Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Monday, July 16, 2018

Text Size

إقرأ أيضاً مواضيع ذات صلة

 

تتمّة للقصّة "أجمل صلاة في حياتي"

  100x100كانت صاحبة الكوخ الواقع في شارع "ليسنايا" في ديفييفو حيث كانت تُحفظ الأغراض الشخصية للقدّيس سيرافيم هي الراهبة مرغريتا اللابسة الإسكيم الكبير. ولكن لم يكن أحد على علم لسنوات كثيرة بأنها راهبة متخفية وصاحبة الإسكيم الكبير.

كان الجميع يدعونها ببساطة "ماتوشكا* فروسيا**" أو "فروسيا" بالرغم من أنّ عمرها كان من عمر القرن العشرين، فعندما زرت ديفييفو لأوّل مرة في سنة 1983 كانت الأم فروسيا قد بلغت 83 من عمرها.

ظهرت "الرهبنة المتخفية" في فترة الاضطهاد الأخير ضدّ الكنيسة في القرن العشرين. كان الرهبان والراهبات الذين قبلوا الرسامة سرّياً يعيشون في العالم ويلبسون ملابس عادية وكثيراً ما كانوا يعملون في مؤسّسات علمانية، ومع ذلك كانوا يلتزمون بجميع النذور الرهبانية بصرامة. لم يكن من الممكن أن يعرف عن رسامتهم وعن اسمهم الجديد إلا الأب الروحي. وحتى عند مناولتهم في الكنائس كان هؤلاء النسّاك يذكرون أسماءهم كما هي في العالم.

Losev1 100x81   على سبيل المثال كان من بين الرهبان المتخفيين الفيلسوف الروسي الأكاديمي الشهير أليكسي فيودوروفيتش لوسيف. وكان اسمه الرهباني أندرونيك. يظهر لوسيف على كل صوره الشخصية لابساً طاقية سوداء غريبة ونظارة ذات عدسات ضخمة. كان يلبس هذه النظارة لأنه كاد أن يفقد بصره بعد أن قضى عدة سنوات في معسكرات الاعتقال في منطقة بناء قناة البحر الأبيض - البلطيق. أما الطاقية الغريبة فلم يكن يعتمر بها خوفاً من البرد كما اعتقد الجميع، وإنما كانت قلنسوة وهي عنصر وحيد من الملابس الرهبانية التي سمح الراهب أندرونيك لنفسه بلبسه في كل الأوقات.

أما الأم فروسيا فكان الجميع يعتبرونها مجرّد مريدة الرهبنة سابقاً. وإذا كان الفضوليون يطرحون عليها أسئلة حول الرهبنة كانت الماتوشكا تجيب وبكل أمانة أنها كانت قد أُهّلت منذ وقت طويل لأن تكون مريدة رهبنة مبتدئة في دير ديفييفو. لم تستطع الأم فروسيا كشف اسمها في الرهبنة إلا في أوائل التسعينات وذلك ببركة من الأم سيرجيا رئيسة دير ديفييفو القائم من الأطلال إلى حيث انتقلت الأم فروسيا قبل ثلاث سنوات من رقادها. أمّا الفترة ما قبل ذلك فكانت تبقى مجرّد فروسيا، بل كانت الماتوشكا تنظر إلى نفسها بعين الناقد وحتى باستخفاف أحياناً.

ذات يوم أصدرنا في دار النشر للبطريركية مجلّة مصوّرة جميلة مكرّسة للقدّيس سيرافيم ساروفسكي وتاريخ دير ديفييفو، وكانت هذه النشرة هي الأولى من نوعها في العصر السوفييتي. وعند سنوح أوّل فرصة جئت بهذه المجلّة إلى الأم فروسيا لتراها. كانت المجلة حديثة ولامعة وذات ألوان زاهية إلى درجة أنها كانت تبدو شيئاً من كوكب آخر في الكوخ البائس في شارع "ليسنايا".

ولكن الأم فروسيا أُعجبت بالمجلة جداً. أخذت تتأمّل في الصور بانتباه وتتصفّح أوراق المجلة بفضول.

-         آه، أبونا سيرافيم! – صفّقت الماتوشكا بيديها إذ رأت أيقونة جميلة للقدّيس.

-  الأم ألكساندرا، معيلتنا! – عرفت الماتوشكا صورة مؤسِّسة دير ديفييفو أغاثيا سيمينوفنا ميلغونوفا. كانت الأم فروسيا تعرف بشكل ممتاز كل تاريخ دير ديفييفو البالغ 200 سنة.

-  من هذا؟ نيقولاي ألكساندروفيتش! موتوفيلوف!

وأخيراً فتحت الماتوشكا الصفحة الأخيرة ووجدت عليها صورتها الشخصية. وفقدت النطق للحظة، ثمّ ضربت كفّاً على كفّ بسبب الاستياء الصادق وهتفت:

-         فروسيا الشقية! يا لوقاحتك! أنت هنا أيضاً؟

 1 100x128أثناء زيارتي الأولى إلى ديفييفو مع الأب بونيفاتيوس توجّهت إليّ الأم فروسيا ببساطة بطلب زيارتها مرة أخرى لترميم سقف الكوخ والسقيفة. فوعدتها بذلك ورجعت إلى ديفييفو في الصيف وقد دعوت معي صديقيْن. وسكنّا في السقيفة وكنا ننام على التبن الجاف، ونشتغل بالترميم في النهار، أما في المساء فكنا نتجوّل في الدير المهدّم ونصلّي مع هؤلاء الراهبات العجيبات ونستمع إلى حكايات الأم فروسيا التي لا تُقارن بأي شيء آخر.

