Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Wednesday, January 17, 2018

Text Size

 

Otrkytka1 95x150تقع بين عيد ميلاد المسيح وعيد الغطاس اثنا عشر يوماً يُطلق عليها في التقليد الروسي الأرثوذكسي "سفياتكي" (святки/ svyatki). التسمية الشعبية لهذه الفترة هي "الأمسية المقدّسة" لأنه بحسب التقليد القديم كان على المسيحيين الأرثوذكس فيها أن يتوقفوا في المساء عن كل أعمالهم اليومية تذكاراً للأحداث المتعلقة بميلاد المخلّص وعمّاده.

يعود تقليد الاحتفال بالأمسية المقدّسة إلى قديم الزمان. في القرن الرابع الميلادي كان المسيحيون يستريحون ويعيّدون للميلاد خلال أسبوعين. نجد ذكر فترة أعياد الميلاد كاحتفال خاصّ في مؤلفات كل من القديس أمبروسيوس أسقف ميلانو والقديس غريغوريوس النيصصي والقديس أفرام السرياني. ينصّ تيبيكون القديس سابا المتقدّس الذي يرجع إلى القرن السادس على أنه يُمنع عمل مطانيات كبيرة وإقامة خدمة الإكليل في هذه الفترة. وتُعتبر الأيام الواقعة بين عيديْ الميلاد والغطاس بحسب قرار مجمع تورون عام 567 أيام الأعياد.

وفي نفس الوقت تغلغلت إلى هذه الأيام والأمسية المقدّسة تقاليد وعادات ترجع إلى الأعياد الوثنية من نفس الفترة من السنة وأهمّها فتح البخت أو التبصير، وهذا ما يحذّر ضدّه القانونان 61 و62 للمجمع المسكوني السادس. إنّ عادة الاحتفال بهذه الأيام عريقة إلى درجة أنه حتى التقاليد الشفهية الخاصة بها لم تصل إلى أيامنا. عندما كان القديس فلاديمير أمير كييف يُسقط تماثيل الأصنام في نهر الدنيبر (في القرن العاشر) كان عمر عادة الاحتفال بالأمسية المقدّسة حوالي 500 سنة.

مع مرور الوقت نُسيت المعاني الدينية للتقاليد الوثنية فأصبحت "الأمسية المقدّسة" فترة خاصّة لتمجيد ميلاد المسيح ورحمة الربّ المتجسّد.

في تقاليد الشعوب السلافية يُعتبر الأسبوع الأول من "الأمسية المقدّسة" أكثر أهمّية، حيث ترتبط هذه الفترة ببعض التقاليد الصارمة نجد أهمّها في برامون عيد الميلاد.

برامون عيد الميلاد هو يوم الصوم الصارم حيث يُستبعد إقامة أية احتفالات فيه. لقد جرت العادة على تحضير أطعمة صيامية خاصّة في هذا اليوم بالذات، ويكون عدد الأكلات فردياً. الأكلة الرئيسية هي سليقة القمح (اسمها "كوتيا" أو "كوليفو") وهي عبارة عن عصيدة مع العسل والزبيب، ومن الأطعمة الأخرى: الشراب الساخن (شراب روسي قديم) من الماء والعسل والتوابل مع الأعشاب الطبّية، بسكويت الجوز، فطيرة الخشخاش، القطائف، سحلب الشوفان، التفاح المجفّف المطبوخ في العسل، بسكويت الشوفان على شكل البهائم والأشخاص وهي ترمز إلى الرعاة والمجوس.

  Kutya4 100x75  النقطة الرئيسية للاحتفال بالأمسية المقدّسة هي المأدبة العائلية. كانت ولا تزال هناك عادة تقيّة وهي الإمساك الكامل عن الأكل حتى ظهور أوّل نجم في السماء وهو يذكّرنا بالنجم الذي أضاء في الشرق وأبلغ العالم بمجيء المخلّص. قد جرت العادة أن يقدم الناس أوّلاً على سليقة القمح وذلك وفقاً للعادة القديمة وهي عندما كان أحد يستعدّ بالصوم لقبول المعمودية المقدسّة في عيد ميلاد المسيح وبعد إتمام السرّ كان يذوق العسل الذي هو رمز حلاوة المواهب الروحية. كان لا بدّ من تقديم أطعمة العيد لليتامى والمسجونين، كما كانوا يضعون على المائدة أطباقاً إضافية بحسب عدد أفراد الأسرة المنتقلين إلى الرب في السنة المنصرمة.

