Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Thursday, December 14, 2017

Text Size

 

Slava   Blagosl1 100x67إنّ صربيا اليوم تتميّز عن باقي مناطق أوروبا بالتمسّك بتقاليدها، وترتبط خصائصها الثقافية بالشرق أكثر ممّا بالغرب. ومن بين الظواهر المحلّية يوجد تقليد خاصّ بالأرثوذكسية الصربية فقط ولا يعرفه أي شعب مسيحي آخر. إنه "كْرِسنا سلافا" أو بالاختصار "سلافا"٭.

تاريخ تقليد "السلافا" هو تاريخ الشعب الصربي، فكلّ واحد من أبنائه حتى لو كان غير مهتمّ بالدين والتقاليد ينسى كل شيء في العالم ليأتي من بعيد ويشارك أهله في الاحتفال بهذا العيد.

من الممكن أن نقول إنّ عيد "السلافا" هو بمثابة عيد القدّيس الشفيع في المعمودية إلى حدّ ما، ولكنه من ناحية أخرى شيء مختلف تماماً. الميزة الخاصّة بهذا العيد هو أنه يتم الاحتفال به في اليوم (أو في الأيام) الذي قبل فيه أجداد العشيرة المعمودية. فأصبح عيد القدّيس عيداً خاصّاً بالعشيرة كلها ويُعتبر يوماً لولادتها الثانية وتجدّدها روحياً. يُعتبر القدّيس الذي تعيّد الأسرة له في هذا اليوم شفيعاً وحامياً للبيت كله وأعضاء الأسرة، لذلك فهو مكرّم تكريماً فائقاً. إنه ليس مجرّد شفيعهم عند الربّ وحسب، وإنما يجمع الأسرة بكلّ أقاربها الراقدين وصولاً إلى أقدم الأجداد الذين قبلوا المعمودية ويوحّدهم جميعاً – الأحياء والأموات – في أسرة حيّة واحدة قد يصل عمرها إلى مئات السنين وحتى إلى ألف سنة أحياناً.

كان الصرب يقبلون المعمودية عشيرةً عشيرةً وليس كلّ الشعب دفعة واحدة. وكانت الكنيسة ترشّح للأسر قدّيسين معيّنين ليختاروهم شفعاء لهم، وذلك انطلاقاً من الظروف العملية، فمعظم القدّيسين الذين اختارتهم العشائر الصربية توافق أعيادهم في الفترة الواقعة ما بين الحصاد وبداية الربيع، حيث أنّ الأعمال الزراعية قليلة في هذا الوقت. وبالتالي نجد أنّ أغلبية الأسر تحتفل بالسلافا في عيد القدّيس نيقولاوس (19 ديسمبر) وعيد يوحنا المعمدان (20 يناير) وبالطبع عيد القدّيس سابا رئيس أساقفة صربيا (27 يناير).

أمّا عيد القدّيس سابا فتوجد فكاهة عند الصرب تقول إنّ بلغراد كلّها تحتفل به، فالنصف الأول من أهل المدينة يستقبل الضيوف، والنصف الآخر هم الضيوف أنفسهم.

لقد جرت العادة أن يشوي الناس الخروف في عيد السلافا ويزيّنوا أبواب البيت أو الشقة بأكاليل من الزهور. يحتفل الشعب بالعيد في كل مكان، وحتى الناس غير الملتزمين بالكنيسة يحترمون التقليد الديني الذي بحسبه يتمّ تقديس سليقة القمح وخبز السلافا وقراءة صلوات معيّنة، وهذا القانون كان قد أقرّه القدّيس سابا في القرن الثالث عشر.

    Slava Kalach1 100x91وفقاً لهذا القانون لا بدّ من أخذ بركة الكنيسة قبل عدة أيام من الاحتفال، ولذلك تدعو الأسرة كاهناً إلى البيت ليقدّس ماء السلافا. بهذا الماء تُصنع عجينة خبز السلافا المقدّس الذي يتكوّن من طحين القمح والخميرة والملح وبدون أية إضافات أخرى.

Slava Koljivo 100x89وإضافة إلى الخبز يطبخون سليقة القمح الخاصة التي هي عبارة عن قمح مسلوق ممزوج بالجوز والسكر والزبيب ويتم تقديسها في يوم العيد من قبل الكاهن في طقس خاصّ أثناء كسر خبز السلافا. وبحسب التقليد، لا بد من وجود كأس من النبيذ الأحمر بجانب الخبز والسليقة وأن تكون هناك شمعة مشتعلة قد تم تقديسها في الكنيسة. وعادةً يبلغ طول الشمعة 50 سنتيمتراً ولا يقلّ قطرها عن 2،5 سنتيمتراً.

وقد تحوّل تقليد الاحتفال بعيد السلافا على مدى مئات السنين إلى طقس جميل يحتوي على رموز مسيحية عميقة، حيث أنّ الخبز المزيّن بأشكال من العجين نفسه يرمز إلى خبز الحياة أي الرب يسوع المسيح، والسليقة (القمح المسلوق مع السكر والجوز) هي رمز للقيامة. أما الخمر الذي يسكبونه على الخبز فيذكّرنا بالدم الذي أراقه المخلّص على الصليب.

