Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Sunday, September 23, 2018

Text Size

 

KRONID 100x125يُعتبر القديس كْرونيد (لوبيموف) من أبرز رؤساء لافرا الثالوث القدوس والقديس سيرجي. تزامن عهده مع الأحداث المأساوية التي سبّبتها الثورة البلشفية، حيث وجّهت السلطة الجديدة إحدى ضرباتها الأولى ضدّ الكنيسة إلى أكثر المقدّسات إكراماً عند الشعب الأرثوذكسي.

كان من نصيب الأرشمندريت كرونيد آخر رئيس للّافرا قبل إغلاقها ليس إدارة الدير بقدر ما كان عليه مواجهة تهديد تخريبه، كما تولّى الإرشاد الروحي للرهبان المشتتين حتى يوم استشهاده.

وُلد القديس كرونيد (اسمه في العالم قسطنطين بيتروفيتش لوبيموف) في 13 مايو عام 1859 في قرية ليفكييفو قريباً من موسكو في أسرة قندلفت الكنيسة بطرس لوبيموف. تميّز والداه بتقوى وإيمان عميق نقلاه إلى أبنائهما. كانت أمّه أغافيا تصلّي بحرارة لكي يقبل أحد أبنائها رتبة كهنوتية.

دخل قسطنطين مدرسة فولوكولامسك الإكليريكية في السابعة من عمره ولكنه لم يكمل الدراسة فيها. في عام 1877 دخل لافرا الثالوث القدوس والقديس سيرجي. كانت اللافرا في تلك الفترة تحتفظ بروح رئيسها القديس أنطوني المنتقل في نفس السنة وهي روح الورع والجهاد النسكي والتسامح مع ضعفات القريب.

في عام 1880 دُعي قسطنطين لوبيموف إلى الخدمة العسكرية. لم يكن لديه أمل في التهرّب منها وهو لا يمتلك أية امتيازات اجتماعية. فخضع إلى المشيئة الإلهية مستعدّاً لأداء واجبه الوطني بالرغم من حزنه العميق من فراق لافرا القديس سيرجي. ببركة من رئيس اللافرا خرج من الدير متوجهاً إلى فولوكولامسك (ضواحي موسكو). وفي الطريق رأى الحلم التالي: خرج من باب الدير شيخ وقور لابس الإسكيم وغطّاه بأهداب منتيته وقاده وراءه. عندما استيقظ قسطنطين فهم أنّه لن يتمّ قبوله إلى الخدمة العسكرية. وهذا ما حدث بالفعل حيث لم تصبْه القرعة ليدخل الجيش فسُجّل في الوحدات شبه العسكرية.

رجع قسطنطين بسلامة إلى دير الثالوث القدوس. في 4 يناير 1883 قدّم طلباً لقبوله في عدد مريدي الرهبنة، علماً بأنه قد مرّت السنوات الخمس اللازمة لفترة اختباره، فرشّحه مجمع الدير للمطران نظراً لحسن تصرّفه ومواهبه. تمّ تعيينه خادماً خاصّاً في قلاية رئيس اللافرا الأرشمندريت ليونيد (كافيلين) تلميذ شيوخ أوبتينا. كما تتلمذ قسطنطين على يد شيوخ روحانيين آخرين.

نذكر إحدى التجارب التي مرّ بها مريد الرهبنة الشاب خلال تلك الفترة. كان يزور أهله سنوياً وعند سفره عبر موسكو كان يقيم في بيت عمّه الذي كانت حياة أسرته بعيدة عن الكنيسة ولم يلتزموا بالصيام يوميْ الأربعاء والجمعة. عند نزوله في بيت عمّه كان قسطنطين يأكل الألبان والبيض حتى في هذه الأيام الصيامية قائلاً لنفسه: "من أنا حتى يطبخوا لي طعاماً خاصّاً؟". لذلك كان يأكل كل ما قدّموه له. وقبل رسامته الرهبانية بسنة رأى حلماً، حيث كان يصلّي في الكنيسة أمام أيقونة والدة الإله طالباً شفاعتها أمام الربّ، وإذا بها تشيح بوجهها عنه، فصرخ في خوف ورعدة: "يا والدة الإله، بماذا أهنتكِ حتى تحوّلي وجهك الإلهي عني؟" وكان الجواب: "بمخالفة الصيام! أنت لا تكرم آلام ابني فبذلك تهينني أنا أيضاً". كان الأب كرونيد يتذكر هذا الدرس طوال حياته.

