Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Monday, October 22, 2018

Text Size

 

Tesha 100x72ذات يوم جاءتني ماريا جيورجيفنا جوكوفا ابنة المشير الشهير جيورجي قسطنطينوفيتش جوكوف* وهي من رعيّة ديرنا، وحدّثتني بحزن بأنّ جدّتها لوالدتها كلافديا يفغينيفنا البالغة من العمر 89 سنة لم تتناول منذ طفوليتها.

والمشكلة الثانية هي أنّ كلافديا يفغينيفنا كانت تعاني منذ عدة سنوات من التشويش العقلي الذي يصيب المسنّين. وصلت الحالة بها إلى درجة أنها أصبحت لا تعرف حفيدتها المحبوبة ماريا جيورجيفنا، وعند رؤيتها كانت تسأل بكل هدوء: "من أنت؟ أين حفيدتي؟ أين ماشا؟"** كانت الدموع تنفطر من عينيْ ماريا جيورجيفنا، ولكن الأطبّاء كانوا يقولون بأن هذه الحالة لا شفاء منها. فكان من المستحيل حتى التحدّث إليها وسؤالها إذا كانت تريد الاعتراف والمناولة أو رؤية كاهن في غرفتها.  

كانت ماريا جيورجيفنا قد لجأت إلى معارفها من الكهنة من أجل أن يناولوا جدّتها ولكن لا أحد عزم على هذه الخطوة وذلك لأنهم لم يقدروا حتى أن يعرفوا إذا كانت العجوز تؤمن بالله، علماً بأنها كانت كل أيّام حياتها عضواً في الحزب الشيوعي وهي ملحدة.

فكّرنا طويلاً أنا وماريا جيورجيفنا في هذه المسألة الغير عادية ولكن تفكيرنا لم يأتِ بنتيجة. لذلك لم أجد في آخر المطاف إلا أن أقول:

- أتعرفين يا ماشا، منطقنا وتفكيرنا البشري شيء، وأن نأتي إلى جدّتك ومعنا الذخيرة المقدّسة هو شيء آخر. من الممكن أن الرب سيدّبر هذا الأمر بشكل من الأشكال. ونحن لا نعوّل على أي شيء آخر.

فوافقت ماريا جيورجيفنا على اقتراحي هذا.

بالرغم من أنني كنت قد قدّمت الاقتراح ولكنني بصراحة لم أكن مقتنعاً بأن مهمّتنا ستنجح. لذلك (وأنا أعترف بالخزي بسبب تقصيري) أجّلت زيارة المريضة لوقت طويل. كانت تتغلّب عليّ أبسط المخاوف، فمن غير المُستساغ الذهاب بالذخيرة المقدسة إلى إنسان قد لا يفهم حتى سبب وجودي في بيته. وعدا عن ذلك ظهرت هنا وهناك مشاغل كثيرة لا تحتمل التأجيل كالعادة...

وفي النهاية أظهرت ماريا جيورجيفنا إصراراً لا يُقاوم كونها ابنة جوكوف، وأنا بدوري بدأت أشعر بالخجل لتخاذلي. وفي المحصلة قرّرنا تحقيق مهمّتين في زيارة واحدة، الأولى هي تكريس منزل المشير والثانية هي محاولة أخذ اعتراف الجدة ومناولتها، بشرط إذا أرادت هي نفسها ذلك وتقبّلت زيارتي وفهمت القصد منها. وممّا زاد من أهمّية هذا الأمر هو أنّ ماريا جيورجيفنا حذرتني بأن جدّتها عندها نوبات من الغضب وبأنها لا تطيق منظر الناس اللابسين ملابس سوداء. مع كل ساعة كانت الأمور تزداد صعوبة! فاضطررت مستعجلاً إلى تفصيل قنباز أبيض لي.

وأخيراً توجّهنا لتكريس شقة المشير جوكوف ومناولة حماته. وعلى فكرة هذه الحماة لم تكن حماة عادية، ربما كانت حماة وحيدة في تاريخ البشرية قد عبّر صهرها عن شكره لها علنيةً على ظهر صفحة العنوان لكتاب مذكّراته (علماً بأنّ صهرها جيورجي جوكوف كان صارماً جداً في معاملته مع الناس).

أعترف بأني كنت خائفاً عندما دخلت الغرفة حيث وجدت على السرير عجوزاً نحيلة صغيرة الحجم حسنة المظهر ونظيفة جداً. كنت لابساً القنباز الأبيض وعلبة الذخيرة المقدسة تتدلّى على صدري.

نظرتُ إلى ماريا وأنا متهيّب، ثم تقدّمتُ نحو السرير وتمتمت بحذر شديد:

- ممممم... مرحبا كلافديا يفغينيفنا!

كانت الجدّة تنظر إلى السقف نظرة شاردة وغائبة تماماً. بعد ذلك التفتت نحوي ببطء، وفجأة تغيّرت نظرتها تماماً وهتفت:

- باتيوشكا***! وأخيراً أتيت! لقد انتظرتك طويلاً!

فأصابتني الحيرة! والسبب أنهم قالوا لي بأن العجوز في حالة "انحلال الشيخوخة" (إذا سمّينا الأشياء بمسمّياتها) وبأنها فقدت عقلها واتزانها منذ سنوات، فالتفتُُّ إلى ماريا جيورجيفنا وأنا منذهل تماماً.

