Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Friday, July 20, 2018

Text Size

إقرأ أيضاً مواضيع ذات صلة

 

Afon 2009 100x75كتاب المزامير التشوفاشي

في آثوس عرفتُ كثيراً عن الحياة الكنسية في روسيا، بما أنني، وأنا ساكن في المهجر، لم أعرف شيئاً تقريباً عن حياة الكنيسة في الأقاليم وحياة المؤمنين البسطاء. حفظتُ في ذاكرتي حتى الآن حديثاً مع شمّاس شاب.

كان من تشوفاشيا*، وكان جميع أهله مؤمنين أرثوذكس مخلصين. حدّثني كيف كان مع أمّه وإخوته وأخواته يذهب إلى الكنيسة. كانت أقرب كنيسة واقعة على بُعد أربعين كيلومتراً عن قريتهم. لم تكن هناك حافلات، فكانوا يذهبون مشياً: ينطلقون يوم الجمعة صباحاً، ومساء السبت يبلغون مقصدهم. كانوا يذهبون وسط الثلوج والعواصف ويبيتون في مكانٍ بالقرب من الكنيسة وفي الصباح يحضرون القدّاس. أراني هذا الشمّاس كتباً مخطوطة أعدّتها له أخته الصغرى عندما عرفت أنه مسافر إلى آثوس. كان هناك كتاب القنداق باللغة التشوفاشية المنسوخ باليد وكتاب المزامير مثله وأشياء أخرى... أرادت الصبية أن تنسخ العهد الجديد كله، ولكنها سمعت أنّ دار الكتاب المقدّس قد أصدرته باللغة التشوفاشية ويمكن إيجاده في الخارج بسهولة. ثمّ اتضح أنّ دار الكتاب المقدّس لم تكن قد أصدرته باللغة التشوفاشية.

بصراحة، دمعت عينيّ وأنا أنظر إلى تلك الدفاتر السميكة في غلف من قماش مشمّع، وإلى تلك الكلمات الغامضة المكتوبة بالأبجدية الكيريلية. إنه جهاد الإيمان الذي نادراً ما نجده في أيامنا! كانت البنت في السادسة عشرة من عمرها. كنت أتخيّل ما كان يمكنها أن تشتغل به: أن تذهب إلى مكانٍ ما، أن تتواصل مع أترابها، أن تحضر الديسكو، وها هي تجلس في أمسية طويلة تنسخ الكتب لكي يستطيع أخوها أن يقرأها بلغته الأم. كان كل شيء منسوخاً بقلم حبر ناشف في اللونيْن الأحمر والأزرق، بخطّ مستقيم جميل وإنْ كان خطّ طفل. أتذكّر من طفولتي أنك إذا حاولت أن تكتب شيئاً بخط جميل، فالسطور الأولى هي التي تجذب النظر، أمّا فيما بعد فتأتي الحروف معوجّة وتظهر اللطخ، وتبدأ السطور في الحركة... لكن في تلك الدفاتر كان كل شيء مختلفاً: الخط جميل ومستقيم من البداية إلى النهاية، ولم تكن هناك لطخ على الإطلاق. حدّثني الشمّاس أنه بعد الثورة لم يصدر أي شيء من الأدب الأرثوذكسي باللغة التشوفاشية، ولذلك إذا كانوا يخدمون بلغتهم الأمّ في البيت، استخدموا الكتب البالية الصادرة قبل الثورة أو كانوا ينسخونها.

طيّار تجربة

حدّثني راهب آخر عن صديقه وهو شمّاس من روسيا. كان طيّار تجربة واختبر طائرة ذات يوم. سقطت الطائرة في وضع حلزوني وصارت تنهار نحو الأرض. كان الطيّار غير مؤمن ولم يفكـّر أبداً في الله، وفجأة تذكـّر، والطائرة منهارة إلى الأسفل، كيف كانت جدّته تتحدّث عن القديس نيقولاوس. فلحق أن ينطق في نفسه: "أيها القديس نيقولاوس، ساعدني!". وإذا بالطائرة تستدير عند الأرض وتهبط هبوطاً سلساً على العجلات. كان الطيّار في حالة صدمة. أخرجوه من الطائرة وهو غير قادر على الانحناء أو الانتصاب. عندما فاق بعد عدّة أيام قال إنه سيخدم الله في الكنيسة. بطبيعة الحال، حاول الجميع أن يصرفوه عن نيّته ورفضت زوجته أن تتبعه. فاستقال من العمل وترهبن.

