Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Wednesday, November 21, 2018

Text Size

 

Ilarion1 92x150كان من أبرز شخصيات الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في عشرينات القرن العشرين القدّيس هيلاريون (تروئيتسكي) رئيس أساقفة فيريا٭ عالم اللاهوت المعروف والإنسان الكثير المواهب. كانت حياته كلها لهيباً من محبّته الفائقة لكنيسة المسيح منذ طفولته حتى نيله إكليل الشهادة من أجلها.

وُلد القدّيس هيلاريون (اسمه في العالم فلاديمير أليكسييفيتش تروئيتسكي) في 13/9/1886 في أسرة الكاهن في قرية ليبيتسي بمحافظة تولا في روسيا. كانت أسرة تروئيتسكي قد ورثت الكهنوت من أجدادها، ولذلك تربّى القدّيس المستقبلي في جو التقاليد الأرثوذكسية الأصيلة. كان جدّ فلاديمير الأب بطرس قد اشتهر كرجل مثقف ومحبوب من الشعب. وارتبط ديميتري شقيق فلاديمير بسلك الرهبنة لاحقاً وأصبح أسقفاً لمدينة بريانسك، أما أخوهما الصغير ألكسي فخدم كاهناً في نفس القرية ونال إكليل الشهادة في معسكر الاعتقال على يد البلاشفة.

لقد أبرز فلاديمير ميلاً كبيراً للدراسة منذ طفولته المبكّرة وأصبح يقرأ المزامير في الكنيسة قبل أن يدخل المدرسة. وعندما كان في الخامسة من عمره أخذ أخاه الذي كان أصغر منه بسنتين بيده وذهب به من القرية إلى موسكو "للدراسة" دون أن يقول لأحد شيئاً. بعد قليل انتبه أهل البيت إلى غياب الولدين وانطلق أبوهما بحثاً عنهما، فلحق بهما في الطريق وابنه الأكبر يحمل كتاباً في يده. وردّ على توبيخ والده قائلاً بكل جدّية: "لا تزعل يا بابا، لومونوسوف٭٭ جاء إلى موسكو ماشياً على أقدامه، وأنا أيضاً قرّرت أن أذهب هناك للدراسة!"

عندما التحق فلاديمير بالدراسة مرّ بكل مراحلها بنجاح فائق وأصبح من أبرز ممثلي اللاهوت الأكاديمي في روسيا في القرن العشرين. في عام 1906 تخرّج من مدرسة تولا الإكليريكية بامتياز ودخل أكاديمية موسكو اللاهوتية. تخرّج منها في سنة 1910 وبقي يدرّس فيها. يجدر بالذكر أنه لم يكن يحصل إلا على علامة "ممتاز" في كل الموادّ التي درسها، كما كان قد مُنح جائزتين من مطران موسكو لمؤلفاته أثناء سنوات دراسته.

كانت دعوته وموهبته مركزها الدراسات اللاهوتية، وكانت محبّته للعلم والأكاديمية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلافرا الثالوث القدّوس والقديس سيرجي حيث كان مقرّ الأكاديمية. كان نشاطه العلمي غير منفصل عن النسك والكنيسة، وكانت حياة القدّيس المستقبلي تجري بين مركزين هما مكتبة الأكاديمية اللاهوتية وكنيسة الثالوث القدّوس للافرا القدّيس سيرجي حيث كانت تُحفظ رفاته الكريمة وهي من أهمّ مقدّسات الكنيسة الأرثوذكسية الروسية. وبالتالي، كانت أكاديمية موسكو اللاهوتية في بداية القرن العشرين مركزاً فريداً يجمع بين العلم والحياة الروحية، وسيرة القدّيس هيلاريون دليل واضح على ذلك.

بعد التخرّج من الأكاديمية أصبح فلاديمير تروئيتسكي يستعدّ لمناقشة الأطروحة لنيل درجة الماجستير في اللاهوت. كانت بحوثه العلمية التي كرّس لها عشرين سنة من حياته تتناول موضوع الكنيسة بالدرجة الأولى. لم يكن يتخيّل حياة الإنسان خارج الكنيسة فأصبح اقتناعه بخلاصيتها الناتج عن خبرته الشخصية أساساً لتعليمه حول الكنيسة. تستند نظريات القدّيس هيلاريون إلى الكتاب المقدّس ومؤلفات الآباء القدّيسين وتُعتبر كتاباته جزءاً مهمّاً من الأدب الروحي الروسي. معظم مؤلفات القدّيس هيلاريون تطرح موضوع الكنيسة على أنها "اتحاد المحبّة" أيْ جسد ميستيكي يتحد أعضاؤه بحياة النعمة المشتركة التي اسمها المحبّة.

Ilarion Icon1 100x141   تميّزت مؤلفاته بالطابع الكنسي الأرثوذكسي السليم ومكافحة النزعة السكولاستيكية التي كانت قد تغلغلت إلى لاهوت الكنيسة الروسية منذ القرن السابع عشر. والفكرة الرئيسية التي تنبثق من جميع مؤلفات القدّيس هيلاريون هي: "لا خلاص خارج الكنيسة"، ولذلك قد جرت العادة على تصويره على الأيقونات حاملاً الرسالة مع هذه الكتابة في يده.

في عام 1912 تمّت مناقشة أطروحته تحت عنوان "الدراسات في تاريخ العقيدة حول الكنيسة" التي تناولت موضوع هذه العقيدة كتعبير عن الوعي الكنسي الذي تشكّل خلال قرون المسيحية الأولى من خلال مواجهتها للهرطقات المختلفة. كما أثبت المؤلّف أن تلك المنازعات القديمة تتكرّر في الحياة الكنسية المعاصرة وتطرّق إلى الجدالات المماثلة مع الكاثوليك والبروتستانت. كان بحثه قد صدر ككتاب قبل المناقشة ونال أعلى التقديرات من الدكاترة ولم يواجه أيْ اعتراضات علمية ممّا أزعل صاحب البحث قليلاً بسبب حبّه للنقاشات العلمية.

