Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Wednesday, August 15, 2018

Text Size

 

Beniamin 100x127في أوائل عشرينات القرن العشرين شهدت روسيا ما كان يستحيل تخيّله منذ وقت قليل، وهو قتل الكهنة وتخريب الكنائس، ولكن السلطات لم تكتفِ بذلك، بل دبّرت المحاكمة النموذجية (بحسب تعبير السلطات) الأولى من نوعها جُلب إليها أحد أبرز أساقفة الكنيسة الروسية ليس كشاهد، بل كمُتهم رئيسي، وهو المطران بنيامين متروبوليت بيتروغراد.

وُلد القديس بنيامين (في العالم فاسيلي كازانسكي) في 17 أبريل عام 1873 في محافظة أرخانغلسك في أسرة الكاهن بولس كازانسكي. ربّاه والداه في جو التقوى والفضائل المسيحية. أحبّ الفتى قراءة سير القدّيسين وكان يتعجّب لجهاداتهم وهو يحزن على عدم وجود فرص للتألّم من أجل المسيح في العالم المعاصر له.

لقد مهّد اهتمامه بالكتب الروحية لاختيار طريقه في الحياة، حيث أنه بعد التخرّج من المدرسة الإكليريكية بامتياز دخل أكاديمية بطرسبورغ اللاهوتية. كان فاسيلي وهو طالب يشارك بحماس في أنشطة "جمعية نشر التنوير الديني والأخلاقي وفقاً لتعليم الكنيسة الارثوذكسية" وكان ينظّم حلقات النقاش في وسط العمّال. في عام 1895 قبل الرسامة الرهبانية، وفي عام 1897 تخرّج من الأكاديمية حائزاً على درجة الدكتوراه في اللاهوت. تم تعيينه أستاذاً في الكلية الإكليريكية بمدينة ريغا، وثمّ بعد أن نال رتبة الأرشمندريت في عام 1902 صار رئيساً للكلية الإكليريكية في سامارا، وبعد ثلاث سنوات رئيساً للكلية الإكليريكية في بطرسبورغ.

في عام 1910 تمت رسامته الأسقفية في لافرا القديس ألكسندر نيفسكي وصار أسقفاً مساعداً. كان الأسقف بنيامين ينظر إلى رتبته على أنها واجب للعمل الرعائي والتبشير الرسولي. كثيراً ما كان الناس يرونه في الأحياء النائية والفقيرة للعاصمة حيث كان يتوجّه مسرعاً كأنه كاهن رعية بسيط، وهو لابس جبّة عادية بدون علامات رتبته، لتعميد طفلٍ أو لمناولة مَن هو على وشك الموت. كما بذل جهوداً كثيرة لإنقاذ النساء الساقطات من خلال عظاته التي ألقاها في "جمعية والدة الإله"، الأمر الذي أدّى إلى توبة العديد منهنّ.

في تلك السنوات كان مسؤولاً عن كل المدارس التابعة لأبرشية بطرسبورغ وأحد رؤساء أخوية الامتناع عن تعاطي المسكرات لعموم روسيا وترأس سنوياً مسيرات أنصارها البالغ عدد المشاركين فيها آلافاً كثيرة. ابتدأت بمبادرته إقامة خدمة القداس المخصّصة للتلاميذ في كنائس بطرسبورغ وكان حريصاً على مناولة الأطفال بنفسه واشتهر بالوعظ، ممّا جعله محبوباً من رعيته ومن الناس البسطاء عموماً الذين أطلقوا عليه لقب "أبونا".

بعد ثورة فبراير 1917 تغيّر نظام انتخاب أساقفة الأبرشيات، حيث صار انتخابهم يتمّ في مؤتمرات كهنة وعلمانيي الأبرشيات. أثار هذا الأمر خلافات في بعض الأماكن، أما في بطرسبورغ جرت عملية الانتخاب في هدوء ووفاق عجيب وتمّ التصويت لصالح الأسقف المساعد بينامين الذي حصل على 976 صوتاً من إجمالي عدد الأصوات 1561، وذلك من الأمثلة الأولى لانتخاب أسقف أبرشيةٍ بطريقة ديموقراطية في روسيا. في 25 مايو 1917 أقرّه المجمع المقدس رئيساً لأساقفة بطرسبورغ ولادوغا. في 13 أغسطس من نفس العام تم تصييره لرتبة المتروبوليت.

