Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Wednesday, November 21, 2018

Text Size

 

Vladimir1 100x126كانت مدينة كييف مهد الأرثوذكسية الروسية من الضحايا الأولى للاضطهاد البلشفي (الشيوعي) إثر انقلاب سنة 1917 وأعطت للكنيسة الأرثوذكسية الروسية أوّل من نال إكليل الشهادة من الأساقفة وهو متروبوليت كييف فلاديمير (بوغويافلينسكي).

تتميز رسائل المطران فلاديمير الموجّهة إلى رعيته وخاصة الشباب منها بموضوع الاتضاع بالدرجة الأولى حيث يقول: "إذا كان الإنسان متضعاً فهذا يعني أنه لا يعرف شيئاً عن مواهبه أو أولوياته مهما كانت، بل يعتبرها مراحم ومواهب من الله، ولا يتكبّر على القريب ويتحمل الإساءات والإهانات بلا تذمر ويخضع إرادته لإرادة الذين هم أكبر منه... ولا يسعى إلى الامتياز أو التألق في أي شيء بل يهتمّ بإرضاء الله. هذا هو الاتضاع المسيحي الحقيقي وهو الإخلاص للمسيح".

وقد مرّ المطران نفسه في هذا الطريق ابتداء من إنكار الذات أمام الآخرين من أجل اقتناء الصفات الثمينة غير الظاهرة للطباع المسيحية وهي المحبة والوداعة والرحمة حتى تحمّل الآلام بلا تذمر وقبول الإهانة من أجل المسيح.

وُلد القديس فلاديمير (اسمه في العالم باسيليوس بوغويافلينسكي) في عام 1848 في محافظة تامبوف بروسيا في أسرة كاهن القرية التي كان الكهنوت فيها يورث من أب إلى ابن. ولكنه لم يستعجل في قبول الرسامة الكهنوتية وبعد التخرج من مدرسة تامبوف الإكليريكية دخل أكاديمية كييف اللاهوتية. اشتغل فيها بترجمة المؤلفات الأجنبية إلى الروسية وكان من بين المتخرّجين المتفوّقين. بعد ذلك كان يدرّس في مدرسة تامبوف الإكليريكية ولم يشعر بأنه مستعدّ للرسامة إلا في الرابعة والثلاثين من عمره.

تمّت رسامته الكهنوتية في عام 1882 وأصبح يخدم في مدينة كوزلوف بأبرشية تامبوف حيث كانت حياته تسير في سعادة وبهدوء ولكن الإرادة الإلهية شاءت له طريقاً آخر. في عام 1886 مرّ الأب باسيليوس بتجربتين صعبتين: فقدَ أوّلا زوجته التي كان يحبّها بشدّة وثمّ طفلهما الوحيد. فلم يجد أمامه طريقاً وهو في الثامنة والثلاثين إلا طريق الرهبنة الذي كان ملجأ وحيداً لنفسه الهادئة الخائفة لله.

حصل في رسامته الرهبانية على اسم فلاديمير وكأن هذا الاسم كان علامة تدلّ على إعلان قداسته مستقبلا على كرسي كييف. خدم سنتين في مدينة نوفغورود كرئيس للدير وثم تمّت رسامته الأسقفية. أينما كان القديس فلاديمير يخدم، كان يحظى بمحبة كبيرة واحترام من طرف رعيته بفضل حياته المرضية لله وعظاته المتميّزة.

في أبرشية سَمارا حيث انتشر وباء الكوليرا أنشأ الأسقف فلاديمير لجنة خاصة لمساعدة المتضرّرين من المرض والجوع وكان يعلّم الناس مكافحة الوباء من خلال عظاته ونشراته المطبوعة ويقيم صلوات من أجل راحة النفوس في مقابر ضحايا الكوليرا ممّا زاد من محبة الناس لراعيهم.

بعد أن خدم لبعض الوقت في القوقاز تم نقله إلى موسكو في 1898 ليجلس على كرسيها كميتروبوليت. وتزامنت خدمته في موسكو مع أجواء ثورة 1905. أصبح المطران فلاديمير يحضر اجتماعات عمّال موسكو لأهداف تبشيرية وكان ينشر عظاته المتعلقة بالمواضيع الحيوية ويترجم المؤلفات الناقدة للاشتراكية التي أصبحت "موضة" في تلك الفترة. لم يكن المطران يخفي رأيه في أنّ النظريات الاجتماعية ذات الشعبية تكمن فيها أخطار أخلاقية كبيرة فأصبح مقرّ المطرانية في موسكو مركزاً للتنوير الروحي حيث أسّس المطران فلاديمير في عام 1912 مجلة "صوت الكنيسة". كانت هيبته في تلك الفترة كبيرة جداً.

