Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Tuesday, May 22, 2018

Text Size

إقرأ أيضاً مواضيع ذات صلة

 

Marfo Mariin 100x68كان التاريخ يعدّ أيام وسنوات التجارب الصعبة التي اسمها الحرب.

شاءت الأقدار أن أجد نفسي مع جدّتي في مدينة بينزا*. تميّز شهر يناير القارس بكثرة الثلوج. كنا نشق طريقنا بين الثلج إلى البيت ملتحفتين بالشال وكانت أحذيتنا تغرق في الثلج مُهدّدة بالبقاء فيه.

ولكننا لم نكن نلاحظ أي شيء. كانت الجدّة تضمّ إلى صدرها حصة الخبز الذي ما زال يحتفظ بدفء الفرن ورائحته الزكية.

فجأة قاطعت الجدة الصمت:

- الحمد لله، قد حصلنا عليه ببطاقتنا التموينية**، فسنستقبل عيد الميلاد الآن! سنغلي الماء ونشربه مع السّكرين، وسيكون لنا عيد. الرب لا يتركنا!

ورشمت الجدة الصليب على نفسها.

تيقظتُ عند ذلك. لم يسبق أن تحدّث أحد في حضوري عن الرب أو العذراء مريم أو عيد الميلاد.

-         يا جدتي، ما هو هذا العيد؟

-         عندما تكبرين تعرفين. إياك عني! – قاطعت الجدة بلهجة صارمة.

ولكنني استمررت في الإلحاح، ولا أعرف كيف كانت ستنتهي معركتنا الكلامية لو لم يُسمع بقربنا صوت أجش يقول: "Mutter, gib mir Brot!"***.

يا إلهي! لم نلاحظ كيف وجدنا أنفسنا بقرب الأسلاك الشائكة حيث كان أسرى الحرب الألمان يكسّرون الجليد. كرّر نفس الصوت: "Mutter" فرأيت ألمانياً نحيفاً طويل القامة. مدّ إلينا كفّه المتصلبة بنّية اللون الأشبه بالملقط. وكان شكله كله بنياً أو رمادياً، لا أذكر بالضبط. ما أتذكره هو أن النار ألهبت صدري. العدو! وها هو بقربنا. ولكنه الآن ليس مرعباً ويمكننا الانتقام منه لكل شيء! امتلأتُ كراهية وحقداً. وفي هذه اللحظة حصل الشيء الأرهب في نظري. جدّتي الحبيبة مدّت الخبز للأسير! فأمسكه أمام عينيّ بأصابعه المتصلبة وصار يلتهم حلمنا قطعاً كبيرة بشراهة.

فصرختُ:

- ما الذي فعلتِ؟ إنه قتل عزيزتنا مانيا! ودفن في الأرض غينا الصغير وهو حي! وأشعل دبابة العم فالنتين! ومن الذي أسقط طائرة العم جينيا؟

حاولت الجدّة أن تسدّ فمي الصارخ بكفيها وهي تلتفت حولها بخوف. ثم أمسكتني بين ذراعيها وشدّتني من هناك بعيداً تجنباً للمشاكل. ولكنني أفلتّ من بين يديها وما زلت أصرخ.

كانت الجدّة تردّد بمرارة في الطريق:

- يا بنيتي، يا حفيدتي! قد يكون ليس هو. ارحميه، إنه جوعان. وعيد الميلاد هو للجميع. عدم العطاء خطيئة! الرب رحوم ولن يتركنا!

*****

مرّت عشرات السنين. لم تعد صديقتي الوفية الجّدة ناتاليا موجودة معي منذ وقت بعيد. كما رقد في الرب أبي وأمي، وكبرت بناتي. ولكن قصة حصة الخبز كان لها تتمة.

في أواخر الثمانينات – أوائل التسعينات صارت هناك موضة على إستضافة الأطفال الأجانب في الأسر الروسية في إطار التبادل المدرسي. وفي برامون عيد الميلاد جاءتنا فجأة ثلاث بنات من ألمانيا. من يذكر تلك الحقبة يعرف أن رفوف المحلات التجارية كانت فارغة تماماً ولم نعرف ماذا نقدّم لضيوفنا. ولكن ما أن دخل زوجي محلاً حتى ظهرت أمامه إما اللحوم أو الدجاج أو الحليب والزبد وكلها مأكولات ناقصة، وهكذا أكثر من مرة. إنها معجزة! فمرّت أيام الميلاد السبعة في مرح وأكل الجميع حتى الشبع. غادرتنا البنات والدموع في أعينهن. وقبل الوداع انتشلن من شنطهن الأشبه بالصناديق الكبيرة أكواماً من الشكولاة والحلوى ممزوجة بالشوربات الجافة والجوارب النسائية. وذلك لأنهن قرّرن التزوّد بكل شيء خوفاً من البرد والجوع الروسي. فكرتُ وأنا أنظر إلى تلك المؤونة الغنية بالنسبة لنا آنذاك: ها هي حصّة الخبز الميلادية! إنها رجعت إلى بيتي بعد سنوات كثيرة كشكر جزيل من الأسير الجائع الضائع وسط الثلوج الروسية الباردة على يد أهل بلده... يا جدّتي الغالية! كم أنا شاكرة لك على كل شيء!

