Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Thursday, December 14, 2017

Text Size

 

Ivan Rilski  100x136يُعتبر القديس يوحنا ريلْسْكي أكبر القدّيسين إكراماً في بلغاريا وجمهورية مقدونيا. يعتقد الباحثون أنه وُلد في الفترة ما بين سنة 876 وسنة 880 في قرية سْكْرينو قريباً من مدينة سْريديتس (صوفيا حالياً). كان يتربّى في أسرة ميسورة الحال، ومنذ طفولته تميّز بالتقوى.

بعد وفاة والديه صار يشتغل راعياً للغنم. لسببٍ غير معروف تعرّض للاضطهاد من طرف أهل قريته. ذات مرّة ضربه صاحب القطيع بسبب ضياع بقرة وعجل. بكى الراعي الشاب طويلاً وتضرّع إلى الله لكي يساعده. عندما وجد البقرة مع العجل كان منسوب ماء النهر قد ارتفع كثيراً، فصلّى ووضع على سطح الماء رداءه ورشم عليه علامة الصليب واجتاز النهر حاملاً العجل على ذراعيه. رأى صاحب القطيع الذي اختبأ في الغابة هذه المعجزة وتملّكه الخوف، فكافأ الشاب وأطلق سبيله. وزّع يوحنا ما كان يمكله على الفقراء وغادر قريته. كان عمره حوالي 25 سنة.

ليس من المعروف أين ومتى تمّت رسامته الرهبانية. من المفترض أنه ترهبن في أحد الأديرة القريبة من قريته (بحسب التقليد البلغاري، في دير القديس ديمتريوس قرب مدينة بوبوشيفو الواقعة على بعد 75 كم جنوبي صوفيا). ثمّ كان يتنسّك في كوخ على جبل عالٍ مقفر حيث كان يتغذى بالأعشاب البرّية. بعد قليل هجم عليه اللصوص ليلاً وبعد أن ضربوه طردوه من هناك. فوجد له مأوى في جوف شجرة في منطقة غوليتس، ثمّ في مغارة عميقة وسط جبال ريلا*. جاء هناك بعد قليل شاب يُدعى لوقا من أقربائه طالباً حياة التوحّد أيضاً، فقبله يوحنا بفرح. إلا أنّ بقاء لوقا لم يدم طويلاً هناك، حيث أن والده وجد المكان وأخذ ابنه بالقوة. في طريقهما إلى البيت توفي الشاب بسبب لدغة الأفعى. فتاب والده وطلب السماح من القديس. كان يوحنا يزور قبر الشاب البارّ، وقد صار بالنسبة له مكاناً مفضلاً يستريح فيه.

قضى الناسك 12 سنة في المغارة، ثمّ توغّل في الجبال وسكن على صخرة ارتفاعها حوالي 80 متراً لمدة سبع سنوات. كان يصلي ويبكي طول الوقت ولم يأكل إلا الأعشاب. بأعجوبة إلهيّة نبت في ذلك المكان الفول الذي اقتات عليه القديس فترة طويلة. بفضل هذا الفول صار جهاده معروفاً للناس. ذات مرّة بلغ قطيع الغنم التائه مكان سكن القديس يوحنا، فوجده الرعاة الذين تبعوا القطيع. اندهشوا لرؤية ناسك في ذلك المكان، أمّا هو فقدّم لهم الفول قائلاً بلطف: "أنتم جئتم إلى هنا جوعانين، فاقطفوا الفول وكلوه". فأكل الجميع وشبعوا. ولكن أحد الرعاة أخفى بعض الفول وأخذه معه. في طريق العودة أخرجه ليقدّمه لرفاقه، إلا أنهم وجدوا القرون المسروقة خالية من الحبوب تماماً. رجع الرعاة إلى المتوحّد تائبين، فسامحهم قائلاً بابتسامة: "أرأيتم يا أبنائي، هذه الثمار عيّنها الله للأكل في البرّية". بعد ذلك صار الناس يأتون بالمرضى إلى القديس وكان يشفيهم بالصلاة.

Ivan And King 100x67وصل خبر ناسك البرّية إلى الملك البلغاري بطرس الأول الذي رغب في رؤيته، ولكن القديس يوحنا تهرّب من اللقاء لاتضاعه. عندما وصل الملك إلى مكان سكن القديس بعد أن قطع مسافة 120 كم، لم يسمح له يوحنا بالاقتراب منه، بل انحنى للحاكم من بعيد، وعمل الملك الشيء نفسه. أرجع القديس يوحنا للملك الذهب الذي كان قد أرسله له، ممّا أدّى إلى زيادة شهرة القديس وعدد مكرميه.

تختلف المراجع حول دور القديس يوحنا في تأسيس دير ريلا. بحسب أقدم سيرة بلغارية للقديس مجهولة المؤلِّف، كان يتنسّك متوحداً ولم يلتقِ إلا الذين طلبوا منه الشفاء. من ناحية أخرى، بحسب جيورجيوس سكيليتسا، كاتب سير القدّيسين البيزنطي (القرن الثاني عشر)، أنشأ أتباع القديس يوحنا حول مغارته ديراً وقلالي، إلا أنّ الناسك قضى آخر 12 سنة من حياته في عزلة. الرأي السائد في المراجع الكنسية هو أنّ القديس يوحنا كان مؤسساً لدير ريلا وأوّل رئيس له، ثمّ عيّن رئيساً آخر يُدعى غريغوريوس، تاركاً لتلاميذه وصية روحية قبل موته (إلا أنّ معظم الباحثين يعتقدون أنّ هذه الوصيّة هي نصّ مزوّر يعود إلى القرن التاسع عشر).