كان سيّدنا فلاديمير يبذل جهوداً كبيرة للتبشير في أوساط موسكو الأرسطوقراطية. ومن ناحية أخرى ساهم في افتتاح دورات تعليمية لعمّال موسكو كان منهجها يضمّ المحاضرات اللاهوتية وتاريخ وجغرافيا روسيا والأدب والفنّ الروسي إضافة إلى دروس الترتيل الكنسيّ. وكان يهتمّ كثيراً بمكافحة الإدمان على الكحول وكان يحاور المصابين بهذا المرض بنفسه ويصدر نشرات تنبّه الناس إلى خطورة هذه الخطيئة.

Vlad 100x131كان الميتروبوليت فلاديمير يترأس أكاديمة موسكو اللاهوتية لمدة 14 عاماً وكان شغله الشاغل في كل الأوقات هو رفع مستوى التنوير المسيحي. أما مؤلفات القدّيس التي تركها فمعظمها عبارة عن الأحاديث والإرشادات ومجموعات العظات التي تتناول القضايا الحيوية لعصره.

في عام 1912 تم نقل المطران فلاديمير إلى كرسي عاصمة الإمبراطورية الروسية سانت بطرس برغ ومُنح رتبة أوّل عضو في السنودس (المجمع) المقدّس. هناك وقّع المطران على قرار السنودس المقدّس بشأن استخراج رفات القديس سيرافيم ساروفسكي وأصبح مرشداً روحياً للدوقة الكبيرة أليصابات وساعدها على افتتاح دير وملجأ مرثا ومريم بموسكو وصيّرها رئيسة له. في أبريل 1912 قام بتكريس كنيسة ستر والدة الإله للدير.

ولكن خدمة المطران فلاديمير على كرسي العاصمة عكّرتها الظروف السياسية والمنازعات حول شخصية غريغوري راسبوتين الغامضة، حيث اختلفت الآراء داخل الأوساط المقرّبة من الأسرة القيصرية حول نشاط راسبوتين. أما المطران فلاديمير فكان يتميّز دائماً إلى جانب طيبة قلبه بالصراحة المطلقة والحزم وكان واثقاً من ضرورة إبعاد راسبوتين عن الأسرة القيصرية مما أثار غضب البعض فوجد نفسه غير مرغوب فيه في العاصمة وتم نقله إلى كييف في عام 1915.

كان المطران فلاديمير قد أبدى رغبة منذ وقت طويل في الانتقال إلى كييف وإنهاء خدمته الأسقفية بالقرب من رفات قديسي لافرا المغاور. فتحققت رغبته حيث تم تعيينه ميتروبوليتاً لكييف وأرشيمندريتاً للافرا المغاور وفي نفس الوقت تم إبقاؤه على منصب أوّل عضو للسنودس المقدّس. وهكذا أصبح المطران فلاديمير أسقفاً وحيداً في تاريخ الكنيسة الروسية جلس على الكراسي الأسقفية الرئيسية الثلاثة في الإمبراطورية الروسية وهي موسكو وسانت بطرس برغ وكييف.

تزامنت خدمة المطران فلاديمير في كييف مع الأحداث المأساوية في تاريخ البلاد مثل إسقاط النظام الملكي وحرم الكنيسة من الدعم الحكومي والاقتصادي وأجواء الثورة. إضافة إلى ذلك تفاقمت المسائل القوميّة في أوكرانيا مما أدّى إلى أوّل انشقاق كنسيّ. في عام 1917 استغلّ أنصار استقلال أوكرانيا الظروف السياسية لمحاولة قطع الوحدة القانونية مع بطريركية موسكو.

أصبح أنصار استقلالية الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية يطالبون بإبعاد المطران فلاديمير عن كرسي كييف وبمنع ذكر اسم البطريرك تيخون في القدّاس وإقامة الصلوات باللغة الأوكرانية وحاولوا الاستيلاء على بعض الكنائس من بينها كاتدرائية صوفيا التاريخية. إضافة إلى ذلك نشروا شائعات بأن الإيرادات من كل الرعايا يستغلّها المطران وحده وحاولوا إنشاء الخلاف بينه وبين إخوة لافرا المغاور حيث كان مقرّه.

في 12/4/1917 عقد المطران فلاديمير مؤتمر أبرشية كييف وسُمعت فيه لأول مرة مطالبات باستقلال كنيسة أوكرانيا عن بطريركية موسكو. ولكن المطران كان يعارض بشدة هذا الأمر وكان يشير إلى خطورته بالنسبة للكنيسة الأرثوذكسية الروسية.  

في نوفمبر 1917 بينما كان المطران فلاديمير متواجداً في موسكو ليترأس خدمة تنصيب البطريرك تيخون قام أنصار الاستقلال بتشكيل "المجلس الكنسي الأرثوذكسي المؤقت لعموم أوكرانيا" وأعلنوا عدم موافقتهم على رجوعه إلى كرسي كييف. وفي نفس الوقت انعقد اجتماع مجلس رعايا كييف الأرثوذكسية الذي رحّب بوجود المطران فلاديمير على كرسيها في تلك الفترة العصيبة. فرجع المطران فلاديمير إلى كييف بعد أيّام وواجه ضغوطات كبيرة من كل الأطراف. عُرض عليه إعلان نفسه بطريركاً للكنيسة الأوكرانية ولكنه رفض ذلك بشكل قاطع.

