Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Thursday, December 14, 2017

Text Size

 

Baptism 100x135باسم الآب والابن والروح القدس!

اليوم عيد عظيم وهو عيد الظهور الإلهي، حيث نقيم تذكار عمّاد المخلّص في مياه نهر الأردن وظهور الثالوث القدوس، لذلك يُطلق على هذا العيد عيد الظهور الإلهي.

ولكن هناك سبب آخر لتسمية العيد بهذا الاسم، وهو أنّ يسوع المسيح المولود في بيت لحم قد جاءنا بإعلان خاصّ من الله عن نفسه. عبّر بولس الرسول عن هذا بعبارة متميّزة تساعدنا في فهم معنى تجسّد ابن الله، حيث قال إنّه في المسيح يحلّ كل ملء اللاهوت جسدياً (كو 2: 9).

الله الغير المدرك هو خالق المسكونة. يكفينا النظر إلى السماء الممتلئة بالنجوم حتى ينبهر العقل بعظمة الكون. وحيثما كانت أنظارنا شاخصة، سواء إلى السماء أو إلى الأرض، إلى الحشيشة أو إلى الإنسان، تجد في كل مكان حكمة إلهية غير متناهية وغير مدركة.

ولكن البشر كانوا دائماً يتطلعون إلى معرفة من هو الله، وإلى إيجاد الذي خلق العالم والإنسان، لذلك فإن تاريخ العالم كله تقريباً هو تاريخ البحث عن الله. نعرف كيف كان القدماء يختلقون أصناماً، بعضها ضخمة مصنوعة من الذهب والفضة، وذلك رغبة منهم في تصوّر إله عظيم قد خلق العالم. كانوا يتخيّلون أنه يجب صنع شيء جميل ذي قيمة ليعكس إلى حدّ ما فكرتهم عن الله. ولكننا نعرف أن كل ذلك كان باطلاً كاذباً بل خاطئاً.

كان الله يظهر نفسه بطريقة خاصة في تاريخ البشرية. كان يتحدّث إلى آدم، وكان قريباً من الناس الأوائل، ولم يكن يترك الإنسان والخليقة في تدبيره. نعرف أن الله ظهر لإبراهيم في صورة ثلاثة غرباء، وظهر ليعقوب عندما صارعه وأظهر له قوّته. ظهر الله لموسى في العليقة المشتعلة التي لا تحترق. إلا أنّ هذه الظهورات الإلهية في القدم لم تساعد الإنسان في إدراك ماهية الله إلا جزئياً. ولكي يعرف الناس الله بقدر ما تسمح لهم قدرتهم الطبيعية كشف لهم الله ملء طبيعته الإلهية في يسوع المسيح ابن الله المتجسّد.

فالآن لا يمكننا القول إننا لا نعرف الله. بالطبع، معرفتنا ضعيفة للغاية وناقصة للغاية أمام عزّة الله الغير محدودة. ومع ذلك، تمكّننا هذه المعرفة من تحقيق شيء مهمّ جداً في حياتنا، لأنّ ابن الله قد جاء إلى العالم وتحدّث إلينا، ولذلك نستطيع أن نقول إننا نعرف فكر الله، على الأقلّ فكره عن الإنسان. كما نعرف المشيئة الإلهية، لأن كلمة الله تكشف لنا هذه الإرادة من خلال وصاياه وناموسه. وإننا نعرف أن المشيئة الإلهية تريد الخير فقط، بل هي نفسها الخير.

ومن خلال تجسّد ابن الله ينكشف لنا شيء خاصّ غير مدرك بل حقيقي. من خلال التجسّد نعرف القوة الإلهية والطاقة الإلهية التي نسمّيها بالنعمة. كانت إرادة الله أن يستطيع الإنسان من خلال تجسّد ابنه أن يستوعب الله بالعقل وبالقلب وبالإرادة، بل ويستطيع أن يتّحد بالله ويشارك في القوة الإلهية. واليوم بالذات نحن نمجّد هذه القوة الإلهية والنعمة الإلهية التي وهبها الله في المسيح لكل الجنس البشري. لقد انكشفت لنا النعمة الإلهية كهبة عظيمة من الله، وذلك من خلال جهاد المخلص وموته وقيامته ونزوله إلى جنس البشر بكل ما فيه من خطايا وعيوب وآلام. إنها القوة القادرة على التغلب على كل ميل خاطئ في نفوسنا وكل عمل شرّير وكل نقص وكل مرض فينا، سواء أكان نفسياً أو جسدياً.