1Ivan Rilsk 100x135عندما شعر القديس يوحنا باقتراب أجله جمع تلاميذه وأرشدهم ورقد على الأرض وانتقل إلى الرب. بحسب سيرته المجهولة المؤلّف، عرف يوحنا عن موته القريب من القديس يوحنا المعمدان. رقد في 18 من أغسطس عام 946 عن عمر يناهز السبعين. تمّ دفنه في جبال ريلا في مكان عسير الوصول. بحسب جيورجيوس سكيليتسا، دفنه تلاميذه بعد مرور 40 يوماً على رقاده، وطوال هذا الوقت بقي جسده غير قابل للانحلال وانبعثت منه رائحة زكية وقوة لشفاء الأمراض.

يعتقد الباحثون أنّ نقل رفات القديس يوحنا إلى سريديتس (صوفيا) تمّ في أواخر القرن العاشر. هناك نال كل من الإمبراطور البيزنطي مانوئيل كومنينوس وواليه في مدينة سريديتس جيورجيوس سكيليتسا الشفاء عند رفات القديس. في عام 1183 أخذ الملك المجري بيلا الثالث أثناء حملته العسكرية على الروم التابوت مع رفات القديس يوحنا ونقلها إلى بلاده. بحسب التقليد البلغاري، صرّح رئيس الأساقفة الكاثوليكي هناك بأنه لم يسمع بوجود هذا القديس، فأصابه الخرس. بعد أن ركع أمام الرفات المقدسة وطلب المسامحة عاد يتكلم. بتأثير هذه المعجزة أرجع المجريون التابوت مع رفات القديس إلى سريديتس بإكرام كبير في عام 1187. حوالي عام 1195 تمّ نقل الرفات المقدسة إلى عاصمة بلغاريا الجديدة مدينة ترنوفو (فيليكو ترنوفو حالياً) حيث وُضعت في كنيسة مكرّسة للقديس يوحنا. منذ ذلك الحين ابتدأ تكريم القديس على نطاق واسع في بلغاريا.

لغاية أواسط القرن الخامس عشر كانت كنيسة القديس يوحنا في حالة إهمال شديد، وذلك إثر الاحتلال العثماني لبلغاريا وسقوط ترنوفو في عام 1393. لذلك أرسل رهبان دير ريلا الذي حظى بدعم ماريا برانكوفيتش أرملة السلطان مراد الثاني يطلبون رفات القديس، فأخذوها ونقلوها إلى الدير في عام 1469. أثناء سير الموكب تباركت حشود كبيرة من الناس من الرفات المقدّسة وحدثت معجزات شفاء عديدة. لا تزال رفاته تُحفظ في الدير حتى اليوم.

1Rila Manastir 100x70دير ريلا من أقدم مقدّسات بلغاريا، وهو رمزها وقلبها وأكبر أديرتها، حيث تحتلّ مساحته حوالي 8800 متر مربّع. تمّ إدراجه في قائمة آثار اليونسكو للتراث العالمي في عام 1983. يقع الدير في شمال غرب جبال ريلا على مسافة 117 كم جنوبي صوفيا، في وادي نهر ريلا على ارتفاع 1150 كم فوق مستوى سطح البحر. إضافة إلى رفات القديس يوحنا، تحفظ في الدير أيقونة والدة الإله "القائدة" العجائبية، وهي من أكبر الأيقونات إكراماً في الكنيسة البلغارية.

تحمل اسمه الكلية الإكليريكية في صوفيا ومعهد الجيولوجيا، إضافة إلى عدد من المدارس في بلغاريا. بمبادرة من اتحاد الأطبّاء البلغاريين اختير عيد القديس يوحنا ريلسكي (19 أكتوبر) منذ عام 1995 ليكون يوماً للطبيب في بلغاريا.

القدّيس الروسي يوحنا كرونشتادت سُمّي في المعمودية على اسم القديس يوحنا ريلسكي، وهو الذي ساهم في زيادة إكرام شفيعه البلغاري في روسيا. صار يوحنا ريلسكي أوّل قدّيس سلافي جنوبي شُيّدت في روسيا كنيسة على اسمه.

تعيّد الكنيسة للقديس يوحنا ريلسكي في 18 أغسطس (رقاده)، 19 أكتوبر (نقل رفاته إلى ترنوفو) وفي الأول من يوليو (إعادة رفاته إلى دير ريلا).

 

المراجع:

Иоанн Рильский // Православная Энциклопедия. Т. 24. С. 585-598

Преподобный Иоанн Рыльский // www.pravoslavie.ru

Святыни Европы: Иоанн Рыльский // Нескучный сад, 6(77), 2012

www.rilamonastery.pmg-blg.com

-------------------------

* "ريلا" هي سلسلة جبال في جنوب غرب بلغاريا، حيث تقع أعلى قمّة (2925 متراً) للبلقان ولأوروبا الشرقية كلها. اسم "ريلسكي" هو نسبة إلى "ريلا" في اللغات السلافية.