*****

السنوات تمرّ... وكانت عندي فرصة أخرى لأتذكر حصّة الخبز الميلادية، وقد انعكست بطريقة عجائبية على حياة ديرنا لمرثا ومريم****. حدث ذلك في الشهور الأولى بعد افتتاحه، وكنا قد تمكنا للتو من الدخول في جدرانه وتفريغ المبنى الثالث والسكن هناك. ترك المستأجرون المبنى آخذين معهم كل ما كان يمكن أخذه، وقلعوا حتى بريزات الكهرباء وجمّدوا التدفئة. فوجدنا أنفسنا وسط البرد والظلام.

كان برامون الميلاد وصوم صارم. بعد صلاة السهرانية توجّهنا مع الأخوات إلى قاعة الطعام لشرب الشاي من أجل التدفؤ. كان لهيب الشمعة يضيء المائدة والفناجين ورغيف الخبز الواحد للجميع والراهبات كل واحدة ملتحفة بطريقتها الخاصة. كنا نعيش في شحّ في ذلك الوقت. ما أن أقدمنا على تقسيم الخبز حتى سمعنا دقات في الباب. استجبنا بصوت واحد: آمين. وإذا برجل متشرّد على الباب. فسأل وهو ينظر إلى الخبز:

-         يا أخواتي، أتعطونني خبزاً؟ لم آكل من زمان... أرجوكن لا ترفضن.

دخلت الصورة من الماضي في ذاكرتي. يا لها من وسوسة! انقبض قلبي وكأنني رأيت بعينيّ يداً سوداء تشبه الملقط... مسكتُ رغيف الخبز ومددته إلى الضيف الثقيل. فذهب في الحال هارباً. استفاقت الأخوات وأخذن يوبّخنني قائلات إنه كان يمكن أن أقطع له قطعة خبز وليس الرغيف كله!

فقصصت عليهن القصة التي قد عرفتموها. وأضفت قائلة:

- لا تحزنن يا عزيزاتي، الرب لن يتركنا. أليصابات فيدوروفنا القديسة لن تدعنا نهلك. هي صاحبة المكان ولن تسمح بأن تحصل أي محنة.

ما أن أكملت الجملة الأخيرة حتى دقوا الباب من جديد. تملّك التوتر جميعنا. ظهرت على الباب وجوه جديدة. لكن هذه المرّة كان لباس الضيوف غير المدعوين جيداً. فسألوا:

-         من فضلكن، أين راهبات الدير؟

-         ها نحن. ولكن ليس عندنا أي شيء! – أضافت إحدى الراهبات هامسة.

-         جئنا لكن بالتبرّعات. هناك كثير من الأشياء. دلّونا أين نفرّغ كل هذا.

تبادلت الراهبات النظرات في صمت. وإذا بصناديق ملآنة رزاً ومعلّبات اللحم المطبوخ لم يكن لها نهاية. بعدها ظهرت علب لا تحصى مع الكعك والحلوى.

-         من أنتم، من أجل من نصلّي؟ - سألنا الرجال الغرباء.

-         لا داعي، الرب يعرف كل شيء.

كان عيد الميلاد ذلك رائعاً والخدمة مهيبة وملآنة فرحاً.

ثم ذهبنا لشرب الشاي. اتسعت مائدة العيد للجميع – أخوات الدير ورعيته – كلهم أكثر من مائة شخص. كانت رعيتنا المتواضعة التي قد نسيت شكل الحلويات تفرح مثل الأطفال. ونحن نفرح معهم. كنا نطعم على مدى أكثر من نصف سنة المتشرّدين بالمأكولات المعلبة. ووجدنا من بينهم متخصّصين ماهرين ساعدونا على توفير التدفئة والأدوات الصحّية وركّبوا الأثاث وعلّقوا الثريات. بعد أن شبعوا واسترجعوا قوّتهم إلى حدٍ ما عادوا إلى الحياة الطبيعية ووجدوا عملاً – كل واحد بدون استثناء!

يا جدّتي ناتاليا الغالية، كم تمنيت لو حكيت لك كل هذا...

 

الراهبة أليصابات (كريوتشكوفا)

أوّل رئيسة دير مرثا ومريم الناهض

-----------------------

* بينزا – مدينة في وسط القسم الأوروبي من روسيا، مركز إداري واقتصادي وثقافي لمحافظة بينزا.

** مع بداية الحرب الوطنية العظى تم إدخال نظام بطاقات التموين في الاتحاد السوفييتي الذي استمرّ من عام 1941 إلى عام 1947.

*** "يا أمي، أعطيني خبزاً".

**** ملجأ مرثا ومريم في موسكو تم تأسيسه من قبل القديسة أليصابات فيودورفنا في الفترة 1907-1909. تم إغلاقه عام 1926 ليشغل مبانيه المستشفى وتم تحويل كنيسته إلى دار سينما، ثم دار التنوير الطبّي ثم ورشات ومركز ترميم اللوحات. أعيدت مباني الدير إلى البطريركية في عام 1992، أما كنيسته ففي عام 2006.