Text Size

الأحد, حزيران/يونيو 24, 2018

 

Dmitr 100x133يُعتبر الأمير القديس الحسن العبادة ديميتري دونسكوي أحد شفعاء وحماة الأرض الروسية كونه منتصراً على التتر في أعوام 1376 و1378 وخاصة في 1380 (معركة كوليكوفو). كانت هذه أول انتصارات على العدو الذي كان يعذب روسيا حوالي قرن ونصف وكأنه لا يُقهر.

كانت ذكرى الأمير ديميتري حية في وعي الشعب دائماً وهي تتجدّد خاصة في فترات الحروب والأخطار. في القرن العشرين أثناء الحرب الوطنية العظمى كان اسم ديميتري دونسكوي إلى جانب اسم ألكسندر نيفسكي يُذكر في الخطابات الوطنية الرسمية والكنسية.

كان ديميتري إيفانوفيتش دونسكوي (1350 – 1389) الأمير المعظم لمقاطعتي موسكو وفلاديمير، وهو حفيد الأمير إيفان الأول كاليتا وابن أمير موسكو وفلاديمير المعظم إيفان الثاني. تبوّأ ديميتري العرش في سن التاسعة من عمره بعد موت والده، وكان ولي أمره ومربّيه هو القديس ألكسي مطران موسكو الذي تولّى إدارة الإمارة حتى بلغ ديميتري سن الرشد.

كان ديميتري هو أول أمير موسكو عزم على محاربة التتر. في عام 1378 قهر جيشه على ضفاف نهر فوجا (قرب مدينة ريازان) جيشاً تترياً قوياً تحت قيادة الميرزا بيغيتش الذي أرسله القائد التتري ماماي لنهب موسكو. كان الانتصار عند نهر فوجا أول انتصار حققه الروس على التتر في ميدان المعركة وأثبت هذا الحدث أن عصر باتو خان قد فات بلا رجعة وأن الروس قادرون على الانتصار على التتر. وقد فهم الشعب أنه ظهر لهم زعيم يقدر على بدء محاربة القبيلة الذهبية.

Dmitr  Ser 100x67      في عام 1380 قرّر ماماي وهو يلتهب حقداً الانتقام من موسكو. ولكن ديميتري بعد أن أخذ بركة القديس سيرجي رادونيجسكي واجه ماماي بجيشه وحقق نصراً متألقاً على الجيش التتري الضخم في ميدان كوليكوفو (الواقع بين نهريْ الدون وأوكا) في 8 سبتمر عام 1380، ولذلك لُقب الأمير ديميتري بـ"دونسكوي" (نسبة إلى نهر الدون). قبل المعركة أرشد الأمير جنوده بكلمات ملهمة: "حاربوا من أجل الرب والكنائس المقدسة والإيمان المسيحي، لأن هذا الموت ليس موتاً بالنسبة لنا، بل حياة أبدية". قاتل الأمير العدو في هذه المعركة كجندي بسيط وهو يلهم الآخرين بمثاله الشخصي، وأصيب نفسه بجروح بليغة.

لم تكن معركتا فوجا وكوليكوفو مجرّد مواجهة جيشين والتحام الأسلحة، بل مواجهة حضارتين وعقيدتين. هكذا كان الروس يستوعبون الأمر، شأنهم شأن أعدائهم. كان ماماي يقول قبل غزوه روسيا: "سآخذ الأرض الروسية وأخرّب الكنائس المسيحية وأغيّر دينهم إلى ديني وآمرهم بعبادة محمّد، وحيث كانت الكنائس هناك سأقيم مساجد وأعيّن أمرائي في كل المدن الروسية وأقتل الأمراء الروس".

أما ديميتري فقال لأمرائه وقادته وجنوده قبل انطلاقه من موسكو لمحاربة التتر: "حسن لنا يا إخوتي أن نضع رؤوسنا من أجل الإيمان المسيحي الأرثوذكسي، حتى لا يأخذ مدننا الكفرة ولا تُخرّب كنائس الله المقدسة ولا نشتّت على كل وجه الأرض ولا يساق زوجاتنا وأطفالنا إلى السبي ولا نُعذب من الكفار في كل الأيام، فلتتضرّع والدة الإله الفائقة القداسة إلى ابنها من أجلنا".

كانت معركة كوليكوفو حاسمة بالنسبة لمصير روسيا. لولا انتصار الروس فيها لكان من الممكن أن تختفي روسيا من خريطة أوروبا، وكلام ماماي دليل على هذا: "أريد أن أعمل ما قد عمله باتو خان!". ونتائج غزو باتو خان معروفة للجميع.