خدم المطران القدّاس في كاتدرائية القديس فلاديمير لآخر مرة بتاريخ 26/12/1917 وبعد القداس بارك جميع الحاضرين واحداً واحداً وكأن الناس كانوا يشعرون بأن تلك البركة ستكون أخيرة فتقدّم بعضهم أكثر من مرة...

في بداية عام 1918 اندلعت الحرب الأهلية بين البلاشفة وأنصار استقلال أوكرانيا ولم تكن طلقات النار في كييف تهدأ ليلا ونهاراً وتضرّرت المنطقة المحيطة بلافرا المغاور حيث كان مقرّ المطرانية أكثر من غيرها من أحياء كييف.

قبل شهر من استشهاده قال المطران فلاديمير: "أنا لا أخاف من أحد أو شيء. أنا مستعدّ في كل وقت لبذل حياتي عن كنيسة المسيح والإيمان الأرثوذكسي لكي لا أدع أعضاء الكنيسة يسخرون منها. وسأتألم حتى النهاية لتُحفظ الأرثوذكسية في روسيا حيث بدأت".

في 21/1/1918 خدم المطران فلاديمير آخر قداس في حياته في كاتدرائية رقاد السيدة للافرا المغاور وكان ذلك الصباح هادئاً بالرغم من المعارك الدائرة بين قوات أنصار الاستقلال والبلاشفة وإطلاق النار على اللافرا نفسها.

كانت الخدم الأخيرة التي أقامها المطران فلاديمير – قداس 21 يناير ومديح رقاد والدة الإله في 24 يناير مؤثرة للروح بشكل عجيب. من يعرف بماذا كان يشعر القدّيس وهو يقيم صلوات في مدينة محاصرة وفي دير يُطلق النار عليه؟ هل كان يرى رئيس الرعاة الوديع الغيوم المجتمعة فوق رأسه؟

في 24 يناير اقتحمت مجموعة من الجنود المسلّحين اللافرا لأن البلاشفة كانوا قد احتلّوا حي "بيتشيرسكي" لكييف حيث توجد اللافرا وعيّنوا قومندان على الدير. فأصبحوا يتصرّفون بطريقة غير لائقة في مكان مقدّس ويفتّشون قلالي رئيس الدير ويهينون الرهبان والمطران.

في مساء 25 يناير اقتحم عدة جنود مسلّحين قلاية المطران ولم يدافع أحد عن رئيس الرعاة الشيخ البالغ من العمر 70 عاماً. وبحسب شهادة مريد المطران، بعد أن تجوّل المجرمون في القلالي بحثاً عن "الأموال الكنسية" هجموا أخيراً على المطران وخلعوا منه القلادة الأسقفية وأصبحوا يعذبونه وأخرجوه في الصقيع وقادوه خارج الدير. كان سيّدنا فلاديمير يقترب من موته بوداعة وبدون تذمر راشماً نفسه بإشارة الصليب.

وبعد قليل سُمع صوت الطلقات.... قبل موته بارك المطران القدّيس قتلته وقال: "ليسامحكم الرب".

في صباح 26 يناير عُثر على جثمان المطران فلاديمير خارج الدير بين المتاريس. وأوّل من رآه كانت النساء اللواتي كنّ مسرعات إلى الدير للصلاة. كان جسد المطران ملقىً على الثلج في ملابسه الداخلية وعليه جروح رصاص وحراب كثيرة.

سُمح للرهبان بنقل جسد المطران الشهيد إلى الدير وفي 29 يناير أقيمت صلوات عامة لأجل راحة نفسه في كل كنائس كييف ونُقل جسده على الأيدي إلى كنيسة رفع الصليب عند المغاور القريبة.

فتح استشهاد الميتروبوليت فلاديمير صفحة جديدة في تاريخ القداسة للكنيسة الأرثوذكسية الروسية وهي فترة الاضطهاد الطويلة ضد الكنيسة التي نال خلالها الكثير من الكهنة والعلمانيين إكليل الشهادة من أجل المسيح. وفي شهر أبريل 1918 تم اتخاذ القرار بشأن إقامة التذكار السنوي للراقدين الذين استشهدوا في فترة الاضطهاد العصيبة وحُدّد هذا التاريخ ب25 يناير أو يوم الأحد الذي يليه مباشرة.

Vladimir Moshi 100x79في عام 1992 تم استخراج رفات القديس فلاديمير ووضعها في تابوت خشبي من بين أجساد القديسين في المغاور البعيدة. وفي مكان استشهاد القديس فلاديمير خارج لافرا المغاور تم إقامة صليب عند الطريق لا يزال موجوداً حتى اليوم.

    أعلنت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية قداسة الشهيد في الكهنة فلاديمير في عام 1992 وتعيّد له في 25 يناير.

    قرّر مجمع أساقفة الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في عام 1992 أن يكون تاريخ استشهاد ميتروبوليت كييف فلاديمير يوماً للتذكار السنوي لجميع الشهداء والمعترفين الجدد الروس.