لماذا اليوم بالذات نمجّد بشكل خاص هذه الهبة الإلهية؟ لأنه بحسب أقدم تقليد يرجع إلى السنوات الأولى من وجود كنيسة الله، يتمّ تقديس الماء عن طريق استدعاء الثالوث القدوس، أيْ استدعاء الرب. فيمتلئ الماء بالطاقة الإلهية والقوة الإلهية دون أن تتغيّر طبيعته. إنّ هذا العمل العجيب يقوّي اعتقادنا بأنّ الله بنعمته قادر على أن يقيم معنا جميعاً، مع كل خليقته.

في عيد الظهور الإلهي، كما في عيديْ الميلاد والفصح، كان يتمّ تعميد الموعوظين في الكنيسة القديمة. الموعوظون هم الذين كانوا يستعدّون لقبول المعمودية ويتلقون إرشاداً خاصاً من الأسقف أو الكهنة ويعدّون أنفسهم عقلياً وروحياً لقبول السرّ العظيم. لذلك يرد في ليتورجيا الفصح وعيديْ الميلاد والغطاس ذكر معمودية الموعوظين التي كانت تجري في هذه الأيام، حيث نرنّم نشيداً عجيباً قائلين: "أنتم الذين بالمسيح اعتمدتم المسيح قد لبستم"، وهي نفس الترتيلة التي تُرتل أثناء إقامة سرّ المعمودية.

إنها كلمات عجيبة: "كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح" (غل 3: 27). من ناحية، هذه صلاة وتضرّع إلى الله لكي يمنح كل إنسان معمّد قوة ليلبس المسيح، أيْ يقبل ما قد تعلّمناه، ويقبل فكر الله عنّا وإرادته وطاقته وقوّته ونعمته. نحن نطلب إلى الرب، ولكن من ناحية أخرى، تعبّر هذه الكلمات عن شيء مؤكّد: إنّ الذين اعتمدوا بالمسيح فقد لبسوا المسيح. فتُسمع هذه الكلمات كنداء موجّه إلينا جميعاً، نحن الذين اعتمدنا، وكتوبيخ موجّه إلينا، لأن كل واحد يمكن أن يسأل نفسه: "كنت قد اعتمدتُ – إما في الطفولة على يد والديّ، أو في سنّ كنت أعي ذاتي – ولكن هل لبست المسيح؟ هل قبلت أفكاره وإرادته ومشاعره؟ هل أفتح قلبي لقبول نعمته؟"

اليوم هو يوم عظيم يذكّرنا جميعاً بسرّ معموديتنا الشخصية، وهو يدعونا لنقبل هذا السرّ ليس كعادة من العادات، أو كطقس من الطقوس، كما يقول الذين لا علم لهم، بل كسرّ عظيم لخلاصنا ولنلبس المسيح مع معموديتنا. لا تتمّ عملية اللبس هذه في لحظة، بحيث يخرج الإنسان من مياه المعمودية ويلبس المسيح مباشرة. إنّها مهمّة كل الحياة أن يلبس الإنسان المسيح ورداء الخلاص، وهي مصحوبة دائماً بالجهاد وتكثيف الجهود، لأنّ ذلك يتطلب التغلب على كثير من التجارب والإغراءات والخدعات وكلّ ما يفصل الإنسان عن الله. فهي مهمّة لكل حياة الإنسان، ويجب على كل واحد منا أن يكرّر حتى آخر نفس هذه الكلمات العجيبة: "قد اعتمدتُ بالمسيح، فألبس المسيح".

عندئذ سيكون إيماننا حيّاً فعالاً. عندئذ سيصنع البشر الأعمال الصالحة ليس بالإجبار والإلزام، بل بدافع من القلب، لأنه من المستحيل صنع الخير بالإلزام، وإلا يتحوّل إلى إتمام الواجب. لا يمكننا أن نعيش حياة مسيحيّة مليئة إلا عندما نصنع ما علّمنا الرب إياه بشكل طبيعي، دون إجبار، على حسب قلوبنا.

فليجدّد عيد الظهور الإلهي قوّتنا لنبقى أوفياء للمخلّص الذي قد اتّحدنا به والذي قبلناه في قلوبنا من خلال سرّ المعمودية والذي يجب أن نكون مخلصين له حتى آخر أيامنا. آمين.

 

قداسة البطريرك كيريل، بطريرك موسكو وسائر روسيا

19 يناير 2010

Category: عظات