Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Thursday, August 16, 2018

Text Size

 

Vybor1 100x71"الإيمان الذي بحسب قلبنا سنقبله"

ذات مرة في أثناء إحدى الولائم وبعد أن باءت بالفشل جهود المهرّجين والبهاليل في إزالة الغم والحزن عن الأمير فلاديمير، دنا منه خاله دوبرينيا شقيق والدته مالوشا، ودوبرينيا هذا كان كبير الولاة.

وكان فلاديمير قد تربّى على يديه وكان دوبرينيا يحبّه وكل ما كان يزعج فلاديمير كان يزعجه أيضاً.

- اسمح لي بأن أسألك أيها الأمير! منذ وقت طويل وهذا السؤال يقلقني.

فأجابه الأمير:

- إسأل.

فقال دوبرينيا:

- لماذا أنت كئيب؟ ما الذي يشغل فكرك؟ إن جيشك قوي وحدود بلادك متينة، والشعب الروسي يمدحك بالأناشيد لأنك أعدت له الهدوء والسلام.

قطب الأمير حاجبيه ونظر إلى خاله نظرة فاحصة وهو يفكر في نفسه: هل سيفهمه خاله؟ ألن يدينه؟ فقال بصوت متقطّع:

- يا خال، أنا لا أؤمن بالأصنام. يبدو أن الروم الحكماء محقون حين يقولون: ليس هناك حقيقة في هذه الأصنام أكثر من حقيقة أنها كتل خشبية. من العار على شعبنا أن يسجد لهذه القرامي الخشبية ويقدّم لها القرابين. نحن بحاجة إلى إيمان آخر.

استمع دوبرينيا بجدٍ إلى الأمير وأسدى له نصيحة حاذقة كما في أيام الطفولة حين كان فلاديمير صغيراً وعديم الخبرة:

- أيها الأمير، لا تستعجل في رفض الأصنام الآن. هذا الأمر مقدور عليه دائماً. دعنا في البداية نتعرّف على إيمان الآخرين. يوجد الكثير من التجّار الأجانب في كييف. منهم المحمّديون واليهود الخزر الماكرون وأتباع الإيمان اللاتيني وأيضاً الروم الحكماء.

فأحبّ فلاديمير نصيحة دوبرينيا.

- ليكن كذلك! أصدرْ الأوامر إلى التجّار الأجانب بأن يُحضروا في رحلاتهم القادمة إلى روسيا علماءهم. وليحدثنا علماؤهم عن إيمان كل منهم. والإيمان الذي بحسب قلبنا سنقبله مع كل شعبنا.

أصبح العلماء والحكماء يتوافدون على فلاديمير لدى سماعهم أوامره بخصوص الإيمان، كل منهم محاولاً إقناع الأمير الروسي الأغرّ بشريعته.

فجاءه أوّلاً المسلمون بلغار الفولجا فقالوا:

- أنت أمير شعب عظيم وتجهل الشريعة الحقيقية! فتعقّل واتبع محمّداً. ليس هناك دين أصحّ من دين محمّد.

سألهم الأمير:

- بماذا تؤمنون؟

- لا إله إلا الله ومحمّد نبيّه. يعلّمنا محمد بأن نختتن وأن لا نأكل لحم الخنزير وبعد الموت يعطي النبي لكل واحد منا 70 زوجة جميلة.                                                                          

لم تعجب الأمير هذه الشريعة، وصار يفكّر كيف يصرف المحمّديين.

- هل صحيح ما يقوله تُجّارنا بأنه بحسب إيمانكم يُمتنع عن شرب الخمر؟

- هذا صحيح.

- ولماذا كتمتم هذا الأمر؟ لا، لا يروق لنا هذا الإيمان. شُرب الخمر يفرّح القلب وروسيا لا تقدر أن تكون بدون هذا.

غادر المسلمون محضر الأمير فارغين، وما أن خرجوا حتى ظهر على أبواب الأمير الألمان الكاثوليك. سألهم الأمير مبتسماً:

- وأنتم ... أتشربون الخمر؟

تبادل الألمان ذوو الأنوف الحمراء النظرات وقالوا:

- نحن نؤمن بالصوم بحسب المقدرة. من يأكل ومن يشرب فيأكل ويشرب لمجد الله كما علّمنا بولس.

عبس الأمير فلاديمير، لم يعجبه الإيمان الكاثوليكي. فقال:

- ارجعوا إلى بيوتكم أيها الألمان. آباؤنا لم يقبلوا إيمانكم ونحن أيضاً لن نقبله. نريد أن نسجد للإله الحقيقي وليس لبابا روما.