Beniamin Tikhon1 100x111فور انتخابه لكرسي بطرسبورغ صرّح المطران بنيامين أنّ شغله الشاغل هو التواصل الحيّ مع الرعية وليس الإجراءات الشكلية وتوقيع الأوراق. كان معروفاً كإنسان بعيد عن السياسة يسعى لتحرير الكنيسة من الولاء لطرفٍ معيّن. كان في صدارة اهتماماته تنوير الشعب وتدبير حياة الرعايا.

في نفس الوقت رفع المطران بنيامين صوته لحماية الشعب الأرثوذكسي من الاضطهاد الذي كان قد ابتدأ، وذلك بعد صدور القرار "حول فصل الكنيسة عن الدولة والمدارس" في عام 1918. في يناير من هذا العام ابتدأت عملية إغلاق بعض الكنائس، كما أُغلقت مطبعة السنودس المقدس وأُعلن عن مصادرة المباني السكنية التابعة للافرا ألكسندر نيفسكي. كان مجمع كهنة الأبرشية برئاسة المطران بنيامين يعبّر عن احتجاجه على قرار السلطات أكثر من مرّة عن طريق جمع التوقيعات وإرسال البرقيات إلى الحكومة. في 19 يناير حدثت اشتباكات بين الشعب وعناصر الجيش الأحمر الذين أتوا إلى اللافرا، ممّا أدّى إلى إصابة وموت الأب بطرس سكيبيتروف. ترأس المطران بنيامين مسيرة الصليب الحاشدة لحماية الكنيسة وألقى خطابات فيها. كما بذل جهوداً لرفع معنويات المؤمنين وروح الصلاة في بطرسبورغ وذلك من خلال إقامات صلوات ليلية ومسيرات صليب مهيبة في أسبوع التجديدات ومسيرات صليب للأطفال. في 22 يونيو 1922 ترأس المطران الخدمة الكنسية المكرّسة لجميع القديسين الذين نوّروا في روسيا التي أقيمت لأوّل مرة. كما تمكّن من تكريس عدة كنائس جديدة.

كان المطران يولّي اهتماماً خاصاً للتعليم الديني. في أواخر سنة 1918 تم إغلاق الكلية الإكليريكية والأكاديمية اللاهوتية في بطرسبورغ، ولكن بعد إغلاقهما مباشرة افتتحت الكلية اللاهوتية الرعائية التي استمرّ عملها حتى عام 1928. بمشاركة فعالة من المطران بنيامين ابتدأ التمهيد لافتتاح معهد بيتروغراد* للاهوت الذي بدأ عمله في أبريل 1920. كما تم تنظيم دورات لاهوتية مختلفة في بيتروغراد وحلقات دراسة الكتاب المقدس وكانت تلقى فيها محاضرات دينية. كان المطران يساهم في تطوير حركة الأخويات الأرثوذكسية التي كان لها دور هام في حياة الأبرشية. في ربيع 1918 بارك تأسيس أخوية آجيا صوفيا لتوحيد المثقفين الأرثوذكس، كما اشتهرت في بطرسبورغ أخوية ألكسندر نيفسكي التي شكّل نواتها الشباب من رعية اللافرا.

في صيف عام 1921 شمل القحط الشديد 34 محافظة من محافظات البلاد، ممّا أدّى إلى مجاعة جماعية فيها. أصدر البطريرك تيخون نداءً من أجل مساعدة المعانين من الجوع. استغلّت السلطات هذه الكارثة كفرصة لزيادة الاضطهاد ضدّ الكنيسة. في 23 فبراير 1922 صدر قرار الحكومة حول انطلاق حملة مصادرة المقتنيات الثمينة للكنسية لتلبية احتياجات المعانين من الجوع. حاول المطران بنيامين منذ البداية إيجاد حلّ وسط في هذا الموضوع ودخل في المباحثات مع سلطات المدينة بهذا الصدد، ممّا أسفر عن توقيع اتفاقية أُدرجت فيها الشروط التي أصرّ عليها راعي أبرشية بطرسبورغ. وافق المطران على تسليم المقتنيات المادّية التي ليس لها استخدام ليتورجي من أجل مساعدة المحتاجين، وفي نفس الوقت طالب بأن تتمّ عمليات نقل مقتنيات الكنسية في حضور الكهنة وأن يُسمح بتبديل المقتنيات التي لها أهمّية خاصة بالنسبة للمؤمنين بأشياء أخرى من نفس المعدن وبنفس الوزن. سمح المطران بالتبرّع حتى بغُلف معدنية مزخرفة للأيقونات دون المساس بالمقدّسات، منها الموائد المقدسة بما عليها والصلبان والأيقونات وتوابيت الرفات المقدسة. دعا المطران المؤمنين إلى عدم اللجوء إلى العنف في حالة مصادرة المقدّسات بالقوّة وطلب من الرعاة والرعية الاحتفاظ بالهدوء وتسليم الذات لإرادة الله. كما بارك افتتاح نقطة توزيع الطعام للمحتاجين في اللافرا.