في الأزمنة القديمة ما قبل عهد القيصر بطرس الأول كانت هناك عادة إشعال شعلة في كل قرية وهي كانت ترمز بنارها في ظلام الليل الشتوي إلى نجمة بيت لحم وكانت تبقى مشتعلة حتى عيد الغطاس. لقد اكتسبت ليلة الميلاد في التقليد الشعبي الروسي والأوكراني تسمية "العشية المقدّسة".

كان أحبّ وسائل الترفيه للشعب في فترة "الأمسية المقدّسة" هو التنكّر وتأدية الترانيم الميلادية الشعبية. كان الشباب في روسيا وأوكرانيا قديماً يجتمعون معاً في هذه الأمسية ويتنكّرون في شكل الحيوانات أو أبطال الحكايات الشعبية وينطلقون هكذا في القرية أو في المدينة، وهذه العادة بقيت موجودة بعد عصر بطرس الأول حتى العصر السوفييتي. كان البطل الرئيسي في هذه المجموعات هو الدبّ، وكان الشباب يختارون لهذا الدور أسمن شاب في القرية. كان المتنكّرون يدخلون كل كوخ مضاء من الداخل وهم يغنّون ترانيم ميلادية وطروبارية العيد.

تسمّى الترانيم الميلادية الشعبية "كولادكا" (صغة الجمع – "كولادكي") وهي أقدم جزء من الفلكلور الروسي والأوكراني وأكثره ثباتاً. يرجع أصل كلمة "كولادا" إلى اسم عيد رأس السنة عند الرومان القدماء (Calendae Januariae) وكان موعد هذا العيد في النصف الثاني من ديسمبر، وهو عيد ولادة الشمس واستقبال السنة الشمسية الجديدة وكان له ارتباط شديد بالأعمال الزراعية.

جرت العادة على أن يغنّي الناس "الكولادكي" ابتداء من برامون الميلاد حتى برامون الغطاس. يمكن تقسيم هذه الترانيم إلى فئتين: الميلادية (لتمجيد المسيح) وزراعية (وهي ترجع إلى عصور ما قبل المسيحية في روسيا). الأولى هي التي تُسمع اليوم في بعض المناطق والتي تؤدّيها أيضاً جوقات كنسية، أما الثانية فهي أقدم زمنياً وترتبط بموضوع خصوبة الأرض وتتعلق محتوياتها بتمنّيات الحصاد والرفاهية في السنة الجديدة.

ظهرت عادة تأدية "الكولادكي" في أعياد الميلاد بعد معمودية روسيا في سياق استبدال التقاليد الوثنية بالمسيحية. معظم ترانيم الكولادكي الميلادية هي من أصل أوكراني، أمّا في روسيا فكان تقليد تأدية هذه الترانيم منتشراً في أقاليمها الجنوبية فقط.

كان الجميع في روسيا وأوكرانيا قديماً يؤدّون ترانيم الكولادكي في برامون الميلاد، الكبار والصغار على حدّ سواء، وغالباً ما كان الناس ينقسمون إلى مجموعات من عدّة أشخاص بحيث يكون الكبار لوحدهم والأطفال والمراهقون لوحدهم. كان الأطفال في مقدّمة الذين يدخلون البيوت لتأدية الكولادكي. كان أصحاب البيوت حرصين على استقبال أكبر عدد ممكن منهم في يوم واحد.

كانت الكثير من ترانيم "الكولادكي" تمدح صاحب الدار ويطلب مرنّموها من خلال كلماتها مكافأة (طعام ضيافة). كثيراً ما كانت الترانيم تُنظم ارتجالاً بمراعاة القوانين التقليدية لهذا النمط من الأغنية. بحسب تقاليد الأغاني الأوكرانية القديمة كانت كلمات الكولادكي موجّهة إلى صاحب الدار وزوجته أو ابنهما الشاب أو ابنتهما الشابة شخصياً. كانت أسماء الذين تمدحهم الترنيمة تُضاف إلى النصّ لتبدو الترنيمة وكأنها مخصّصة للشخص المعني بالذات. كان المرنّمون يعدون بالحصاد الجيّد والحياة السعيدة للذي لا يبخل بالمكافأة. كان أصحاب البيوت يكرمون الضيوف بكل سخاء، لأنه كان يُعتبر أن رخاء الأسرة في السنة القادمة يتعلّق بطعام الضيافة والهدايا للمرنّمين.