ما أن خرج الألمان المُهانون حتى ظهر في الأبواب اليهود الخزر المتغطرسون. وأرادوا من البداية أن يهينوا الإيمان المسيحي فقالوا إنّ المسيحيين يؤمنون بذاك الذي صلبوه وحكموا عليه بالموت المُخزي على الصليب. فسأل الأمير:

- وأنتم بماذا تؤمنون أيها اليهود؟

- بالإله الواحد، إله إبراهيم وإسحق ويعقوب.

- وما هي شريعتكم؟

أجاب حاخامات اليهود:

- الختان ولا نأكل الأرنب والخنزير ونحفظ السبت.

ابتسم الأمير الروسي بدهاء:

- يعني مثل المحمّديين. ولكن أين هو وطنكم؟

ارتبك اليهود.

- وطننا في أورشليم، ولكن إلهنا غضب من آبائنا ونزع منّا أرضنا وطردنا منها وشتتنا في العالم.

غضب الأمير فلاديمير.

- أيها اليهود، كيف تعلّمون وتعظون الآخرين وأنتم قبلاً أغضبتم الله بحيث أنه حرمكم من أرضكم وشتتكم في البلاد الغريبة؟ اذهبوا ولا تعودوا هنا ثانية!

بعد عدة أسابيع وصلت إلى كييف إرسالية جليلة من الروم قادمة من القسطنطينية. فاستقبل الأمير فلاديمير السفراء ببشاشة.

- وأنتم أيها الروم، بماذا تؤمنون؟

- نؤمن بإله واحد آب ضابط الكل، خالق السماء والأرض، كلّ ما يُرى وما لا يُرى. وبربّ واحد يسوع المسيح إبن الله الوحيد...

استغرق فلاديمير في التفكير. فتذكّر استشهاد ثيودور ويوحنا، وتذكر أن جدّته أولغا والكثيرين من رجال روسيا العظام كانوا مسيحيين أرثوذكسيين. ولكن الأمير بقي على شكّه.

- قال لي اليهود: إن الروم يؤمنون بذاك الذي صلبوه وحكموا عليه بالموت المُهين على الصليب. هل هذا صحيح؟ هل يُعقل بأن الإله القوي سمح لليهود بأن يصلبوه، لأنه لو أراد لحوّل جلاديه إلى رماد بنظرة واحدة؟

أحنى المُرسل الرومي رأسه بوقار. ثم أجاب:

- بالحقيقة نحن نؤمن به، لأن الأنبياء علّموا هكذا. أحدهم تنبّأ كيف هو مُقدّر لربّنا أن يولد، وآخرون تنبّأوا أنه سيُصلب ويُدفن ويقوم في اليوم الثالث ويصعد إلى السماء. حكم اليهود على مثل هؤلاء الأنبياء بالقتل ومع ذلك تحققت نبوءاتهم. قام الربّ يسوع من الأموات وصعد إلى أبيه في السماء. أراد اليهود له العار فصار ذلك سبباً لمجده العظيم.

أحبّ الأمير فلاديمير هذا الجواب وطلب من المرسل الرومي بأن يكلّمه عن إيمانه. تكلّم الرومي طويلا وأخبر الأمير عن خلق العالم وعن كبرياء وغطرسة الشيطان وسقوطه من السماء. ثمّ حدّثه عن آدم وحواء وسقوطهما في الخطيئة وطردهما من الفردوس وعن قتل قايين لأخيه هابيل وعن خطايا بني البشر ونسيانهم لله وعن عقاب الله بالطوفان وعن كل شيء ممّا كان على الأرض قبل مجيء ربنا يسوع المسيح وصعوده.

أنصت الأمير باهتمام لكلام الرومي الحكيم.

- قد عرفت منك عن كل ما كان. والآن كلّمنا عمّا سيكون. ألك علم بذلك؟

- لقد وضع الربّ يوماً واحداً عندما يأتي فيه بمجدٍ ليدين الأحياء والأموات ولن يكون لملكه نهاية. وسيجازي الجميع – الذين كانوا قد عاشوا والعائشين - بحسب أعمالهم. الأبرار سيرسلهم إلى الفردوس، أمّا الخطأة فسيحكم عليهم بالعذاب الأبدي.

قال الرومي هذا ثمّ عرض على فلاديمير قطعة من الكتان مرسوم عليها الدينونة الإلهية. يجلس على العرش الرب الضابط الكل وعن يمينه الأبرار ذاهبون بفرح عظيم إلى الفردوس، وعن يساره يسير الخطأة ببكاء وعويل إلى العذاب الأبدي.