ولكن السلطات لم تلتزم بشروط الاتفاقية وأعلنت أنّ المقتنيات الكنسية سيتمّ مصادرتها بطريقة شكلية على نطاق واسع بما أنها "أملاك تابعة للدولة". تواردت الأخبار ببدء مصادرة أملاك الكنيسة دون أي تحديد. في نفس الوقت ابتدأت الحملة ضدّ "أمراء الكنيسة" في الصحف. في 24 مارس 1922 نشرت مجموعة من روّاد الانشقاق وحركة المجدّدين** مقالة اتهمت فيها كل الكهنة الموالين للبطريرك تيخون بمقاومتهم لمصادرة المقتنيات الكنسية ومشاركتهم في المؤامرة ضدّ الثورة. أرسل المطران بنيامين خطاب احتجاج إلى السلطات ينصّ على ضرورة بركة البطريرك لعملية مصادرة المقتنيات الكنسية واستقلال الكنيسة في تسليم ما تراه مناسباً لمساعدة المحتاجين. حذّر المطران من حرم الذين يقومون بمصادرة أملاك الكنيسة بغير موافقة السلطات الكنسية ومن إعلان هذه الأعمال تدنيساً للمقدّسات.


Beniamin Tikhon 100x66في 9 مايو 1922 تم اعتقال البطريرك تيخون الذي أشار في قراره إلى المطران بنيامين كمرشّح ثانٍ لإدارة شؤون الكنيسة الروسية مؤقتاً. فرضت السلطات على المطران بنيامين تحديد الإقامة. رفض المطران الاعتراف بحركة المجدّدين ككنيسة، وفي 28 مايو تمّت في كنائس بيتروغراد تلاوة رسالته التي أعلن المطران بنيامين فيها ألكسندر فيدينسكي وغيره من روّاد الحركة مرتدّين عن الكنيسة. صار موقفه هذا سبباً رئيسياً لاضطهاده، وفي 1 يونيو 1922 تم اعتقاله.

في 10 يونيو ابتدأت المحاكمة في القضية التي اُتهم فيها أكثر من 80 شخصاً. كانت التهمة الموجّهة إلى المطران تنصّ على أنه بصفته رئيساً للكنيسة في بيتروغراد كان يبذل جميع الجهود لتغيير القرار حول مصادرة المقتنيات الكنسية وهو "يستغلّ جمعية الرعايا الكنسية بهدف تحريض السكّان المتديّنين على الاضطرابات، وذلك خسارةً واضحة لدكتاتورية الطبقة العاملة وثورة البرولتاريا".

Beniamin Sud 100x70تم استجواب المطران في 11 و12 يونيو، فظهر أمام الجميع هادئاً وبسيطاً كعادته وكرّس خطابه للدفاع عن الآخرين بالدرجة الأولى. لم تأخذ المحكمة بعين الاعتبار براهين الدفاع التي أكّدت أنّ جهود المطران هي التي حالت دون إراقة الدماء إثر بدء حملة مصادرة المقتنيات الكنسية. قال المطران مخاطباً المحكمة: "لا أعرف ماذا ستعلنون لي في حُكمكم، حياة أم موتاً، ولكن مهما أعلنتم فيه، سأرفع عينيّ إلى فوق بنفس الورع وأرشم نفسي بالصليب وأقول: المجد لك أيّها الربّ الإله لكل شيء".

Beniamin Others 100x82في 5 يوليو أصدرت محكمة بيتروغراد الثورية الحكم تجاه المطران وتسعة أشخاص آخرين وهو الإعدام رمياً بالرصاص. أثار الحكم كثيراً من الالتماسات بالعفو، بما في ذلك من طرف المجدّدين. ألغت المحكمة الحكم لستة أشخاص وبدّلت الإعدام بالسجن. إلا أنّ المطران بنيامين ومعه ثلاثة أشخاص آخرين (أرشمندريت وعلمانييْن) تم إعدامهم في أطراف بيتروغراد في ليلة 13 أغسطس. مكان دفن الشهداء غير معروف.

