Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Wednesday, May 23, 2018

Text Size

 

320 100x144اسم تاتيانا غْريمْبْليت غير معروف اليوم لدى عامّة الناس، وحتى لدى المؤمنين. لكن في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين كان يعرف عنها المسيحيون في روسيا كلها. ما كانت تفعله هذه المرأة الوحيدة الضعيفة أثار دهشة الجميع.

لم تكن حياتها مليئة بالأحداث الظاهرية المتألّقة. لم تكن راهبة ولم ترتبط بالأوساط الأرسطوقراطية، ولم يكن لها أتباع أو تلاميذ وحتى أصدقاء مقرّبون. ومع ذلك، صارت بالنسبة للكنيسة الروسية المُضطهدة في القرن العشرين نموذجاً لتنفيذ الوصية الإنجيلية. لقد كرّست كل حياتها لمساعدة المساجين. كانت تحمل إليهم الطرود يومياً من سنة إلى سنة. كانت تنفق على ذلك كل ما كانت تكتسبه وتحثّ المسيحيين الآخرين على عمل الشيء نفسه. هذا كان محور مسيحيّة تاتيانا، وهي المحبّة التي "لا تطلب ما لنفسها" (1 كو 13: 4)، بحسب قول بولس الرسول.

وُلدت تاتيانا في أسرة موظفيْن بسيطيْن في مدينة تومسك عام 1903. كان تاريخ ميلادها (14 ديسمبر) موافقاً لتذكار القديس فيلاريت الرحوم المشهور بمحبّته للفقراء والمساكين. تعلّمت تاتيانا محبّة الله والكنيسة في طفولتها على يد جدّها الكاهن المعروف أنطونين ميسيوروف الذي خدم في تومسك. كان عمرها 14 سنة عندما حدثت ثورة أكتوبر، فشهدت الفتاة تحوّل كنيسة الإمبراطورية المتألقة إلى كنيسة مُضطهدة، ممّا قوّى رغبتها في أن تتبع المسيح.

تخرّجت من المدرسة في عام 1920. في نفس السنة توفي والدها، فذهبت للعمل كمربّية في مؤسّسة إصلاحية للأطفال. منذ ذلك الحين وحتى آخر أيامها كانت تاتيانا بجانب المساجين والمتألمين، كما حُبست هي أيضاً أكثر من مرّة.

كلّ ما كانت تكتسبه وتجمعه من التبرّعات في كنائس تومسك كانت تبدله بالمأكولات والمستلزمات وترسلها للمعتقلين في سجن تومسك. لم تسأل إذا كان الذين تساعدهم مؤمنين أم لا وما سبب اعتقالهم. كانت تأتي إلى السجن وتستفسر عن الذين لا يحصلون على الطرود، فتسلّمها إليهم.

بعد انتهاء الحرب الأهلية صارت سيبيريا محبساً ومنفىً لمن كانوا يسمّونهم بـ"أعداء الثورة"، فازداد عدد السجون والمعتقلات في ضواحي تومسك. كانت تاتيانا تعيش محنة الشعب كمحنتها الشخصية وصارت تزور المدن المجاورة لمساعدة عدد أكبر ممكن من المساجين.

أشركت تاتيانا مع الوقت عدداً أكبر من الناس في مهمّتها. كان البعض يعطونها النقود لشراء الأشياء الضرورية ويرسل البعض الآخر الطرود عند سنوح الفرصة. ازدادت صلتها بالأوساط الكنسية كثيراً، ممّا أقلق رجال الاستخبارات. بعد قليل تمّ اعتقال تاتيانا مع عدّة كهنة تومسك بتهمة "قيادة حركة أتباع تيخون* في المحافظة".

تدلّ وثائق الأرشيف على أنّ تاتيانا أقرّت أثناء الاستجوابات بأنها كانت تنقل الطرود إلى الكهنة المعتقلين في سجون تومسك، كما إلى جميع العلمانيين دون أن تهتمّ بأسباب اعتقالهم. في نفس الوقت أنكرت اشتراك أشخاص آخرين في جمع التبرّعات لأجل المساجين والمنفيين. تمّ نفيها إلى منطقة كومي في شمال روسيا لمدة ثلاث سنوات، إلا أنّ بعد وصولها هناك تمّ إرسالها إلى كازاخستان.