في عام 1888 تمّت رسامته الرهبانية، وفي عام 1890 قبل رتبة شمّاس. في 23 مايو 1892 رسمه مطران موسكو كاهناً. تم تعيينه مسؤولاً عن ورشات اللافرا لإنتاج المطبوعات بالحجر والتصوير، ومنذ عام 1896 كان يشرف على مدرسة كتابة الأيقونات التابعة للافرا، كما كان عضواً في لجنة الامتحانات لقبول المرشّحين للرسامة الكهنوتية ويخدم مساعداً لأمين صندوق الدير.

Podvorye 100x68    في 17 يناير 1905 صدر قرار مطران موسكو فلاديمير (بوغويافلينسكي) حول تعيين الأب كرونيد مسؤولاً عن اقتصاد أمطوش اللافرا في بطرسبورغ. كان الأمطوش واقعاً على الأرض التابعة للدوق الكبير سيرجي ألكساندروفيتش زوج الدوقة الكبيرة القديسة أليصابات فيودوروفنا، ولعب هذا الأمطوش دوراً هاماً في حياتها الروحية بعد قبولها الإيمان الأرثوذكسي وانضمامها إلى الكنيسة الأرثوذكسية في عام 1891. هناك أدلّة على وجود تواصل بين الدوقة الكبيرة والأب كرونيد ومنها رسالة القديسة أليصابات بتاريخ 7 سبتمر 1910 تطلب فيها منه قبول إحدى أخوات دير مرثا ومريم تحت إرشاده الروحي.

لم يكن الأرشمندريت كرونيد مدبّراً موهوباً فحسب حيث أنه نهض بأمطوش اللافرا المهمل، بل كان مرشداً روحياً ذا خبرة وكان العديد من معاصريه البارزين يلجأون إليه للمعونة والنصيحة. كما كان واعظاً غيوراً وهو يعتبر التبشير بكلمة الله من أهمّ واجبات الخدمة الرعوية. كان يدعو معاصريه إلى التوبة وهو يرى شحّ الإيمان في المجتمع الروسي.

في 9 يناير 1915 تم تعيين الأب كرونيد رئيساً للافرا الثالوث القدوس والقديس سيرجي، فمنذ ذلك الحين ارتبط بالأحداث المصيرية التاريخية للدير الغالي على قلب كل أرثوذكسي في روسيا، وذلك قبيل الأحداث المأساوية اللاحقة في تاريخ البلاد. أوّل ما دبّره رئيس اللافرا الجديد هو إنشاء مستشفى للجنود الجرحى داخل اللافرا.

كان من أتعاب الأب كرونيد في حقل التنوير الروحي جَمْعهُ حتى آخر حياته للقصص العجيبة التي سمعها من الناس الذين نالوا شفاء أو معونة إلهية في ظروف صعبة أو تعقيلاً من الله. صدرت بعض هذه القصص في كتيّبات الدير وكان رئيس اللافرا يرغب في إصدار مجموعة كاملة منها إلا أن الكارثة التي انهالت على روسيا حالت دون ذلك.

كان الأب كرونيد قريباً من البطريرك تيخون ومن أقرب المعاونين له وهو يُعتبر من أعضاء الإدارة البطريركية بحكم منصبه. لم يقطع أبداً الصلة القانونية ببطريركية موسكو وكان يوبّخ بشدّة الذين انضمّوا إلى الانشقاق.