كتب المطران الشهيد بنيامين قبل إعدامه بأيام قليلة في إحدى رسائله ما يلي:

"كنت في طفولتي وفي شبابي أقرأ بشغف سير القديسين وأتعجّب لبطولاتهم وحماسهم المقدّس وأتأسّف من كل قلبي على أنّ أزمنتنا مختلفة وليس من نصيبنا أن نتحمّل ما تحمّلوا هم. لقد تغيّرت الأوقات فصار من الممكن التألّم من أجل المسيح، سواء بسبب خاصّتنا أو بسبب الغرباء. إنّ العذاب صعب وعسير، ولكن بقدر آلامنا تفيض التعزية من الله. من الصعب قطع الروبيكون*** هذا وتسليم الذات كلياً لإرادة الله. ولكن عندما يتم ذلك تفيض التعزية على الإنسان وهو لا يعود يشعر بأشدّ الآلام من جرّاء سكون داخلي، بل ويجذب الآخرين إلى الآلام لكي تنتقل إليهم تلك الحالة التي يعيشها المتألّم السعيد... إنني فرح ومطمئنّ كالعادة. المسيح هو حياتنا ونورنا وراحتنا. كل شيء معه حسن دائماً وفي كل مكان. أنا لا أقلق على مصير كنيسة الله. لا بدّ من المزيد من الإيمان، لا بدّ منه لنا نحن الرعاة. يجب أن ننسى الاتكال على النفس وننسى عقلنا وتعليمنا وقوّتنا وأن ندع نعمة الله تعمل. لقد حان وقت الدينونة... ألسنا نحن المسيحيين، بل الكهنة، مَن يجب عليه إظهار الشجاعة حتى الموت، إنْ كان لنا ولو قليل من الإيمان بالمسيح وبحياة الدهر الآتي!".

Beniamin Icon 100x137تعيّد الكنيسة للقديس الشهيد في الكهنة بنيامين في 31 يوليو (13 أغسطس) وفي يوم تذكار مجمع الشهداء والمعترفين الجدد الروس.

 

المراجع:

             days.pravoslavie.ru

             ru.wikipedia.org/wiki/Вениамин_Казанский

             drevo-info.ru

             Мария Дегтярева. Слушается дело… митрополита Вениамина Петроградского// www.pravmir.ru

---------------------

* بيتروغراد – الصيغة السلافية لاسم بطرسبورغ ("مدينة بطرس"). تمّ إعادة تسمية المدينة بالاسم الروسي بدل الألماني في أغسطس عام 1914 في بداية الحرب العالمية الأولى على إثر المواقف الشعبية المعادية لألمانيا. في عام 1923 تم تغيير اسم المدينة إلى لينينجراد ("مدينة لينين") وذلك حتى عام 1991 عندما أعيد إلى المدينة اسمها التاريخي.

    ** انشقت حركة المجدّدين عن بطريركية موسكو بعد ثورة فبراير عام 1917 معلنة تأييدها الكامل للسلطة الجديدة وسعت إلى إصلاح الأرثوذكسية استناداً إلى النموذج البروتستانتي الممزوج بالإيديولوجيا الشيوعية. كان من مطالب المجدّدين إجراء إصلاح كنسي شامل يضمّ تقصير وتبسيط النصوص الليتورجية والخدمة باللغة الروسية بدلاً من السلافية والانتقال إلى التقويم الغريغوري والقضاء على الرهبنة وإلزامية وجود أساقفة متزوّجين وإمكانية الزواج الثاني للكهن وتقريبهم من العلمانيين من الناحية الظاهرية. رائد المجدّدين هو الكاهن المتخرّج من أكاديمية بطرسبورغ اللاهوتية ألكسندر فيدينسكي الذي دعم الثورة البلشفية منذ البداية. قام أنصاره برسمه "أسقفاً" وهو متزوّج وتزوّج ثانية وهو"مطران". اتخذ لنفسه لقب "المطران والمدافع والبشير". اختفت حركة المجدّدين من الوجود كلياً بعد موته في عام 1946 .

    *** روبيكون – نهر في شمال إيطاليا كان لغاية سنة 42 قبل الميلاد حداً بين إيطاليا وغاليا كيسالبينا. اشتهر اسمه بفضل تعبير "قطع روبيكون" الذي دخل اللغات الأوروبية من اللاتينية. عندما كان يوليوس قيصر لا يزال أحد القادة العسكريين الذين لم يحقّ لهم قيادة الجيش إلا خارج إيطاليا، تجرّأ على قطع هذا النهر بعد تردّده لبعض الوقت لعدم ثقته بقوة جيشه، إذ أنه في حالة الفشل كان مهدداً بفقدان جميع سلطاته. صار تعبير "قطع روبيكون" يدلّ على المخاطرة بكل شيء من أجل هدف كبير وعلى القيام بخطوة حاسمة بغير رجعة.