Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Thursday, December 14, 2017

Text Size

 

Goloseevo 100x66"هل تريدني أن أريك آثوس الروسية، بغاباتها الكثيفة وأساقيطها الصغيرة؟ سآتي بك إلى جبال وغابات لم تكن رأيتها في حياتك. هذا هو المكان المناسب ليمارس فيه رئيس اللافرا ورهبانها كلّهم الصمت. أمّا الراهب اللابس الإسكيم فإنه يستطيع قراءة كتاب المزامير كله وهو يدور حول هذه الأدغال من برّية كيتاييفو إلى غولوسييفو..."

هكذا وصف مطران كييف فيلاريت (أمفيتياتروف) برّية غولوسييفو في القرن التاسع عشر. كان الدير المتواضع الواقع في أطراف كييف الجنوبية يُطلق عليه "آثوس الروسية" بما أنه كان إسقيطاً محبوباً لعدد من النسّاك المشهورين حيث كان يمكنهم التوحّد والانعزال عن العالم للصلاة وسط الغابات.

اشتهر الدير على مدى قرون كمكان جاهد فيه نسّاك كبار مثل القديس بطرس موغيلا (1647) والقديس فيلاريت مطران كييف (1857) والقديس بارثينيوس من كييف (1855) والقديس ألكسي الذي من غولوسييفو (1917) والقديسين المتبالهين من أجل المسيح ثيوفلوس (1853) وبائيسيوس (1893) إضافة إلى مجاهدين كثيرين لم يظهرهم الله للعالم بعد.

Petro Mohyla 100x131      تم تأسيس دير "غولوسييفو" في عام 1631 من قبل القديس بطرس (موغيلا) مطران كييف المناضل الدؤوب من أجل الأرثوذكسية في الظروف السياسة الصعبة في أوكرانيا في النصف الأول من القرن السابع عشر. كان أوّل من انتبه إلى جمال هذا المكان وانعزاله عن المدينة فاشترى جزءاً من غابة منطقة "غولوسييفو" وأنشأ فيها كنيسة على اسم القدّيس الشهيد يوحنا الجديد شفيع مولدوفا (كان المطران نفسه من أصل مولدوفي) وبنى عدة قلالي للرهبان هناك. جاء بذخيرة القديس يوحنا الجديد إلى الكنيسة وزرع بستاناً حولها بحسب تخطيط البستان حول كنيسة الرقاد للافرا مغاور كييف.

تؤكّد الشهادة الإمبراطورية الصادرة عام 1720 على أن الدير كان يُعتبر إسقيطاً تابعاً للافرا مغاور كييف، وكانت توجد فيه مزرعة خاصّة بها.

Filaret Amphiteatrov 100x131بلغت البرّية ازدهارها الروحي في الفترة ما بين ثلاثينات وخمسينات القرن التاسع عشر في عهد القديس فيلاريت مطران كييف الذي كان في آن واحد رئيس أساقفة ذا مواهب إدارية ولاهوتياً بارزاً وناسكاً لابساً الإسكيم الكبير في الخفاء. كان قد أنشأ في برّية أوبتينا إسقيطاً على اسم القديس يوحنا المعمدان وأسّس فيه تقليد الإرشاد الروحي، كما عمل كثيراً على النهوض بدير غولوسييفو من الناحيتين الاقتصادية والروحية. بُني في عهده في الدير بيت للمطران فيه كنيسة القديس يوحنا الكثير الآلام من لافرا مغاور كييف وكنيسة ستر والدة الإله ومبنى سكني للرهبان وفندق ومزرعة وأقيم سور حول الدير. تمّت إعادة تسمية كنيسة الشهيد يوحنا وصارت مكرّسة لأيقونة والدة الإله "ينبوع الحياة".

منذ أواسط القرن التاسع عشر صار الدير مقرّاً صيفياً لمطارنة كييف. في عام 1852 ببركة من المطران فيلاريت أخذ الدير تسمية على شرف ستر والدة الإله.

قضى القديس فيلاريت مع أبيه الروحي القديس بارثينيوس الراهب اللابس الإسكيم في برية غولوسييفو 17 سنة. كانا يأتيان في أوائل الربيع ويرجعان إلى لافرا المغاور في أواخر الخريف. كان كلاهما مُكرمين كشيخين روحانيين أثناء حياتهما. كانا يمارسان قوانين صلاة متعدّدة الساعات ويحبّان التوحّد للصلاة أكثر من أي شيء آخر. كان القديس بارثينيوس يخرج مراراً إلى الغابة المحيطة بالدير لتلاوة كتاب المزامير كله الذي كان يحفظه على ظهر القلب، وكان يقول عن برية غولوسييفو: "يرفّ هنا روح آباء المغاور المتوشحين بالله. إذا وُجد على الأرض تعزية وفرح فإنهما في صمت البرّية فقط. الناس يبعدوننا عن الله، أما البرّية فتقرّبنا إليه".

كان المطران فيلاريت يحبّ أن يصلّي طويلاً في غابة غولوسييفو، ووجد فيها مكاناً يطلّ على كييف ولافرا المغاور، وكان القديس الغير منظور من أحد يصلّي لأجل خلاص الساكنين فيهما ويباركهما من بعيد.