Baskaks 100x70أثبت ديميتري دونسكوي بانتصاره التاريخي على التتر أنه يمكن التخلّص من التبعية للقبيلة الذهبية بالقوات المتحدة للإمارات الروسية. بعد معركة كوليكوفو توقف ديميتري عن دفع الجزية للتتر. ولكن بما أن خسائر الجيش الروسي في هذه المعركة كانت فادحة لم يتمكن ديميتري من مقاومة العدو الجديد وهو الخان توختاميش. في عام 1382 خرّب توختاميش موسكو فاضطرّ الروس إلى دفع الجزية من جديد. ولكن بفضل الانتصار في معركة كوليكوفو أقرّت موسكو في عهد ديميتري دونسكوي مكانتها الرائدة في كل الأراضي الروسية كحاميتها، وقد ألحقت بالقبيلة الذهبية ضربة أسرعت في تفككها مما أدّى إلى تحرير روسيا والشعوب الأخرى.

الفضل الثاني لديميتري هو نشاطه السياسي كجامع الأراضي الروسية. لو لم يكن قد تمكّن من ذلك لما استطاع أن ينطلق بجيش روسي متحد قادر على هزم جيوش ماماي. منذ بداية حكمه قام الأمير ديميتري بحزم ضدّ نظام الإمارات المستقلة في روسيا حيث كانت كل إمارة قائمة بذاتها وحكامها في صراع دائم فيما بينهم. أخضع ديميتري أمراء سوزدال وريازان وتفير وقاوم الأمير اللتواني أولغرد الذي حاول الاستيلاء على إمارة موسكو. كما ضمّ إلى موسكو إمارات أخرى كثيرة نهائياً، وأخضع حتى نوفغورود العظيمة التي كانت دائماً في مواجهة مع موسكو. كان الأمير يعتمد في سياسته الرامية إلى تقوية الدولة الموحّدة على دعم كل من القديس ألكسي مطران موسكو والقديس سيرجي رادونيجسكي.

وأخيراً، الفضل العظيم للأمير ديميتري هو إقراره لنظام جديد لوراثة العرش، حيث صارت السلطة تنتقل بعد موت أمير موسكو إلى ابنه الأكبر وليس إلى أكبر أمير في العشيرة كما في السابق، الأمر الذي أدّى إلى منع إراقة الدماء من أجل المنافسة على العرش في المستقبل إلى حد كبير.

ومن ناحية أخرى، أظهر الأمير الحسن العبادة نموذجاً لحياة التقوى في العالم.

يرد في المؤلف الأدبي الشهير "كلمة حولة سيرة وانتقال الأمير المعظم ديميتري إيفانوفيتش" الذي تم تأليفه بعد موت الأمير بقليل إنه تربّى في تقوى ومجد مع إرشادات مفيدة للروح وأحبّ الله منذ صغره. كما نقرأ فيه أن الأمير الفتى كان يهتمّ بالروحانيات وهو صغير السن ولم يكن يخوض أحاديث باطلة ولم يكن يحب الكلام غير اللائق وكان يتهرّب من الناس الأشرار ويتحدث دائماً إلى الناس الأتقياء وكان يسمع كلمة الله بخشوع دائماً ويهتمّ بكنائس الله اهتماماً كبيراً. كان ديميتري الذي تربّى على يد القديس ألكسي يعيش منذ صغره الجو الروحي للنسك الروسي الذي شكّله القديس سيرجي رادونيجسكي وتلاميذه.

كان الأمير يسعى في كل حياته إلى أن يكون لائقاً باسم شفيعه السماوي القديس ديميتريوس المفيض الطيب الذي يكرمه الشعب الروسي كثيراً. وحتى طروبارية ديميتري دونسكوي تمّت صياغتها على غرار طروبارية القديس ديميتريوس شفيعه.

كان الأمير المعظم يأخذ بركة الكنيسة لكل أعماله – العسكرية والسياسية والمدنية. تخبر المدوّنات التاريخية أنه كان يزور الكنيسة يومياً ويصوم صوماً صارماً ويلبس تحت ملابسه مسحاً من الشعر ويتناول من الأسرار المقدسة كل أحد.

من أمثلة التقوى الشخصية للأمير ديميتري زواجه بالأميرة إفدوكية الذي يمكن اعتباره نموذجاً للأسرة المسيحية المقدسة لكل الأزمنة. كان هذا المثال مهمّاً بالنسبة لروسيا حيث لم يكن هناك مثال أعلى للأسرة المسيحية لفترة طويلة وكانت الرهبنة هي النموذج الوحيد للتقوى.