صدر في أغسطس عام 1918 القرار حول فصل الكنيسة عن الدولة، فحُرم الإكليروس من كل حقوقه في إدارة الأملاك الكنسية. في الخريف من نفس السنة ابتدأت مصادرة الممتلكات الخاصة بلافرا الثالوث القدوس والقديس سيرجي، وصارت صفة الأب كرونيد في نظر السلطات هي مجرّد "عريف". في أوائل عام 1919 صدرت في صحيفة محلية بمدينة "سيرجييف بوساد" مقالات حول احتمال فتح رفات القديس سيرجي. في أيام الصوم الكبير اجتمع حشد كبير من الناس في اللافرا لهذا السبب، فدعا الأب كرونيد في خطابه إلى حماية المكان المقدس من التدنيس، وعمل مطانية للحاضرين فرتل الجميع طروبارية القديس. ابتدأ جمع التوقيعات في سيرجييف بوساد كلها من أجل منع فتح رفات القديس سيرجي. في 4 مارس تقدّم رهبان الدير برئاسة الأب كرونيد (77 توقيعاً) إلى رئيس "مجلس مفوّضي الشعب" بطلب منع فتح التابوت المحتوي على رفات القديس سيرجي. كما تقدّم قداسة البطريرك تيخون إليه بنفس الطلب في 20 مارس. ولكن، بالرغم من احتجاجات المؤمنين الكثيرة، في 1 أبريل تم اتخاذ القرار حول "ضرورة فتح الرفات".

Sergiy Moshi 100x67تم فتح رفات القديس سيرجي في 19 أبريل 1919 قبيل سبت لعازر. قرّرت السلطات القيام بهذه العملية في المساء عندما يكون عدد المؤمنين في اللافرا أقلّ، وتمت تعبئة العسكر ليتواجدوا في اللافرا لمنع الاضطرابات. احتلّ العسكر جرسية الدير لمنع دق ناقوس الخطر. في الساعة السادسة تم إغلاق بوابة الدير ولكن الشعب استمرّ في التدفق فامتلأت الساحة أمام الدير بالمؤمنين وأصوات النحيب والصلوات تدوي فوقها. لم ينقطع ترتيل خدمة الأكاثيستون للقديس أثناء عملية فتح رفاته.

قرأ ممثل السلطة المحلية على الأب كرونيد والرهبان القرار حول فتح رفات القديس سيرجي. فأجاب رئيس الدير: "يجب أن أنبّهكم إلى أنّه لا يعرف أحد منا ما الذي يحتوي عليه التابوت المقدس. هذا سرّ ديني لا يتجرّأ أحد على التغلغل فيه. لم يفحص أحد الرفات المقدسة بعد كشفها...".

استمرّ فتح الرفات من الساعة التاسعة إلا عشر دقائق حتى الساعة الحادية عشرة إلا عشر دقائق مساء. تم تصوير هذه العملية كلها بالكاميرا. بعد ذلك تم تغطية التابوت بغطاء زجاجي ثقيل وخُتم عليه.

في عام 1919 صدر القرار حول نقل ملكية مباني اللافرا إلى قسم التنوير الشعبي. في 3 نوفمبر من نفس السنة تم طرد جميع رهبان اللافرا إلى إسقيط "جثسيماني"٭ وأُغلقت جميع كنائسها وقلاليها وخُتمت بالشمع. في 26 مارس 1920 صدر عن سلطات موسكو قرار بشأن إغلاق لافرا الثالوث القدوس والقديس سيرجي ونقل الرفات التابعة لها إلى متحف موسكو. فتم تنفيذ قرار إغلاق اللافرا في 7 مايو 1920. تقدّم البطريرك تيخون في 10 مايو 1920 إلى السلطات بخطاب بشأن إغلاق الدير وإخراج رفات القديس سيرجي المتوقع منه إلى أحد متاحف موسكو لعرضها بين المعروضات مشيراً إلى أن "إغلاق كنائس اللافرا ونية إخراج الرفات منها يمسّان ضميرنا الديني أشدّ المسّ وهو أمرّ يُعتبر تدخلاً من السلطة المدنية في حياة الكنيسة الداخلية واعتقاداتها، ممّا يتنافى وقرار فصل الدين عن الدولة...". فتم إبقاء رفات القديس سيرجي في اللافرا.

Gefsimanskiy 100x67    استمرّ الدير في الوجود كجماعة رهبانية (43 راهباً) لبعض الوقت سمّيت بـ"اللافرا الصغيرة". بقي بعض الرهبان ساكنين في إسقيط "جثسيماني" وسكن آخرون، منهم الأب كرونيد في شقق خاصة في سيرجييف بوساد. كان الأب كرونيد لا يزال يقدّم الرعاية الروحية للرهبان ويهتمّ بأبنائه الروحيين من العلمانيين، وهم بدورهم يقدّمون له الدعم المادّي معزّين إياه في ضيقاته، علماً بأن الأب كرونيد صار يفقد بصره بسرعة منذ عام 1935.

