Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Monday, February 26, 2018

Text Size

 

Div 70 100x75أظنّ أنه في عهد الاتحاد السوفييتي لم يكن هناك رمز أكثر فظاعة من دير ديفييفو يدلّ على تخريب الكنيسة الروسية. هذا الدير الذي أسّسه القدّيس سيرافيم ساروفسكي تمّ تحويله إلى أطلال مرعبة كانت تطلّ من الأعلى على مركز اللواء الفقير وهو مدينة ديفييفو المجيدة والبهجة سابقاً.

لم تعزم السلطات على تدمير الدير كلياً بل تركت هذه الأطلال قائمة كتذكار لانتصار الشيوعية واستعباد الكنيسة إلى الأبد. وقد تمّ نصب تمثال "زعيم الثورة" عند بوّابة الدير المقدّسة الذي كان يستقبل كل من زار الدير المدمّر.

كان كل شيء هنا يدلّ على أنه لا رجوع إلى الماضي. وكان يبدو أن نبوءات القدّيس سيرافيم المحبوبة في كل روسيا حول المستقبل العظيم لدير ديفييفو ستبقى مُداسة ومستهزأ بها إلى الأبد، حيث أنه لم يبقَ أثر لأية كنيسة عاملة في ضواحي ديفييفو القريبة والبعيدة لأن كلها كان قد تمّ تخريبها.

أمّا دير ساروف الممجّد سابقاً والمدينة حوله فأصبح هذ المكان مقرّاً لأحد المنشآت الأكثر سرّية وحراسة في الاتحاد السوفييتي وعنوانه "أرزاماس-16" وكان مخصّصاً لإنتاج الأسلحة النووية.

إذا كان الكهنة يأتون أحياناً لزيارة ديفييفو سرّياً فكان عليهم التنكّر في ملابس العلمانيين. ومع ذلك كانوا تحت المراقبة. في السنة التي قمتُ فيها بأوّل زيارة لي إلى الدير المخرّب تمّ القبض على راهبين كاهنين جاءا لأخذ البركة من مقدّسات ديفييفو، فضُربا ضرباً مبرّحاً في قسم الشرطة وقضيا 15 يوماً في الزنزانة على أرضية متجلّدة.

في ذلك الشتاء طلب منّي الأرشمندريت بونيفاتيوس وهو راهب طيّب جدّاً من لافرا الثالوث القدّوس والقدّيس سيرجي مرافقته في زيارته إلى ديفييفو، وذلك لأنه بحسب القوانين الكنسية الكاهن الذي ينطلق إلى طريق طويل ومعه الذخيرة المقدّسة أيْ جسد ودم المسيح فإنه يجب عليه أن يأخذ معه مرافقاً ليتمكّنا معاً من حماية الذخيرة المقدّسة وحفظها في الطريق. أما الأب بونيفاتيوس فكان هدفه من زيارة ديفييفو هو مناولة الراهبات العجائز الساكنات حول الدير وهنّ آخر راهبات عشن حتى أيّامنا منذ وجود الدير الأصلي الذي كان قبل الثورة.

كان أمامنا طريق بالقطار عبر مدينة "نيجني نوفغورود" (كان اسمها "غوركي" في ذلك الوقت) ومنها بالسيارة إلى ديفييفو. لم ينم الباتيوشكا* طوال الليل في القطار إذ كانت علبة صغيرة فيها الذخيرة المقدّسة معلّقة في عنقه برباط حريري. كنتُ نائماً على الرفّ المجاور وأستيقظ من وقت إلى آخر بسبب صوت العجلات وأرى الأب بونيفاتيوس يقرأ الإنجيل وهو جالس عند المائدة في ضوء خافت من المصباح الليلي.