ولكن إذا كنت أنا في حالة الدهشة فإن ماشا وصديقتها المدعوة إلى تكريس المنزل كانتا مصدومتين! حتى أنّ ماريا جيورجيفنا أجهشت بالبكاء وخرجت راكضة من الغرفة، أمّا صديقتها فشرحت لي بأنهم للسنة الثالثة على التوالي لم يسمعوا من كلافديا يفغينيفنا كلاماً عاقلاً.

في هذه الأثناء تابعت كلافديا يفغينيفنا قائلة:

- باتيوشكا! لماذا أطلت غيابك كل هذه المدة؟

فأجبتها طالباًً منها السماح من كل قلبي:

- سامحيني من فضلك يا كلافديا يفغينيفنا، أنا بالحقيقة مذنب! لكن على كلّ حال ها أنا أتيت الآن.

فقالت حماة جوكوف:

- نعم، نعم! ويجب علينا أن نعمل شيئاً مهماً جداً!

وأضافت بقلق:

- ولكني لا أتذكر ما هو؟

فقلتُ:

- يجب أن آخذ منك الاعتراف وأناولك.

فقالت:

- صحيح تماماً! لكن ساعدني أنت من فضلك!

بقينا لوحدنا، فجلستُ على كرسي بجانب السرير، وبمساعدة مني اعترفت كلافديا يفغينيفنا لمدة نصف ساعة عن كل حياتها وبشجاعة، ابتداء من سنّ العاشرة عندما اعترفت آخر مرة للكاهن وهي في المدرسة. ومع ذلك فقد أظهرت ذاكرة مُدهشة فتملّكني العجب!

وعندما انتهت كلافديا يفغينيفنا من الاعتراف دعوتُ ماشا وصديقتها للدخول، وبحضورهما قرأت على العجوز بمهابة صلاة التحليل وهي جالسة في السرير وكان وجهها يشعّ مشرقاً.

وأخيراً ناولتها من أسرار المسيح المقدّسة. والأمر العجيب أنه عندما بدأتُ في قراءة الأفشين الواجب قراءته قبل المناولة: "أؤمن يا رب وأعترف... " فجأة وضعت كلافديا يفغينيفنا يديها على صدرها على شكل الصليب كما يلزم. ربّما عادت إلى ذاكرتها صور المناولة في الطفولة البعيدة.

وبعد المناولة أعطينا الجدّة قربانة مغموسة بالماء المقدّس، فاضجعت في سريرها في هدوء وسكينة، وكانت تمضغ القربانة باستمتاع بفمها الخالي من الأسنان.

وبعد ذلك بدأتُ بتكريس المنزل، وعندما دخلت غرفة كلافديا يفغينيفنا من جديد حاملاً الكأس مع الماء المقدّس أخرجت القربانة من فمها وحيّتني بانحناءة من رأسها.

وبعد تكريس المنزل جلسنا لنتناول الطعام أنا وماريا جيورجيفنا وابنها "يغور" وصديقتها، وقضينا في الحديث حوالي ساعة ونصف.

قبل انصرافي دخلت غرفة كلافديا يفغينيفنا لأودّعها. كانت العجوز راقدة في سريرها كسابقها ولكني لاحظت في الحال بأن خطباً ما قد أصاب وجهها، فالجهة اليسرى من وجهها كانت هامدة وغير متحرّكة. ناديتُ ماريا جيورجيفنا فجاءت مسرعة واندفعت نحو جدتها تسألها محاولة أن تفهم ما الذي حصل لها، ولكن كلافديا يفغينيفنا لم تجبها بكلمة. ففهمنا بأنه أصابها فالج.

وهذا ما حصل بالفعل. فكانت كلمات الاعتراف التي تفوّهت بها كلافديا يفغينيفنا هي آخر كلمات قالتها في حياتها. وبعد هذا بقليل توفيت. وأخذنا بركة قداسة البطريرك لتجنيزها في ديرنا "سريتينسكي****". وأفرزت وزارة الدفاع لجنازة حماة المشير جوكوف فرقة عسكرية خاصّة .

الأرشمندريت تيخون (شيفكونوف)

رئيس دير "سريتينسكي" بموسكو

-----------------------

     *المشير جيورجي قسطنطينوفيتش جوكوف (1896-1974) – أبرز قائد عسكري سوفييتي، رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلّحة وقائد الجبهة أنثاء الحرب الوطنية العظمى، وزير الدفاع السوفييتي، حائز على لقب بطل الاتحاد السوفييتي أربع مرّات.

** ماشا – صيغة التصغير من "ماريا".

*** "باتيوشكا" – "أبونا".

**** دير "سريتينسكي" (الصفة من الكلمة السلافية Сретение "اللقاء؛ الاستقبال") – دير مكرّس لتذكار نقل أيقونة العذراء الفلاديميرية العجائبية إلى موسكو في عام 1395. وقد تمّ تأسيس الدير في المكان الذي اُستقبلت فيه الأيقونة من قبل أهل موسكو الذين كانوا يطلبون شفاعتها في حماية المدينة من جيش تيمورلنك.

 

النصّ الأصلي:

Архимандрит Тихон (Шевкунов). Теща маршала Жукова// «Несвятые святые» и другие рассказы. – М.: Изд-во Сретенского монастыря, 2011. – С. 375-379