أمِن السهل أن تكون راهباً؟

ذات يوم عندما زرت آثوس للمرّة الرابعة عام 2001 منطلقاً من روسيا، صار أحد معارفي وهو رجل الأعمال ميسور الحال يطرح أسئلة على راهب في أحد الأديرة اليونانية حول حياته راغباً في أن يعرف إذا كان من الصعب أن يكون الإنسان راهباً. فردّ الراهب – وهو فرنسي من أسرة عريقة نبيلة اعتنق الأرثوذكسية – أنه من السهل جداً أن تكون راهباً، بينما أصعب شيء هو أن تصير راهباً، أيْ أن تعزم على ذلك. منذ أن صار راهباً، كلّ يوم بالنسبة له عيد، فجميع أعباء الاهتمامات الدنيوية رُفعت عنه، وباستطاعته أن يتأمّل في حياته الروحية ويتحدّث مع الله ويصلي له. لكن الحياة في العالم أصعب بكثير: يجب التفكير في الخبز اليومي وإعالة الأسرة، وهذا يشغلك عن الصلاة. قال إنه ينحني أمام جهاد المسيحيين العائشين في العالم ويحترمهم كثيراً، لأنّ حياته هو أسهل بكثير من هذه الناحية.

اعتراف قبل الموت

أتذكّر اعترافي في دير غريغوريو. في ذلك الوقت (كان هذا في عام 1981) حدّثني الهيجومينوس جاورجيوس الذي لا يزال عائشاً القصّة التالية. قـُدّر له أن يقبل اعتراف أحد الكهنة قبل موته في مدينة يونانية صغيرة. كان للكاهن طفلان – الابن الأكبر والبنت الصغرى – وبينهما فرق شاسع في السنّ. اتجه الابن إلى أثينا للدراسة، وأصابته مصيبة فقـُتل. وُجدت جثته في مكان مقفر. كان من الواضح أنه ضُرب حتى الموت. بالرغم من أنّ الابن كان متديناً وعاش حياة التقوى لم يوجد على رقبته صليب. وكان غياب الصليب هذا يسبّب عذاباً روحياً لأبيه المسكين. لم يتمّ القبض على القتلة آنذاك وبقيت الجريمة مستترة.

مرّ الوقت، فكبرت ابنة الكاهن وظهر لها صديق. كان الشاب أكبر منها وكان يحضر إلى بيتهم ويجد استقبالاً جيداً. كان الكاهن الذي قد ترمّل معجباً به. ولكن الشاب كان يتردّد في التقدّم لها باقتراح الزواج. بعد فترة، عندما اتضح أنهما يحبّان بعضهما البعض، طلب العريس من الكاهن أن يعرّفه، فوافق. اعترف الشابّ بأنه أحبّ ابنته وأسرته ولكنه يعتبر نفسه غير مستحق لأنه قاتل. منذ وقت طويل كان مرتبطاً بجماعة سيّئة، وذات يوم تجوّلوا حتى وقت متأخر وضايقوا شاباً في الشارع. كان ذلك في أثينا. صار ذلك الشاب يدعو إلى ضميرهم ممّا زاد من غضبهم فأخذوا يضربونه وضربوه حتى الموت. وعندئذ نزع هذا العريس الذي كان أصغر واحد في الجماعة الصليب الذهبي من رقبة الشاب، ولا يزال يحمل هذا الصليب معه. عند ذلك أرى الشاب للكاهن الصليب الذي تعرّف فيه على صليب ابنه الضائع الذي حصل عليه في المعمودية. في تلك اللحظة شعر الكاهن بأنّ الأرض تتزعزع تحت قدميه وأوشك على السقوط، فتضرّع إلى الله لكي يمنحه القوّة. أمّا الشاب فاستطرد قائلاً: "أنت ترى أنّ إنساناً منبوذاً من الله مثلي لا يمكن أن يكون زوجاً لابنتك. سامحني."

أجاب الكاهن: "كيف أستطيع ألا أقبلك في أسرتي، والله نفسه يقبل توبتك؟". تمّ الزفاف، وأخفيت جميع صور ابن الكاهن بحجّة ملائمة، لكي لا يعرف زوج ابنته أنه قاتل أخي زوجته. لم يعرف أحد هذا السرّ. تحدّث الكاهن للأب جاورجيوس عن ذلك في اعترافه قبل موته.