ظهرت بفضل الأمير ديميتري دونسكوي تاريخان جديدان في التقويم الكنسي للكنيسة الروسية: تذكار استخراج رفات الأمير القديس ألكسندر نيفسكي وسبت الأموات الذي يسبق عيد القديس ديميتريوس العظيم في الشهداء.

استخراج رفات الأمير ألكسندر نيفسكي سبقته المعجزة التالية. في الليل قبل انطلاق الأمير المعظم بجيشه من موسكو لمحاربة التتر رأى خدّام الهيكل في كاتدرائية الرقاد بمدينة فلاديمير أن الشمعة عند ضريح ألكسندر نيفسكي أُشعلت من تلقاء نفسها وخرج من الهيكل شيخان وقوران (قد يكونان المطرانان القديسان بطرس وألكسي) وتقدّما من الضريح قائلين: "قم يا ألكسندر وأسرع إلى معونة ابن حفيدك الأمير المعظم ديميتري الذي تكالب عليه الكفار". وفي الحال قام الأمير ألكسندر المجيد من التابوت كأنه حي فاختفى الثلاثة عن الأنظار.

Kulikovo Monument 100x141         أما تذكار الراقدين قبل عيد القديس ديميتريوس فتاريخه كهذا. قبل انطلاقه إلى معركة كوليكوفو زار الأمير ديميتري دير القديس سيرجي رادونيجكسي وأخذ بركته وتنبّأ له القديس بالنصر وأعطى له راهبين من رهبانه هما ألكسندر بيريسفيت وأندري أوسلابيا اللذان اشتهرا كجنديين ماهرين قبل دخولهما الرهبنة. بعد الانتصار زار ديميتري القديس سيرجي مجدداً وأقيم في الدير تذكار جميع الجنود الأرثوذكس الذين سقطوا في معركة كوليكوفو (خدمة كنسية لأجل الراقدين ومأدبة مشتركة). ومع الوقت تشكل هناك تقليد تذكار الراقدين بهذه الطريقة سنوياً، فمنذ ذلك الحين صارت تقام في روسيا في السبت الذي يسبق عيد القديس ديميتريوس (26 أوكتوبر/ 8 نوفمبر) خدم كنسية لأجل الراقدين، ليس الجنود الذين سقطوا من أجل الوطن والإيمان فقط، بل جميع المسيحيين الأرثوذكسيين الراقدين.  

أشار الكثيرون من معاصري الأمير ديميتري إلى كرامته وحبّه الكبير لشعبه وأعماله الخيرية ورحمته للفقراء والمساكين وحسن معاملته للتابعين له. كان نشاطه يتميز بحكمة وأخلاق سامية، حيث كان يتهرب من الطرق القاسية والمعاملة الخشنة التي كانت من صفات عصره. كما دخل في التاريخ الروسي كباني كنائس كثيرة.

إكليل حياته الأرضية كان رقاده المسيحي اللائق. عندما شعر الأمير ديميتري باقتراب أجله أرسل إلى القديس سيرجي ليأتي. كان القديس سيرجي الذي تابع كل مسيرة حياة الأمير شاهداً رئيسياً عند صياغة وصيته الروحية وأرشده قبل الموت بالأسرار الكنسية (الاعتراف، المناولة، مسحة المرضى).

Dmitr1 100x134انتقل الأمير ديميتري إلى الحياة الأبدية في سن التاسعة والثلاثين ودُفن في كاتدرائية رؤساء الملائكة في موسكو قرب أضرحة أبيه وجده وأبي جده. تم إعلان قداسته أثناء عمل المجمع المحلي للكنيسة الروسية عام 1988 وذلك "بناء على أفضاله الكثيرة أمام الكنيسة وشعب الله، كما على أساس حياته التقية الشخصية". تُحفظ رفاته في مكان مخفي في كاتدرائية رؤساء الملائكة للكرملين.

 

طروبارية الأمير القديس ديميتري دونسكوي*:

إن الأرض الروسية وجدتك منجداً عظيماً في الشدائد وقاهراً للأمم أيها الأمير ديميتري. فكما أنك حطّمت تشامخ ماماي على ضفاف الدون وجاهدت آخذاً بركة القديس سيرجي، كذلك تشفّع إلى المسيح الإله أن يمنحنا عظيم الرحمة.

----------------------

* ترجمة الطروبارية من اللغة السلافية الكنسية من إدارة موقع التراث السلافي الأرثوذكسي.

المجموعة: قدّيسو روسيا