – بل أنه بقيامته أقام من العدم ومن الموت ومن الفساد ومن الدمار جسد الإنسان الذي كان له هو أيضاً.

ألـّف لوقا الإنجيلي كتاباً آخر للعهد الجديد، وهو سفر أعمال الرسل. ينتهي إنجيل لوقا بالإصحاح الرابع والعشرين حيث يثبت الربّ أنه في جسد حقيقي، أمّا سفر أعمال الرسل فيبدأ من الحديث عن الصعود. وهذا ليس من قبيل الصدفة، لأنه كان في وُسع الرسول لوقا أن يتحدّث عن أشياء كثيرة أخرى، فإنه بلا شكّ كان يعرف ما كان يحدث ما بين اللقاء مع المخلص عندما كانت الأبواب مغلقة ولحظة الصعود. وكأنه يربط بين هذين الحدثين في سفريْن للعهد الجديد ويحدّثنا أن الربّ يصعد إلى السماء، وهو الرب نفسه الذي قام، والذي ظهر لهم، والذي كان يمكن لمس جسده، والذي أكل من الطعام، وبالتالي، جسده هو الذي كان صاعداً إلى السماء. فوقف هناك رجلان وقالا: "ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء؟ إنّ يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقاً إلى السماء" (أع 1: 11). ليس هناك شيء آخر قيل في تلك اللحظة. الرسل يجب عليهم أن ينطلقوا إلى الكرازة بالتوبة ومغفرة الخطايا. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم عند تأمّله في موضوع الصعود إنّ الربّ لم يأخذ الجسد ليتركه على الأرض، بل أخذه ليصعد به إلى داخل سرّ الثالوث القدّوس وليُجلسه على عرش الملك لكي يسجد له كلّ جنود الملائكة.

ولكن جسد المخلـّص هو جسدنا نحن أيضاً. هو ذلك الجسد المادّي الذي لكلّ واحد منا، وهو ذلك الجسد الذي من خلال عمل المخلـّص الفدائي وصليبه وقيامته قد ارتفع نحو سرّ الثالوث القدّوس ويبقى في الحياة الإلهية.

نحن نهمل أجسادنا أحياناً، ونهلكها بعاداتنا وميولنا السيئة وبخطايانا، وهو ما دُعي الرسل إلى الكرازة بالتوبة عنه في يوم الصعود. نحن ندمّر أجسادنا التي ترتبط ارتباطاً حقيقياً بجسد المخلـّص، لأنّ الجنس البشري كله مرتبط بطبيعة واحدة ويمكننا متابعة الخيوط التي تربطنا ببعضنا البعض والتي تعود إلى أجدادنا القدماء.

إنّ لصعود الربّ بجسده إلى الحياة الإلهية ولارتباطنا به من خلال جسده أهمّية قصوى بالنسبة لكل الجنس البشري. ليس من قبيل الصدفة أبداً أنّه يقدّم جسده للذبح وأنه يعطينا جسده مذبوحاً من خلال سرّ الإفخارستية المقدّسة، عندما أثناء تناولنا جسد ودم المخلص في شكل الخبز والخمر نتـّحد بجسده الممجّد، وهو ذلك الجسد الذي يجلس على العرش الإلهي وسط سرّ الثالوث القدّوس.

كلّ هذا يكشف لنا أعماق خطة الله نحو الإنسان. نحن لسنا لوحدنا، لسنا غرباء، لسنا "أنواعاً بيولوجية" تعسة ظهرت بطريقة غير معروفة. كل منا هو ليس مجرّد أحد المليارات من الناس، وإنما يرتبط بروحه وبجسده مع الربّ والمخلص.

وعلى هذا تتأسّس صلتنا الصلاتية الخاصّة بالمخلص، وتتأسّس على هذا صلواتنا من أجل الصحّة الجسدية. لا يمكن إهمال الجسد والصحّة، خاصّة إذا كان المرض ناتجاً عن أعمالنا الواعية وخطايانا وأهوائنا. يسمّي الرسول جسد الإنسان هيكلاً للروح القدس الساكن فينا (1كو 6: 19)، فإذا أفسدنا هذا الهيكل أخطأنا إلى الله.

يعلـّمنا عيد اليوم أنّ هناك صلة خاصّة بيننا وبين مخلـّصنا الذي قد تمجّد في جسده. ويعلـّمنا هذا اليوم اهتماماً خاصاً بحالتنا الروحية التي لا يجب أن تسبّب الضرر لجسدنا الذي أعطانا الله إياه. كما يعلـّمنا هذا اليوم أنّ المهمّة الرئيسية التي أتمّها الربّ والتي كلـّف الكنيسة بها هي الكرازة بالتوبة، لأن الخطايا تـُغفر.

هذا يكفي لنتعلـّم أن نعيش بطريقة جديدة وأن نضبط أفكارنا وتصرّفاتنا وأن نتقدّم إلى الربّ بتوبة صادقة ونتـّحد به من خلال الصلاة وسرّ الإفخارستية المقدّس آملين بأنّ النعمة التي يهبنا إياها تقوّي نفوسنا وأجسادنا التي هي لله، بحسب قول الرسول (1كو 6: 20).

اليوم هو عيد خاصّ يعطينا الأمل في الخلاص وفي اللقاء مع الربّ. أهنـّئكم جميعاً من كل قلبي بهذا العيد الخلاصي العظيم. آمين.

 

بطريرك موسكو وسائر روسيا كيريل

عيد صعود الربّ، عام 2013

Category: عظات