كانت دعوة فلاديمير أن يخدم الرب كراهب، وفي 28/3/1913 تمّت رسامته الرهبانية في لافرا القديس سيرجي وحصل على اسم هيلاريون. وفي نفس السنة تمّ تصييره إلى راهب كاهن ثم إلى أرشمندريت. لم يكن له أدنى شكّ في صحّة اختيار هذا الطريق رغم أنه كان يبدو للناس من الناحية الظاهرية إنساناً اجتماعياً مرحاً. كان النسك حالة طبيعية بالنسبة له وكان يتطلع إلى الفضيلة ويكره الخطيئة منذ طفولته. تكشف لنا مؤلفات القديس هيلاريون ومذكّرات معاصريه عن صفات "إنسانه الداخلي" وأهمّها طهارة نفسه طوال حياته وفرحه الروحي الدائم الناتج عن خبرته من الحياة الكنسية. واحتفظ القدّيس بهذا الفرح لاحقاً في الظروف الفائقة الصعوبة في معسكر الاعتقال في "سولوفكي" بل سعى إلى مشاركة فرحه مع الآخرين المحرومين منه. يمكن القول إنه كان يتشبّه بالقدّيس سيرافيم ساروفسكي في مزاجه الفصحيّ الدائم ("يا فرحي، المسيح قام!") وكان من الذين يسمّونهم "ملاك أرضي وإنسان سماوي".

Ilarion Tr 100x133في مايو 1913 تمّ تعيين الأب هيلاريون بروفسوراً للأكاديمية فنال محبّة واحترام زملائه وطلابه بسرعة وكان يُعتبر من "أركان" الأكاديمية. كان الطلاب الإكليريكيون يحضرون محاضرات البروفسور الشابّ بحماس ويحبّون حيويتها وارتباطها بحياة العصر. وبحسب مذكرات طلابه، كان بروفسورهم إنساناً يحبّ الجدال والنقاش ولم يستطع إلقاء المحاضرات بهدوء بل كان يحتاج إلى إثارة حماس المستمعين إليه ومجادلتهم في موضوع المحاضرة. كانت له كارزما عجيبة وقوّة داخلية عظيمة وكان شكله يدلّ على روح طاهرة نبيلة وثقافة وفكر عميقيْن. كان يحمل في نفسه تلك المحبّة التي قد كتب عنها في بحوثه وكانت هذه المحبة تشمل كل ما كان عزيزاً عليه: الكنيسة وروسيا وأكاديميته وكان يشجّع بها جميع المحيطين به. كان القدّيس هيلاريون يتذكر السنوات التي قضاه في لافرا القديس سيرجي كأجمل فترة في حياته. كان من أحد المرشّحين لمنصب رئيس أكاديمية موسكو اللاهوتية ولكنه تهرّب من هذه الترقية. كان مرتبطاً بالأكاديمية حتى مايو 1920 عندما تمّت رسامته الأسقفية.

التغيّر في حياة الأرشمندريت هيلاريون حصل في عام 1917 عندما اشترك في المجمع المحلي للكنيسة الأرثوذكسية الروسية الذي طرح موضوع إعادة تأسيس النظام البطريركي في روسيا. كان القديس هيلاريون من أبرز أنصار ضرورة هذه الخطوة التي كانت تعني تحرير الكنيسة من سيطرة الدولة عليها. وفي 23 أكتوبر ألقى الأرشمندريت هيلاريون خطابه الشهير تحت عنوان "لماذا يجب إعادة تأسيس البطريركية؟" الذي أثّر على جميع الحاضرين ونال إعجابهم. ذكر في خطابه بأنه كما يوجد في القدس حائط المبكى هكذا يوجد في موسكو حائط المبكى الروسي وهو يقع في كاتدرائية الرقاد حيث يبقى كرسي البطريرك فارغاً ويأتي هناك الروس المؤمنون على مدى مائتي سنة وهم يبكون على مجد الكنيسة الماضي الذي قضى عليه القيصر بطرس. وبالتالي ساهمت مشاركة القديس هيلاريون في اتخاذ المجمع المحلي القرار لصالح النظام البطريركي بتاريخ 30/10/1917.

قبل انعقاد المجمع المحلي الذي شارك الأرشمندريت هيلاريون في عمله كان صيته قد ذاع خارج أكاديمية موسكو اللاهوتية بعيداً إلى درجة أن البعض كانوا ينظرون إليه كمرشّح مرغوب فيه لكرسي البطريرك وهو لم يكن قد رُسم أسقفاً. ولكن الإرادة الإلهية شاءت أن يصبح هذا المجاهد الناسك معاوناً رئيسياً ويداً يمنى للبطريرك تيخون في السنوات الرهيبة الأولى من اضطهاد البلاشفة للكنيسة.

---------------------

٭ فيريا – مدينة في محافظة موسكو.

٭٭ ميخائيل لومونوسوف (1711-1765) – أوّل عالم روسي مشهور على المستوى العالمي. قد وضع أساساً للكيمياء الفيزيائية كما ساهم في تطوير جميع علوم عصره، إضافة إلى وضعه أساساً لنحو اللغة الروسية وطرح فكرة تأسيس جامعة موسكو التي سمّيت فيما بعد على اسمه.

 

(يتبع)