Kronid Turma 99x150في 11 نوفمبر 1937 تم رفع دعوى على الأب كرونيد، وفي 21 نوفمبر اُعتقل الشيخ الضعيف والأعمى ونُقل إلى سجن "تاغانسكايا" بموسكو. كان عنوان القضية التي رُفعت في حقه وغيره من الرهبان "هيبوليتس"، وذلك أن البيت الذي كان يسكن فيه الأب كرونيد كان مأوى لشيخ تجاوز التسعين من عمره كان أباً روحياً لإخوة اللافرا وخادماً ملازماً عند رفات القديس سيرجي اسمه هيبوليتس. كانت العلاقة به من التهم الموجّهة إلى جميع الذين اُعتقلوا مع الأب كرونيد.

التهمة الأساسية الموجهة إلى الأب كرونيد كانت تقول إنه "استعاد اتصالاته بالرهبان المعارضين للثورة وهو نفسه معادٍ للسلطة الشيوعية". اعترف الأب كرونيد أثناء الاستجوابات بأنه كإنسان مؤمن ينظر إلى السلطة الشيوعية الحالية كسماح من الله لتجربة إيمان الشعب. في 7 ديسمبر 1937 أصدرت الترويكا التابعة للجنة الشعبية للشؤون الداخلية في محافظة موسكو الحكم بإعدام الأب كرونيد وعدد من الرهبان رمياً بالرصاص. تم تنفيذ الحكم في 10 ديسمبر 1937 في ميدان الرماية "بوتوفو" في ضواحي موسكو. دُفن الأب كرونيد في قبر جماعي مكانه غير معروف.

كان الأب كرونيد يقول: "الضيقات تملأ طرقنا الأرضية، ولكن المحبّة الإلهية لنا تلتهب كشمس أبدية وتسكب ضوءها حيث الظلام والحزن والضيق. ولكي يتسرّب هذا الضوء إلى قلوبنا يجب النظر بمحبّة وإيمان إلى ينبوع النور وهو الرب يسوع المسيح والاحتفاظ في قلوبنا بكلمات المحبة والتعزية التي قالها: "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال، وأنا أريحكم" (مت 11: 28).

Kronid Icon 97x150     تم إعلان قداسة الشهيد في الرهبان كرونيد في عام 2000 أثناء انعقاد مجمع رؤساء الكهنة للكنيسة الأرثوذكسية الروسية. تعيّد له الكنيسة في 27 نوفمبر/ 10 ديسمبر.

 

طروبارية القديس الشهيد في الرهبان كرونيد:

لقد تبعت منذ شبابك سيرجي المتوشح بالله يا أبانا المتالّه اللب كرونيد واقتنيت الإيمان بالثالوث القدّوس، وإلى شيبة مثمرة حفظته حتى الدم. لذلك ونحن أبناءك نهتف بمحبّة نحوك قائلين: المجد للذي منحك القدرة على الصبر، المجد للذي توّجك شهيداً، المجد للذي يخلّص بك نفوسنا.

 

المرجع:

Священник Максим Максимов. Преподобномученик Кронид (Любимов) // Жития новомучеников и исповедников Российских ХХ века Московской епархии. Ноябрь. – Тверь, 2003. – С. 274–288

------------------------------

٭ إسقيط "جثسيماني" (أو إسقيط "تشيرنيغوفسكي") هو أمطوش لافرا القديس سيرجي الذي يقع على بعد حوالي 3 كم عن اللافرا وسط الغابة. تم تأسيسه في عام 1844 من قبل رئيس اللافرا القديس أنطوني (ميدفيديف) بمشاركة فعالة من القديس فيلاريت (دروزدوف) مطران موسكو. ترتبط تسمية الإسقيط أولاً ببستان جثسيماني كمكان صلاة المسيح على انفراد حيث اختير موقع الإسقيط لممارسة الصلاة والصمت، وثانياً بأيقونة والدة الإله العجائبية من مدينة "تشيرنيغوف" (أوكرانيا) التي تم إحضارها إلى الإسقيط عام 1852 وتمت بشفاعتها العديد من معجزات الشفاء.