بلغنا "نيجني نوفغورود" وهي المدينة التي وُلد فيها الأب بونيفاتيوس ونزلنا في بيت والديه. أعطاني الباتيوشكا هناك كتاباً للقراءة صدر قبل الثورة وهو المجلّد الأوّل من مؤلفات القدّيس إغناطيوس بريانتشانينوف، فلم أذق طعم النوم حتى الفجر لأنني اكتشفت لنفسي هذا الكاتب المسيحي العجيب.

انطلقنا إلى ديفييفو صباحاً، وكان أمامنا طريق حوالي 80 كيلومتراًً. كان الأب بونيفاتيوس قد بذل جهداً للتنكّر لئلا يكتشفه أحد كونه كاهن، فأخفى أهداب قميصه تحت المعطف وخبّأ لحيته الطويلة جداً بين الشال والياقة.

عندما اقتربنا من المكان المقصود لزيارتنا قد ابتدأ الظلام يحلّ. كنت أنظر بقلق من نافذة السيارة وأميّز في وسط العاصفة الثلجية جرسيّة عالية خالية من القبّة وهياكل الكنائس المهدّمة. وبالرغم من ذلك المنظر المحزن كنت مُعجباً بالقوة الخفية غير العادية لهذا الدير العظيم. كما أدهشتني الفكرة بأنّ دير ديفييفو لم يمُت وإنما لا يزال يعيش حياته الخفية الغير المدرَكة بالنسبة للعالم.

وهذا الذي كان في الحقيقة! لأنني وجدت في كوخ بائس في ضواحي ديفييفو ما لم أستطع أن أتخيّله حتى في أجمل أحلامي. قد رأيت الكنيسة – الظافرة دائماً وغير المهزومة، الفتيّة والفرِحة لإلهها المدبّر والمخلّص. وفي ذلك المكان بالذات أدركتُ القوة العظيمة لكلام بولس الرسول الذي قاله بدالةٍ: "أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقوّيني".

وما عدا ذلك، فإنّ أجمل صلاة كنسية حضرتها في حياتي ولا يمكن نسيانها لم تكن في كاتدرائية بهية أو كنيسة غارقة في القدم، بل في مركز لواء ديفييفو في الكوخ المتهدّم رقم 16 في شارع "ليسنايا". أو على الأصحّ لم يكن كوخاً، بل حمّاماً قديماً تم تكييفه للسكن.

عندما دخلت هناك لأوّل مرة مع الأب بونيفاتيوس وجدت غرفة صغيرة ذات سقف منخفض جداً وفيها عشر عجائز طاعنات جداً في السنّ. كانت أصغرهنّ قد تجاوز عمرها الثمانين بكثير، أما أكبرهنّ فبلا شكّ كانت قد تجاوزت المائة من العمر. كُنّ جميعهنّ لابسات ملابس بسيطة مناسبة لسنهنّ وإيشاربات عادية. لم يكن هناك أية جبّات رهبانية أو لاطيات. كان من الممكن أن أتساءل: "أهنّ راهبات؟ مجرّد عجائز عاديات..." لو لم أكن قد عرفت أن هؤلاء العجائز هنّ من أكثر معاصرينا شجاعةً، وكنّ قد قضين سنوات طويلة بل عشرات السنين في السجون ومعسكرات الاعتقال، وبالرغم من تلك التجارب ازداد في نفوسهنّ الإيمان والوفاء لله.

ذُهلت عجباً عندما رأيت الأب بونيفاتيوس - هذا الأرشمندريت المحترم وراعي الكنائس في الجناح البطريركي للافرا القدّيس سيرجي وأب الاعتراف المعروف في موسكو - يركع أمام هؤلاء العجائز ويعمل لهنّ مطانية كبيرة قدّام عينيّ قبل أن يباركهنّ! بصراحة لم أصدّق عينيّ. لكن الكاهن قام وأخذ يبارك العجائز وهنّ يتقدّمن إليه واحدة واحدة بصعوبة في المشي. كان مدى فرحهنّّ الصادق لوصوله واضحاً.