Aleksiy Golos 97x150     من بين قدّيسي برية غولوسييفو يحتلّ القديس ألكسي (شيبيلوف) مكانة خاصّة. لقد تربىّ في لافرا المغاور على يد المطران فيلاريت المذكور وقضى في دير غولوسييفو أكثر من عشرين سنة واشتهر كأب روحي وستاريتس ذي مواهب النعمة. كان من أبنائه الروحيين مطارنة كييف ورؤساء الأديرة ورهبان وعلمانيون وطلبة وفلاحون ومثقفون – وكان لجميعهم أباً ومعزّياً. بعد رقاده في عام 1917 صار قبره في دير غولوسييفو مكاناً مكرماً من المؤمنين. حُفظ قبره الواقع في المقبرة وراء كنيسة الدير بأعجوبة من التخريب في سنوات الاضطهاد ضدّ الكنيسة ولم ينطفئ عليه أبداً ضوء قنديل مشتعل.

Goloseevo Old 100x64في عام 1927 تم إغلاق دير غولوسييفو. في العصر السوفييتي تم تدمير كل مبانيه وكنائسه باستثناء بيت مطارنة كييف. ثلاثة من رهبانه الذين نالوا إكليل الشهادة من أجل المسيح قد تم إعلان قداستهم. في عام 1930 تم تحويل كنيسة الدير إلى النادي (بالرغم من عدم وجود مجمّعات سكنية في المنطقة وسط الغابة) ثم تفجيرها مما أدّى إلى فقدان رفات القديس بارثينيوس الذي كان مدفوناً في الكنيسة.

في العشرينات والثلاثينات أقيمت على أرض الدير السابق مزرعة تعاونية. كانت كثير من النساء المؤمنات يعملن هناك، منهنّ راهبات متنكّرات في ملابس علمانية. كانت من بينهن راهبة تُدعى هيلانة صارت تلبس ملابس رهبانية علنية دون خوف بعد تفجير كنيسة الدير وهي ترغب في الاستشهاد من أجل المسيح مثل شهداء القرون الأولى للمسيحية. ولكن لم يبلّغ أحد عنها إلى السلطات بما أنها كانت محبوبة من الجميع.

أثناء الحرب الوطنية العظمى كان خط الدفاع عن كييف يمرّ عبر أرض برية غولوسييفو وكانت معارك ضارية تخاض في المنطقة. ولكن أرض الدير لم تُصب بقذيفة واحدة. كانت الراهبة هيلانة تهتمّ بقبر الستاريتس ألكسي حتى آخر أيامها. ذات يوم عزمت على دخول البستان المزروع بالألغام لقلع البطاطا للنساء والأطفال الساكنين على أرض البرّية. بعد أن قلعت البطاطا صادفت لغماً فحقّق الربّ رغبتها في نيل إكليل الشهادة... أقيم على قبر الأم هيلانة في مقبرة الدير صليب رغم أن الصلبان قد أزيلت عن كل القبور. لا يزال قبرها موجوداً حتى اليوم.

Goloseevo1 100x69     في سنوات ما بعد الحرب عاش على أرض برية غولوسييفو ناس علمانيون وأقيمت هناك مدرسة ومخيّم للأطفال ومزرعة. منذ السبعينات أصبح المكان مهملاً تماماً وتمّ نقل الناس الباقين فيه إلى أحياء أخرى في المدينة وإسكانهم في عمارات جديدة. تهدّمت كل مباني الدير وغطّت الحشائش الطفيلية أرضه. ولكن مع كل ذلك لم تفقد البرّية أهمّ كنوزها وهي "روح آباء مغاور كييف"، والدليل على ذلك هو وجود قنديل لا ينطفئ على قبر الستاريتس ألكسي في كل تلك السنوات وتدفق الناس المؤمنين إلى قبره في عصر الاضطهاد والإلحاد السائد.

في سنة 1979 سكنت على أرض برية غولوسييفو في كوخ شبه منهدم مجاهدة عظيمة تابعت جهاد النسّاك الكبار في هذا المكان وهي الراهبة المغبوطة أليبيا المتبالهة من أجل المسيح*. تنبّأت الستاريتسة الرائية بنهضة الدير في الوقت الذي لم يصدّق أحد بإمكان ذلك. لم تعش المغبوطة حتى نهضته التي ابتدأت في سنة 1993 بعد خمس سنوات من رقادها.

Goloseevo Hram 100x94في نفس السنة تم استخراج رفات القديس ألكسي وإعلان قداسته، كما تم إعلان قداسة القديس بارثينيوس، ممّا صار دعماً روحياً كبيراً لرهبان الدير وساهم في تسريع عملية النهوض به. في عام 1996 ببركة من مطران كييف فلاديمير حصل إسقيط اللافرا السابق على استقلالية وصار ديراً للرجال مكرّساً لستر والدة الإله. في عام 2003 تمّت إعادة بناء كنيسة مكرسة لأيقونة والدة الإله "ينبوع الحياة".

أما المكان الذي كانت تعيش فيه الستارتسة أليبيا المغبوطة فأقيم عليه صليب ولم يتوقف تدفق الناس لزيارة مكان جهادها الأرضي. في عام 2007 بني في هذا المكان مُصلّى. في 18 مايو عام 2006 تم استخراج رفات الأم أليبيا من قبرها في مقبرة "ليسنوي" ونقلها إلى دير غولوسييفو.

Goloseevo Chasov 100x67      صارت برية غولوسييفو من أجمل الأديرة في كييف وأكثر أماكنها المقدسة إكراماً. مع كل يوم يزداد تدفق الناس إليها لأخذ البركة من رفات القديس ألكسي والأم المغبوطة أليبيا المنتظر إعلان قداستها قريباً.

 

المرجع:

Игумения Татиана Алатарцева. Голосеевский Богородичный монастырь. – Мужской монастырь «Свято-Покровская Голосеевская пустынь». Киев, 2008

--------------------

* اقرأوا سيرتها على موقعنا (قسم "الأبطال الروحيون").