الأب مكسيم

يمكن أن تلقى في الجبل المقدس الرهبان من كل أنحاء العالم ومن بلاد مختلفة. لكي يبقى الراهب في آثوس يكفيه أن يصل إلى أحد الأديرة، وإذا قـُبل فيه ينتهي الأمر عند ذلك. ليس هناك مطالب أو شروط خاصّة يجب تنفيذها. ولكن عدد الراغبين في البقاء في آثوس إلى الأبد ليس بكبير، والسبب هو أنّ الحياة هنا صعبة نسبياً وليس كل واحد قادراً على تحمّلها، فهناك دائماً نقص في النوم وفي الأكل وصلوات طويلة... ولكن بشكل عام، هذا نمط حياة سليم، ولمعظم رهبان الجبل المقدّس حالة صحّية جيّدة.

ذات مرّة قرّرنا مع جيفري ماكدونلد الصعود إلى قمّة جبل آثوس التي تبلغ ألفين وثلاثة وثلاثين متراً فوق مستوى سطح البحر، ويبدأ الجبل عند البحر مباشرة، فيجب الصعود هذه المسافة كلها. بدأنا الصعود مساءً، وعندما صعدنا حوالي ثمانمئة متر أخذنا نبحث عن ملجأ للمبيت. طرقنا باب قلاية منعزلة (وهي كوخ يسكنه عادة راهب أو راهبان)، فاستقبلنا شيخ في سنّ الوقار ذو لحية بيضاء كثيفة. قال إنّ اسمه الأرشمندريت مكسيم وفرح جدّاً إذ عرف أنني من روسيا. اتضح أنه كانت له دورة تمرين منذ وقت طويل في أكاديمية موسكو اللاهوتية ولا يزال يتكلم الروسية جيداً نسبياً.

كان الأب مكسيم يتنسّك في آثوس خمسين سنة إلا قليلاً، وفي السنوات الأخيرة سكن هذه القلاية طلباً للعزلة. استقبلنا كما لو كنا أقرباءه وقدّم لنا للعشاء كل ما كان عنده وهو يفتح المعلـّبات من ذخيرته القليلة واحداً بعد الآخر. في الصباح بعد القدّاس وبعد أن زوّدنا بالخبز والزيتون ودلّنا على الطريق سمح لنا بالانطلاق إلى الجبل. فانطلقنا بلا عفش، تاركين كل أغراضنا عنده لنأخذها عند العودة. كان الصعود شديد الانحدار، ولكن مع كلّ منعطف كانت تظهر مناظر تجعل الأنفاس تنحبس من جمالها. كنا نتوقف مراراً لنستريح ونتلفت حولنا ونأخذ الصور ونتلو الصلوات والمزامير. عندما انتهت منطقة الغابة وأخذت الصخور تظهر، تجمّدنا مدهشين في مكاننا، فكانت كلها مرمراً أبيض! في نهاية المطاف انتهت النباتات كلها فتابعنا صعودنا وسط المرمر الأبيض اللامع على السطح. لم يسبق أن رأيت شيئاً من هذا القبيل أبداً، وكأنني وجدت نفسي في حكاية روسية شعبية منسية من طفولتي يقال في بدايتها: "ما وراء البحار وما وراء الغابات يوجد جبل من المرمر كله بياض".

توجد على قمّة الجبل كنيسة صغيرة مكرّسة لتجلـّي الرب، حيث تقام السهرانية والقداس مرّة في السنة في هذا العيد، وفوقها بقليل صليب حديدي كبير يتوّج الجبل. جلسنا على الأحجار قليلاً وفحصنا أطراف المكان ورتـّلنا طروبارية التجلي وصرنا ننزل شيئاً فشيئاً. استغرق الطريق من قلاية الأب مكسيم وطريق العودة حوالي ستّ ساعات. استقبلنا الستاريتس قائلاً: "أين كنتما كل هذا الوقت؟ قد صرت أقلق عليكما. لم يحدث شيء، إن شاء الله؟". أكّدنا على أن كل شيء على ما يرام، ولم نفعل شيئاً سوى الصعود والنزول. فافترض الأب مكسيم: "لعلكما قرأتما هناك على القمّة خدمة السهرانية كلها، وإلا أين كنتما ضائعين كل هذا الوقت؟ هذا الطريق لا يستغرق عندي أكثر من ساعتين!".