Serafim1 100x122 تلفتُّ حولي أثناء تبادل الأب بونيفاتيوس والعجائز التحيات. كان ضوء خافت ينبعث من القناديل المضاءة أمام أيقونات مركّبة في براويز قديمة. كانت إحدى الأيقونات تجذب الانتباه بشكل خاصّ، وهي أيقونة كبيرة من طراز رائع للقدّيس سيرافيم ساروفسكي. كان وجه القدّيس يشعّ الطيبة والدفء إلى درجة أنه لم يكن في وسعي أن أحوّل بصري عنه. وكما عرفتُ لاحقاً، كانت هذه الأيقونة قد رُسمت قبل الثورة بقليل لكنيسة الدير الجديدة التي لم يُقدّر لها التكريس. وحُفظت الأيقونة من التدنيس بأعجوبة.

في هذه الأثناء أصبح الجميع يستعدّون لصلاة السهرانية. انحبست أنفاسي عندما رأيت الراهبات يُخرجن من مخازنهنّ الخفية الأغراض الشخصية للقديس سيرافيم ويضعنها على الطاولة الخشبية المعمولة يدوياً بشكل غير محترف. كانت من بينها بطرشيل القدّيس وسلاسله التي كان يلبسها على جسمه (صليب حديدي ثقيل على سلسلة) والقفاز الجلدي والقِدر القديم الذي كان الستاريتس من ساروف يطبخ الأكل فيه لنفسه. كانت هذه المقدّسات بعد تخريب الدير تُنقل من راهبة إلى أخرى على مدى عشرات السنين.

بعد أن لبس الأب بونيفاتيوس حلّته الكهنوتية رفع إعلاناً لبداية السهرانية. فانتعشت الراهبات في الحال وبدأن بالترتيل. فما أجمل كان ذلك الخورس وما أعجبه!

"اللحن السادس! يا رب إليك صرخت فاستمع لي" – أعلنت الراهبة بصوت خشن أجشّ. كان عمرها 102 سنة وكانت قد قضت حوالي عشرين سنة في السجون والمنفى.

رتّلت جميع العجائز العظيمات معها: " يا رب إليك صرخت فاستمع لي. استمع لي يا رب".

كانت صلاة لا توصف بالكلمات. كانت الشموع مشتعلة وكان القدّيس سيرافيم ينظر من الأيقونة بنظرته الفائقة الطيبة والحكمة. كانت الراهبات العجيبات يرتّلن الخدمة كلها تقريباً عن ظهر القلب، ولم ينظرن إلا نادراً في الكتب السميكة مستعينات ليس بالنظارات بل بعدسات مكبّرة ضخمة مركّبة على مقابض خشبية. وبنفس الطريقة كنّ قد خدمن في معسكرات الاعتقال والمنافي وبعد العودة من السجون إلى ديفييفو عندما استقررن في أكواخ بائسة في ضواحي المدينة. كان كل شيء معتاداً بالنسبة لهنّ، أما أنا فلم أكن أفهم بالفعل إذا كنت على الأرض أو في السماء.

كانت هؤلاء العجائز الراهبات يحملن في أنفسهنّ القوة الروحية والصلاة والشجاعة والوداعة والطيبة والمحبّة والإيمان إلى درجة أنّني أدركت في تلك اللحظات أثناء الصلاة أنهنّ قادرات على التغلب على كل شيء – على السلطة الإلحادية بكل جبروتها وعدم إيمان العالم وحتى الموت نفسه الذي لم يكنّ خائفات منه على الإطلاق.

 

الأرشمندريت تيخون (شيفكونوف)

رئيس دير "سريتينسكي" بموسكو

------------------------

* "باتيوشكا" – "أبونا".

النصّ الأصلي:

Архимандрит Тихон (Шевкунов). О самой прекрасной службе в моей жизни// «Несвятые святые» и другие рассказы. – М.: Изд-во Сретенского монастыря, 2011. – С. 289-295

(يتبع)