Kolyadov 100x67بخلاف المرنّمين المتنكّرين كان المرنّمون الممجّدون للمسيح ينطلقون في مسيرة حاملين النجمة ممّا كان يرمز إلى سجود المجوس للطفل الإله وهم يؤدّون طروبارية الميلاد والكولادكي ذات المعاني المسيحية.

ارتبط بتقليد الكولادكي تقليد آخر وهو إقامة "المغارة" أي تقديم عرض مسرحي يحكي القصّة الميلادية الإنجيلية بمساعدة مسرح دمى متنقل. كان هذا المسرح يطوف بالمدن والقرى ويقدّم العرض الذي تؤدَّى أثناءه ترانيم "الكولادكي" مرّات كثيرة بحسب ظهور أبطال القصّة على خشبة المسرح. وكانت طروبارية الميلاد تُرتّل عند ظهور الملاك.

كانت من عادات فترة "الأمسية المقدّسة" عادة فتح البخت أو التبصير التي كانت منتشرة بين طبقات مختلفة للمجتمع ونجد وصفاً لها في بعض مؤلّفات الأدب الكلاسيكي (وخاصة في مؤلف الكاتب الروسي المشهور الأوكراني الأصل نيقولاي غوغول "أمسيات في مزرعة ديكانكا"). ترسّخت عادة فتح البخت أو التبصير بالدرجة الأولى في القرى حيث كانت هناك طقوس خاصّة بكل منها، والمواضيع الأساسية التي احتلّت مكان الصدارة في محاولات معرفة البخت هي الأحوال الجوية التي تؤثر على الحصاد ومدى رفاهية الأسرة في السنة القادمة.

من تقاليد فترة "الأمسية المقدّسة" عادة اجتماع الأسرة في المساء ودعوة عدد أكبر ممكن من الضيوف لقصّ الحكايات وإلقاء ألغاز صعبة. أمّا في النهار فكان الشباب يجتمعون للرقص وركوب الزلاجات والتراشق بالكرات الثلجية. كان من شأن هذه الأنشطة التقارب بين الأولاد والبنات، وفترة الأمسية المقدّسة كانت فرصة وحيدة لهم للجلوس جنباً إلى جنب. لذلك بعد انقضاء هذه الفترة كانت تقام دائماً كثير من الأعراس في روسيا وأوكرانيا.

بعد أسبوع من ليلة الميلاد أي في 31 ديسمبر (13 يناير) كانوا يحتفلون بما يسمّى في أوكرانيا "العشية السخية" (وهي عشية عيد القديس باسيليوس الكبير وليلة رأس السنة). في صباح هذا اليوم كانت صاحبات البيوت يحضّرن النوع الثاني من سليقة القمح الذي يسمّى "الكوتيا السخية"، وذلك بخلاف "الكوتيا" الصيامية لعشية الميلاد، وكان يمكن إضافة اللحم إليه. كما كانوا يحضّرون القطائف والفطائر المخبوزة والفارينيك (فطائر مثل الشوشبرك) المحشو بالجبنة لإكرام الضيوف والمرنّمين. لقد جرت العادة أن يطوف الناس بالبيوت وهم يتمنّون السعادة والصحة والرفاهية في السنة الجديدة. كانت هناك عادة "بذر الحبوب" في صباح أول يوم السنة وهي رشّ البذار على أهل البيت مع تأدية ترانيم شعبية يُرجى من خلالها كل الخير لصاحب البيت وأسرته في السنة الجديدة. كان الشباب يزورون أوّلاً العرّابين والأقارب، وكان يُعتبر من المهمّ جدّاً مَن مِن الضيوف يدخل البيت أوّلاَ في اليوم الأول من السنة الجديدة. كان فأل الخير هو أن يدخل البيت أوّلاً شاب من أسرة محترمة ميسورة الحال كثيرة الأطفال. ولم يكن يُعتبر من الجيّد أن تدخل البيت فتاة أو امرأة، أمّا إذا وُجدت أولاً على عتبة الدار أرملة أو عانس أو إنسان معاق فهذا كان يُعتبر فأل الشرّ بالنسبة للأسرة في السنة الجديدة. لذلك لم تكن الفتيات يشاركن كثيراً في تقليد "بذر الحبوب" وإذا شاركن فكنّ يدخلن البيوت بعد الأولاد.