جورجيو

كانت هناك حالات عندما تراجع الذين قد قرّروا البقاء في آثوس عن عزمهم. مثلاً، تحدّث لي أحد معارفي المقرّبين الذي من روما، الأرشمندريت الأرثوذكسي غيرموغين وهو من المهاجرين الروس، قصّة ابن روحي له وهو بارون إيطالي وبروفسور. كان هذا البارون يحبّ زيارة آثوس وأراد أن يصير راهباً هناك. ولكن الأب غيرموغين لم يكن يعطيه بركته لهذه الخطوة. في نهاية المطاف عزم على أن يسافر دون بركة الأب غيرموغين. سكن في أحد أديرة آثوس كمريد للرهبنة وعاش هكذا حوالي سنة. كان يلتزم بجميع القوانين وأعمال الطاعة بغيرةٍ شديدة وهو يفرح لهذا التحوّل في حياته. ثمّ بعد سنة قال له رئيس الدير: "والآن يا جورجيو جهّز نفسك، رسامتك الرهبانية ستتمّ غداً". قضى جورجيو الليلة بلا نوم وهو يفكـّر في خالته التي في روما وفي ضيعته التي في كلابريا وفي والدته التي هناك وفي أشياء أخرى... وفي الصباح عند بزوغ الفجر جمع حقيبته ورجع مباشرة إلى روما.

"الآباء العراة"

يوجد في آثوس نسّاك استثنائيون كثيرون. قد تسمع في الكثير من الأديرة عن "الآباء العراة" الذين يعيشون منعزلين في المغاور في طرف شبه الجزيرة الجنوبي الصخري الصعب الوصول وليس لهم أي اتصال بالناس لسنوات كثيرة (باستثناء راهب يأتيهم بالقدسات الإلهية)، حتى أنّ ملابسهم كلها قد بليت. وكثيراً ما تسمع القصص عن سيّاح ألمان دخلوا بالصدفة إحدى هذه المغاور ووجدوا فيها آثار مسكن فقير ولكن لم يجدوا من يسكنه. ثمّ، كما يقال، حدّثوا عن ذلك في أقرب دير وأرادوا أن يُروا الآخرين هذه المغارة، ولكن فشلوا في إيجادها...

على قمّة جبل آثوس اكتشفنا أنا وجيفري شيئاً من هذا القبيل، وهو ليس بمغارة، بل أشبه بشقّ بين كتلتين من المرمر. كان فيه مفرش من القشّ وبجانبه برميل حديديّ فيه ماء نتن يعوم فيه كيس مع أوراق الخسّ. عند نزولنا صادفنا ساكن قمّة الجبل، وهو راهب شاب نسبياً (كانت لحيته سوداء) لابساً قنبازاً قديماً قد بهت لونه. كان صاعداً إلى فوق يحمل جرّة فخارية مع الماء للشرب، علماً بأنّ أقرب مكان من قمّة الجبل حيث يوجد الماء للشرب يقع على ارتفاع 1200 متر. أخذنا بركته وسألنا عن اسمه (كان اسمه داماسكينوس) وقدّمنا له الخبز والزيتون المتبقي لدينا فقبلها وفرحنا لذلك. هذا هو أحد اللقاءات الآثوسية العابرة...

أربعة أيام

عندما كنت متوجهاً إلى آثوس لأوّل مرّة لم أتخيّل أبداً ما الذي يمكن أن أراه هناك. فكّرت أن هناك عدّة أديرة يمكن مشاهدتها في خلال يومين وتركت آثوس لآخر أيام زيارتي الأولى إلى الأماكن المقدّسة في اليونان التي استغرقت شهراً. كان في مخططي أن أقيم هناك أربعة أيام. ولكن النتيجة كانت مختلفة تماماً. اتضح أنّ آثوس هو شبه جزيرة ضخمة طولها حوالي 80 كيلومتراً وعرضها ثمانية كيلومترات، وذلك إذا اعتبرنا المسافة المباشرة. أما إذا عبرتَ شبه الجزيرة مشياً في طرقات جبلية ملتوية فتزداد المسافة ضعفين تقريباً. لم تكن هناك سيارات إلا قليلاً، ووسيلة النقل الوحيدة التي كان يمكن تقصير المسافة بمساعدتها هي العبّارة التي تمرّ على امتداد الشاطئ مرّة في اليوم. إنّ الجبل المقدّس أذهلني، وبالطبع، امتنعتُ عن جميع خططي الأخرى وبقيت هناك عشرة أيام، أيْ كلّ الوقت المتبقي لديّ.