تمّ الإفراج عنها قبل الموعد. بعد رجوعها من المنفى سكنت تاتيانا في موسكو وصارت من رعية كنيسة القديس نيقولاوس التي كان يخدم فيها الأرشمندريت غافرييل (إيغوشكين) الذي كانت تعرفه جيداً. استمرّت تاتيانا، وهي ساكنة في موسكو، في جمع التبرّعات للمعتقلين وزيارة السجون.

140 100x133تمّ اعتقالها للمرّة الثانية لنفس السبب. في 17 أبريل 1931 قالت تاتيانا أثناء الاستجواب أنها لا تمارس أيّ عمل كنسي خاص وأنها تساعد جميع المساجين بغضّ النظر عن انتمائهم إلى الكنيسة أو أسباب اعتقالهم، وأنّ أهمّ شيء بالنسبة لها هو أنهم يحتاجون إلى المساعدة وليس لهم من يساعدهم. هذه المرّة تم إرسالها إلى معسكر الاعتقال في محافظة بيرم.

درست تاتيانا الطبّ هناك وصارت تشتغل تمرجية. كانت سعيدة لإمكانية تقديم المزيد من المساعدة للقريب. في عام 1932 تم الإفراج عنها قبل الموعد، فانتقلت إلى مدينة يورييف-بولسكي بمحافظة فلاديمير، ثمّ سكنت في مدينة ألكساندروف في نفس المحافظة وعملت في المستشفى. في عام 1936 انتقلت إلى قرية كونستانتينوفو في محافظة موسكو واشتغلت في مختبر المستشفى.

في السنوات الأخيرة من حياتها اكتشفت لنفسها دير ديفييفو. صارت تذهب مراراً إلى دير القديس سيرافيم ساروف حيث كان يخدم أبوها الروحي. ثمّ تم القبض عليها من جديد.

أجابت تاتيانا رداً على السؤال حول نمط حياتها المتواضع: "أنتم تصرفون المال على الخمر والسينما، أما أنا فعلى مساعدة المساجين والكنيسة".

ورداً على السؤال حول الصليب على رقبتها أجابت: "سأبذل رأسي عن الصليب على رقبتي، وما دمت عائشة لن ينزعه أحد منّي، وإذا حاول فسينزعه مع رأسي فقط، لأنه ملبوس إلى الأبد".

وأما موقفها من السلطة السوفييتية فقالت: "كنت أسعى إلى أن أظهر نفسي عاملة أمينة ونزيهة لدى السلطات والناس المحيطين بي، وذلك لأثبت أنّ الإنسان المتديّن أيضاً يمكن أن يكون مفيداً للمجتمع. لم أكن أخفِ تديّني".

أقرّت تاتيانا بأنها لم تكن تمارس أبداً أية دعاية ضدّ النظام الشيوعي.

بعد الاستجوابات وجدت تاتيانا نفسها في سجن مدينة زاغورسك. حُكم عليها بالإعدام رمياً بالرصاص في 22 سبتمبر 1937. في اليوم التالي تم إرسالها إلى أحد سجون موسكو حيث أُخذت صورتها قبل الإعدام.

229 100x61تمّ إعدامها رمياً بالرصاص في 23 سبتمبر عام 1937 ودُفنت في قبر جماعي غير معروف في ميدان الرماية "بوتوفو" في ضواحي موسكو.

تمّ إعلان قداسة تاتيانا غريمبليت ضمن مجمع الشهداء والمعترفين الجدد للكنيسة الروسية بموجب قرار المجمع المقدس بتاريخ 17 يوليو 2002.

-----------------

* "أتباع تيخون" (أيْ أنصار بطريرك موسكو تيخون) – هكذا سُمّي الذين كانوا يتبعون الكنيسة الأرثوذكسية الروسية القانونية المُضطهدة بعد ظهور حركة المجدّدين. انشقت هذه الأخيرة عن بطريركية موسكو بعد الثورة البلشفية وأعلنت تأييدها الكامل للسلطات وكانت تتعاون معها.