وبحسب التقليد لا بدّ من أن يحضر أحد أفراد الأسرة (وبالدرجة الأولى ربّها) القدّاس في الكنيسة في هذا اليوم ويتناول الأسرار المقدّسة. وبعد انتهاء القدّاس يبارك الكاهن الخبز وسليقة القمح والخمر ويتوجّه إلى الله برجاء أن يقبل هذه الذبيحة تكريماً للقدّيس المعيّد له، ثمّ يبدأ بدورة الخبز مع ربّ الأسرة وهو يصلّي. وفي هذه الأثناء يمدّ الجميع أيديهم إلى الخبز الذي هو أهمّ رموز عيد السلافا، فكل واحد يريد أن يلمس الخبز الذي قد تمّ تقديسه. بعد ذلك يتمّ تقطيع الخبز إلى نصفين، ويبقى النصف الأول عند الكاهن ويأخذ رب الأسرة النصف الثاني، ويأتي به إلى البيت حيث يصلّي جميع أهله مرة أخرى ويشعلون شمعة العيد التي لا بد من أن تبقى مشتعلة طوال النهار. وبعد ذلك يبدأ النصف الثاني من "السلافا" وهو عبارة عن مأدبة منزلية كبيرة.

تحضير مائدة العيد يساهم فيه الأصدقاء والأقارب والجيران. وطوال يوم العيد يمكن للضيوف أن يزوروا الأسرة في أي وقت وليس في الموعد المحدّد (وهذا الأمر قد أصبح غير مقبول تقريباً في أوروبا وروسيا حيث يجب الاتفاق على المواعيد). أما الصرب فيستقبلون الضيوف بكل حفاوة، ليس الأقارب والأصدقاء فقط، بل كل من يدقّ أبواب بيوتهم التي تبقى مفتوحة للجميع في هذا اليوم. إذا اتفق عيد السلافا في أحد أيام الصوم، فيقدّم الصرب الطعام الصيامي فقط.

إنّ عيد السلافا يذكّر الشعب الصربي بتجاربه الصعبة إبّان الحكم العثماني لمدة خمسة قرون، عندما كان تقليد الاحتفال بالسلافا من العوامل الموحِّدة لهذا الشعب الأرثوذكسي الصامد.

كان الصرب يعيّدون للسلافا في أوقات الفرح والحزن على حدّ سواء. نجد في إحدى رسائل القديس نيقولاوس الصربي (فيليميروفيتش) توبيخاً يوجّهه إلى بروفسور رفض الاحتفال بالسلافا بسبب حداده حيث يقول: "لماذا لا تحتفل؟ بسبب الحداد! ولكن هل يجب تكريم القديسين عندما نكون في حالة مرح فقط وعندما ننجح؟ إنّ آباءنا قد أعطونا مثالا آخر... إنّ حجّتك عن الحداد لا منطق فيها. عندما تأتي الآلام والعذاب يجب التعييد للقديسين والتضرّع إليهم في صلاة. عندها يسرع القديسون (أي الله نفسه بشفاعتهم) في مساعدتنا..."

يرث الأبناء "السلافا" الخاصّة بعشيرتهم من آبائهم أي من ربّ الأسرة. مثلاً إذا كان الجدّ الأول لأحدهم يعيّد للقدّيس لوقا فنجد حفيده يعمل نفس الشيء. إذا انتقلت أسرة الابن إلى مكان بعيد فيمكن للابن بعد موافقة أبيه أن يؤسّس تقليد التعييد لقدّيس العشيرة في بيته الجديد، وإلا يجتمع الجميع في بيت ربّ الأسرة ما دام عائشاً للاحتفال معاً. ترث البنات السلافا ما دمن عائشات مع أهلهنّ، أما المتزوّجات فعادةً يعيّدن للسلافا الخاصة بعشيرة أزواجهنّ.

نجد ذكر "السلافا" في أشهر أغنية صربية وطنية منذ أيّام الحرب العالمية الأولة "Тамо далеко" ممّا يدلّ على مدى شوق الجندي أو المهاجر إلى وطنه وإلى تقليد السلافا الذي بقي حيث أهله:

Тамо далеко, далеко од мора,
Тамо је село моје, тамо је Србија.

Тамо где тиха путује Морава,
Тамо ми икона оста, и моја крсна слава.

هناك بعيداً، بعيداً عن البحر

توجد هناك قريتي، توجد هناك صربيا.

هناك حيث تجري مورافا٭٭ الهادئة

بقيت هناك أيقونتي وال"كرسنا سلافا" التي لي.

إنّ تقليد السلافا يعطي لكل أسرة صربية شفيعاً قدّيساً، وبالتالي لا بدّ من وجود أيقونة خاصّة به في كل بيت. وقد اعتاد الصربيون أن يصلّوا إلى شفعائهم أمام أيقوناتهم قبل كل عمل مهمّ يقدمون عليه.

من المتوقّع أن يتمّ إدراج تقليد "السلافا" الصربي في قائمة التراث الثقافي غير المادّي لليونسكو في أقرب وقت.

------------------------

٭ Слава (Slava) – "المجد".

٭٭ مورافا – نهر في صربيا، الرافد اليمين للدانوب.