قد قصّت علينا القصص عن دير ديفييفو القديم، وعرفنا أنّ الدير ظلّ يعيش معهنّ في السجون وفي معسكرات الاعتقال والمنفى لعشرات السنين إبّان السلطة السوفييتية بشفاعة القدّيس سيرافيم. كما كان لا يزال يعيش في ذلك الوقت حول مباني الدير المهدّمة. كان من الواضح أن الماتوشكا أرادت أن تنقل إلينا كل ما كانت تحفظه ذاكرتها لكي لا تموت تلك الذكريات معها.

 

الشمعة

كانت هناك شمعة صغيرة من بين الأغراض الخاصّة بالقدّيس سيرافيم التي كانت الراهبات يحتفظن بها في صندوق مكنون. عندما كانت الأم فروسيا تُخرج هذه المقدّسات ليأخذ زوّار الدير البركة منها كانت الشمعة تبقى متروكة جانباً دون أن ينتبه إليها أحد. وذات مرة سألتُ الأم فروسيا عن هذه الشمعة المتميّزة فقصّت عليّ القصة التالية.

كانت تلك الشمعة تُحفظ عند الراهبات منذ أيّام القدّيس سيرافيم. كان قد أعطاها لهنّ قبل موته بقليل قائلا: "إنّ إحداكنّ ستستقبل جسدي بهذه الشمعة لأنه سيتمّ نقله ودفنه في ديفييفو. لن تبقى رفاتي في ساروف بل سأنتقل إليكنّ في ديفييفو".

بعد رقاد القدّيس في عام 1833 تم دفنه في دير ساروف، حيث ابتدأ تكريمه وإلى حيث تدفّق آلاف الزوّار من كل أنحاء روسيا. في عام 1903 تم إعلان قداسة القدّيس سيرافيم كمتوشّح بالله ووُضعت رفاته في تابوت فاخر في كاتدرائية الثالوث القدّوس بدير ساروف. كان الناس الأرثوذكس قد سمعوا عن نبوءة القديس سيرافيم بأن رفاته ستنتقل إلى ديفييفو، ولكن هذا الأمر كان يبدو مستحيلاً وخاصّة بعد الثورة البلشفية عندما كان من المفترض أن رفاته قد أُتلفت، فأصبح من المريح اعتبار هذه النبوءة مجرّد رمزية.

حكت لي الأم فروسيا أنه في عام 1927 قبل إغلاق دير ديفييفو بقليل جمعت المتبالهة ماريا إيفانوفنا التي كانت تعيش في الدير كلّ راهباته معاً لآخر مرة وأخذت الشمعة المكنونة التي تركها القدّيس سيرافيم وأشعلتها أمام الجميع وتنبّأت بأنه من بين الراهبات المجتمعات هنا ستكون آخر واحدة تبقى عائشة حتى تاريخ نقل رفات القديس سيرافيم إلى ديفييفو، وستستقبله بهذه الشمعة هناك نيابة عن كل الراهبات - الراقدات والمعذبات والمقتولات واللواتي بالرغم من كل ذلك احتفظن بوفائهن للربّ الإله.

عندما قصّت عليّ الأم فروسيا هذه القصّة لم يبق هناك إلا حوالي عشر راهبات من دير ديفييفو القديم، وكان عددهنّ يتقلص من سنة إلى أخرى. ولكن اللواتي كنّ لا يزلن عائشات كان عندهنّ إيمان قوي مقدّس بأن النبوءة ستتحقق. وأخيراً، لم يبق من بين ألف راهبة كنّ يعشن في دير ديفييفو قبل الثورة إلا الأم فروسيا وحدها.

في عام 1990 في لينينجراد تم العثور على رفات القدّيس سيرافيم التي كانت تُعتبر مفقودة إلى الأبد. وبعد سنة واحدة تمّ نقل الرفات المقدّسة عبر روسيا كلها إلى ديفييفو في مسيرة صليب مهيبة ، وذلك لأنه لم يكن في ساروف أية كنيسة عاملة في ذلك الوقت، أما دير ديفييفو فكانت قد بدأت إعادة إعماره.

1991 100x74   وعندما كان الأساقفة وعلى رأسهم البطريرك أليكسي وبحضور آلاف مؤلّفة من الناس يدخلون برفات القدّيس سيرافيم إلى دير ديفييفو بمصاحبة تراتيل الجوقات الاحتفالية، كانت تقف على الباب "مريدة الرهبنة" فروسيا (الراهبة اللابسة الإسكيم مرغريتا) حاملة في يدها الشمعة المشتعلة.

رقدت الأم فروسيا في 9 فبراير 1997 الموافق للتذكار الكنسي للشهداء والمعترفين الجدد الروس. وكانت هي نفسها معترفة وشهيدة جديدة.

الأرشمندريت تيخون (شيفكونوف)

-----------------------

 *"ماتوشكا" (матушка) – "الأمّ" (صيغة التدليل)، وتقال هذه الكلمة للراهبة ولزوجة الكاهن.

** فروسيا (Фрося) – صيغة التصغير من "أفروسيني".

 

النصّ الأصلي:

Архимандрит Тихон (Шевкунов). «Несвятые святые» и другие рассказы. – М.: Изд-во Сретенского монастыря, 2011. – С. 297-301, 331-335