Iordan 100x67   كانت الأيام الأخيرة من فترة "الأمسية المقدّسة" مكرّسة للاستعداد لعيد الغطاس الذي ارتبطت به تقاليد خاصّة بها في روسيا وأوكرانيا وأهمّها إعداد ثغرة كبيرة في جليد النهر أو البحيرة على شكل صليب لتقديس الماء منها في العيد. كان يُسمّى هذا المكان "الأردن" ولا يزال هذا التقليد موجوداً حتى اليوم. كما لا تزال هناك عادة الغطس في ماء النهر من هذه الثغرة التي يقدم عليها أكثر الشباب والرجال وحتى النساء جرأة وذلك مهما كانت درجة الصقيع. بحسب الاعتقاد الشعبي يتمتع ماء النهر الذي تمّ تقديسه بخصائص شافية ويكتسب الغاطس فيه الصحة الجيدة للسنة الكاملة، كما يظنّ البعض أنّ الغطس في الماء المقدّس يطهّر الإنسان من خطاياه. إلا أنّ الكهنة اليوم يحذرون من خطأ هذه الفكرة وينصحون بأخذ البركة قبل القيام بهذه الخطوة.

برامون عيد الغطاس شأنه شأن برامون الميلاد هو يوم صيام صارم حيث لا يأكل المؤمنون حتى المساء. ويكون على المائدة هذه المرّة ما يسمّى "الكوتيا الجائعة" أي أطعمة صيامية بسيطة. جرت العادة أن يحضر الناس الكنيسة عشية عيد الغطاس حيث يتمّ تقديس الماء الكبير، كما يحضرون قدّاس العيد الذي يتمّ بعده تقديس ماء النهر من خلال الثغرة في الجليد.

لم يكن موقف الكنيسة الأرثوذكسية الروسية متعاطفاً مع العادات الشعبية الخاصّة بفترة "الأمسية المقدّسة"، وكان كثير من الأساقفة والكهنة يعارضون ليس فقط عادة معرفة البخت بل عادات مثل التنكّر، وذلك استناداً إلى قرار المجمع المسكوني السادس الذي يمنع من المناولة لمدة 6 سنوات الذين يلجأون إلى السحرة لمعرفة المستقبل وكذلك يحرّم الرقصات والطقوس القديمة الغريبة بالنسبة للحياة المسيحية ويمنع لبس الرجال ملابس النساء ووضع الأقنعة على الوجه.

كان القيصر بطرس الأول يحبّ التقاليد الشعبية الميلادية ويشارك بنفسه في عادة تأدية "الكولادكي" ويطوف البيوت مع المتنكّرين، بل وكان يأمر بعقاب الذين يمتنعون عن المشاركة في هذه التسلية بالجلد. اتخذت السلطات موقفاً صارماً من هذه العادة بعد موت بطرس الأول، وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر تمّ إصدار قرار يمنع إقامة الألعاب ذات أصل وثني في برامون عيد الميلاد والتنكّر والرقص والغناء في الشوارع. لكن التقليد بقي قويّاً حتى بداية القرن العشرين.

بعد الثورة البلشفية لم يتمّ إصدار أي قرارات خاصة بهذا الشأن، لكن "الأمسية المقدّسة" مثل غيرها من المناسبات الدينية تعرّضت للاضطهاد ولذلك اختفت من المدن وانتقلت تقاليدها إلى القرى النائية. لقد ضاع تقليد تأدية "الكولادكي" في روسيا كلياَ، أمّا في أوكرانيا وخاصّة في أقاليمها الغربية فلا يزال موجوداً ومنتشراً حتى اليوم. في روسيا تقام حالياً محاولات لإحياء هذا التقليد كنوع من الفنّ الشعبي. وكثيراً ما نسمع اليوم "الكولادكي" ذات المعاني المسيحية والتي تمجّد الطفل الإله المولود في أداء جوقات كنسية أثناء فترة أعياد الميلاد.

 

المراجع:

Ореханов С. Рождество Христово и святки// www.nsad.ru

Краснопевцева Е. Коляда и колядки: о чем поют колядки на Рождество// www.nsad.ru

Бандрук Л. Колядки та щедрівки - традиції та історія походження// www.tamada.lviv.ua