كنت قد حسبت كلّ شيء بالساعات: سأغادر آثوس منطلقاً بالعبّارة، ثمّ أركب الحافلة المتوجهة إلى سالونيك، ومن هناك أركب القطار الليلي إلى أثينا، وفي الصباح عندي طائرة إلى نيو يورك. من المفروض أن أصل المطار قبل ساعتين من إقلاع الطائرة، فكان كل شيء متفقاً حتى آخر لحظة.

لم تكن عندي رغبة في المغادرة على الإطلاق. قضيت الليلة الأخيرة في دير بندلايمون، وفي الصباح قبل وصول العبّارة ذهبت لأودّع الأب سيرجي، وقد نشأت بيننا صداقة حميمة. وإذا بالأب سيرجي يقول لي: "لماذا تغادر؟ ابقَ معنا أربعة أيام أخرى". أجبت أنني أرغب في البقاء جداً، ولكنني لا أستطيع لأنّ عندي تذكرة الطائرة إلى نيو يورك للغد. كرّر الأب سيرجي: "اسمعني، ابق لأربعة أيام". فأجبت مجدداً أنني لا أستطيع، رغم أنني لا أريد أن أغادر، وأنّ روحي تتعذب وأنه يمزّق قلبي بكلامه، ولكن إذا فاتتني الطائرة فتذكرتي – وهي أرخص تذكرة إلى أمريكا – ستضيع وليست معي نقود لأشتري غيرها، وفي غضون ذلك ستبدأ السنة الدراسية... وبشكل عام، يا أب سيرجي، أنت لا تفهم، هنا آثوس وكل شيء هنا مختلف تماماً، وهناك عالم حيث تطير الطائرات بحسب المواعيد، ولا ينتظرون هناك المتأخرين ولا يعوّضون عن التذاكر... ولكن الأب سيرجي ظلّ يكرّر بإصرار غريب نفس الكلام عن الأربعة الأيام التي يجب عليّ أن أبقى فيها في آثوس. وأخيراً قلت: "طيب، يا أب سيرجي، مع السلامة، ها هي عبّارتي، أنا ذاهب، إن شاء الله سأرجع وأراك من جديد!" وغادرت.

ركبت حافلة ليلية في سالونيك ووصلت إلى مطار أثينا. قد تأخرتُ قليلاً وانطلقتُ راكضاً نحو مكتب تسجيل المغادرة والعرق يسيل مني، وإذا بلافتة كبيرة تعلن عن بدء إضراب المراقبين الجويين عن العمل وإلغاء جميع الرحلات لمدة أربعة أيام... لم تكن عندي نقود ولا إذن خاصّ للعودة إلى آثوس. فقعدت أربعة أيام في أثينا – المدينة الخانقة الكثيرة الغبار – أفكّر في خطاياي.

أهمّ مهمة على الأرض

قد يكون عند القارئ انطباع بعد حديثي وغيره من الأحاديث عن آثوس أنه مكان بعيد عن الحياة الواقعية. ولكن هذا ليس صحيحاً. الحياة الآثوسية، في رأيي، هي حياة أكثر واقعية من كل ما هو موجود. بل على العكس، نحن الذين نعيش حياة شبه واقعية في عجلة دائمة، وفي انشغال دائم، وسط اضطرابات نفسية ومحاولات لتلبية احتياجاتنا وبناء الخطط وتحقيق رغباتنا التي لا تتحقق لسببٍ ما... لكن في آثوس يعيشون حياة "ملموسة" جداً، بحسب التعبير المعاصر. وهي حياة أرضية ملموسة فائضة. ويمارس رهبان آثوس أهمّ مهمّة على الأرض، وهي الصلاة لأجل الجميع. من يعرف، لولا آثوس وصلاته، هل كان عالمنا سيستمرّ في البقاء للآن؟..

ألكسندر دفوركين

النص الأصلي:

Александр Дворкин. Вкус хлеба с айвой (очерки об Афоне) // Фома, 2003, № 16

 

-------------------------

* تشوفاشيا – إحدى الجمهوريات في روسيا الاتحادية، تقع في مركز روسيا الأوروبية.