نظر الأمير الروسي طويلاً إلى قطعة الكتّان هذه، ثم تمتم بصوت منخفض:

- أرغب في أن يكون شعبي مع الذين من جهة اليمين وليس مع الذين من جهة اليسار.

أجابه الرومي بصلابة:

- إذا أردت أن تكون مع الأبرار فاعتمد.

هذه الكلمات كان لها وقع عميق في نفس الأمير، ولكنه لم يعط موافقته فوراً. فأجاب مودّعاً إرسالية الروم إلى القسطنطينية:

- سأنتظر قليلا!

بعد ذلك دعا فلاديمير كبار قادة الجيش وكثيرين من عظماء كييف للتشاور وقال لهم:

- اعلموا أنه كان عندي البلغار المحمّديون وتحدّثوا معي ... لا يوجد فرح في دينهم، شريعتهم قائمة على الخوف. وكان عندي اللاتين ... وبعدهم جاء اليهود وشتموا كل الأديان إلا دينهم. لا كرامة في الشتائم مثل هذه. وأخيراً حضر الروم الحكماء الذين قالوا: إذا قبل أحد إيماننا وكان بارّاً فحتى لو مات فإنه سيقوم. يا رجال كييف، لقد أحببتُ دين الروم أكثر من باقي الأديان.

فأجابه نبلاء كييف بحذر:

- أنت تعلم أيّها الأمير، هل يعيب التاجر في بضاعته؟ إنهم يمدحون فقط، ولا أحد يعيب في دينه. إذا أردت أن تعرف حقيقة شرائعهم فلنرسل رجالنا الحكماء ليطوفوا في الأرض ولينظروا بأمّ أعينهم إلى أديانهم وعاداتهم. فكيف نصدّق المرسلين غيابياً دون أن نرى؟ من يدري إذا كانوا يقولون الحقيقة؟

أُعجب الأمير بهذا الكلام.

- كلامكم معقول يا رجال كييف، ليكن كذلك. نرسل عشرة رجال ذوي خبرة أوّلاً إلى بلغار الفولغا وبعد ذلك إلى الألمان ومن ثمّ إلى الروم. فليروا كيف يعبد كل شعب إلهه في تلك البلاد، وعند عودتهم يخبرونا.

في اليوم نفسه تمّ اختيار عشرة رجال ذوي فطنة فانطلقوا من كييف إلى تلك الأصقاع.

٭٭٭٭٭

عندما عاد الرجال المُرسلون دعا الأمير فلاديمير قادة الجيش والنبلاء إلى اجتماع من جديد، وأمر الرجال الوافدين:

- قولوا لنا أين كنتم وما الذي رأيتموه في تلك البلاد.

فسجد الرجال الوافدون للأمير.

- لقد كنّا أوّلا عند بلغار الفولغا، ورأينا كيف يعبد المحمّديون "الله". يجلسون في معبدهم غير متمنطقين يسجدون كثيراً ثمّ يقفون ويتلفتون مثل المجانين، لا خير في شريعتهم... وبعد ذلك كنّا عند الألمان. ليس هناك جمال في عبادة اللاتين، لا ينفطر لها القلب، ولم تعجبنا عبادتهم. لم نطِل البقاء عند الألمان، فحزمنا أمرنا وانطلقنا نحو الروم.

سأل الأمير بقلق:

- هل رأيتم كيف يعبد الروم الله؟

- رأينا أيها الأمير! الجمال الذي رأيناه في معبدهم لا نقدر أن نعبّر عنه بالكلمات. أما العبادة عندهم فهي كأن الله بنفسه قد حلّ على المعبد ويقف بين الكهنة. لن ننسى هذا إلى آخر نفس في حياتنا. كل من ذاق الحلاوة لن يرغب في المرّ بعدها، وهكذا نحن لا نريد أن نبقى في عبادة الأوثان. لم يستهوِنا إيمان آخر سوى إيمان الروم.

صمت الأمير ثمّ التفت إلى قادة الجيش والنبلاء:

- ما قولكم في هذا أيها الرجال؟ أبحسب قلبكم الإيمان الرومي الأرثوذكسي؟

فأجاب النبلاء:

- نعم، بحسب قلبنا أيها الأمير. لو كانت شريعة الروم بلهاء لما اعتنقتها جدّتك الأميرة أولغا أحكم امرأة بين نساء روسيا.

فرح فلاديمير إذ رأى الإجماع بين رجال كييف الحكماء وسألهم:

- ليكن كذلك. أين سنقبل المعمودية؟

أجابه قادة جيشه الأوفياء:

- أينما تحبّ أيها الأمير.

دميتري يميتس

فصل من كتاب:

Дмитрий Емец. Князь Владимир/ Серия - Защитники Земли Русской

(يتبع)