Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Thursday, December 14, 2017

Text Size

 

Peresvet Icon 100x140في الوقت الذي كانت فيه روسيا المُعذبة تئنّ تحت نير الاحتلال التتري الثقيل لأكثر من قرن ونصف من الزمان شاء الله أن يهب الأرض الروسية رجلاً عظيماً مختاراً وهو القديس سيرجي. قام أحد خانات التتر المستكبرين "ماماي" بحشد جيش كبير ضدّ روسيا.

وباءت محاولات الأمير المعظم ديميتري إيفانوفيتش في استعطاف الخان التتري بالهدايا وبالطاعة له بالفشل، فأبى ماماي حتى أن يستمع إلى الأمير. وتحرّك عسكر التتر نحو حدود روسيا كغيمة سوداء.

جهّز الأمير المعظم ديميتري إيفانوفيتش جيشاً للتصدّي ولكنه رأى من واجبه أن يزور أولاً دير الثالوث المُحيي ليسجد هناك للإله الواحد المُمجّد في الثالوث وليأخذ بركة وإرشاد مُدبّر الدير القديس سيرجي. ركع الأمير المعظم أمام القديس الحامل الإله الذي رشمه بالصليب المقدّس قائلاً بحماس: "اذهب يا سيدي ولا تخف! الرب سيعينك على الأعداء الكفار!". ثم همس في أذن الأمير لكي لا يسمع غيره: "ستنتصر على أعدائك".

Dmitr  Ser 100x67   تقبّل الأمير المعظم كلمة النبؤة هذه من القديس بعذوبة في قبله وأدمعت عيناه بسبب تأثّره وصار يطلب من القديس سيرجي عطية مميّزة ليتبارك بها جيشه وكأنها عربون على وعد القديس له برحمة الله.

في ذلك الوقت كان من بين الإخوة الرهبان المتنسّكين في دير الثالوث المُحيي تحت قيادة القديس سيرجي ضد الأعداء الغير منظورين راهبان من طبقة النبلاء هما ألكسندر بيريسفيت (Peresvet) وأندري أوسْلابيا (Oslyabya). كانت شجاعتهما وشدّة بأسهما في فنون القتال لا تزال في ذاكرة الجميع، وقبل أن يترهبنا كانا قد اشتهرا كمحاربيْن شجاعيْن وكبطلين شديديْ البأس وكانا خبيرين ماهرين في أمور الحرب. طلب الأمير المعظم من القديس سيرجي بأن يكون هذان الراهبان البطلان في صفوف جيشه، إذ أنه كان يأمل بأن هذين الرجلين الذين قد كرّسا نفسيهما بالكامل لله يمكن أن يكونا قدوة لبقية العسكر بشجاعتهما، وبهذا سيقدّمان له خدمة عظيمة.

ولم يلبث القديس سيرجي أن استجاب لطلب الأمير المعظم المبني على إيمان وثقة فأمر في الحال بيريسفيت وأوسلابيا بأن يجهّزا نفسيهما للعمل العسكري. تقبّل الراهبان الشجاعان بفرح أوامر شيخهما وراعيهما المحبوب، أما القديس سيرجي فأمرهما بأن يلبسا بدلاً من الخوذة والدرع الإسكيم المزيّن بصليب المسيح وقال: "يا ولديّ، هذا هو السلاح الذي لا يفسد، ليكن لكم بدلاً من الخوذة والدروع ". بعد أن أوكلهما للأمير المعظم قال له القديس: "هاك أيها الأمير المحبوب تلميذيَّ وحامليْ سلاحي" . ثم توجّه لهما بالحديث قائلاً: "سلام لكما يا أخويّ المحبوبيْن في المسيح، تشدّدا كجندييْن شجاعيْن للمسيح! قد حان وقتكما للعمل".

حانت ساعة المعركة الرهيبة التي كان من شأنها أن تقرّر مصير روسيا في ذلك الوقت. عند انتصاف يوم 8 سبتمبر من عام 1380 وقف الجيشان وجهاً لوجه عند مصبّ نهر نيبريادفا (Nepryadva). وفجأة تقدّم من صفوف التتر محارب عظيم الطول ضخم البنية مخيف الشكل. كان اسمه "تشيلوباي" وكان أصله من البجناك. هزّ رمحه متوعّداً ومتشامخاً بقوته مثل جُليات ودعا أيّاً من الفرسان الروس للخروجلمصارعته. كان من المُخيف النظر إلى هذا العملاق، وكان الروس يفكّرون في أنفسهم: "لو كان هناك أحد من جماعتنا يقدر على أن يصرعه!". بالرغم من وجود الكثير من الفرسان في وسطهم لم يتجرّأ أحد على التطوّع لمثل هذه المهمة.

مضت بضع دقائق من الانتظار الثقيل، وها هو أحد راهبيْ القديس سيرجي يتقدّم خارجاً، وهو تلميذه المجاهد لابس الإسكيم ألكسندر بيريسفيت. لم يحتمل التعييرات من التتري الوقح لصفوف الجيش الأرثوذكسي واشتعل غيرةً للإيمان المسيحي ومحبّة للوطن الغالي. فتقدّم على حصانه إلى الأمام متوجّهاً إلى الأمير المعظم ديميتري إيفانوفيتش وإلى باقي الأمراء قائلاً: "لا تضطربوا البتّة، عظيم هو إلهنا وعظيمة هي قوّته! التتري المستكبر لا يتوقع أن يجد بين صفوفنا فارساً كفؤاً لقتاله، لكنني أرغب في منازلته وسأخرج إليه باسم رب القوات مستعدّاً لقبول إكليل الملكوت السماوي!"

كان ألكسندر يلبس بدلاً من الدرع والخوذة إسكيماً ملائكيّ الهيئة بحسب بركة القديس سيرجي، وعلى هذه الثياب من الرأس والصدر والظهر علامة جندي المسيح وهي صليب الرب. عند خروجه للمصارعة رشّ الراهب المحارب الشجاع نفسه بالماء المقدّس وودّع أخاه أندري أوسلابيا ثم ودّع الأمير المعظم مع جميع قوّاده وكل الجيش الأرثوذكسي وهتف بصوت عالٍ: "يا آبائي وإخوتي! سامحوني أنا الخاطئ!". فأجابه الجميع: "الله يغفر لك ويباركك ويعينك بصلوات الأب سيرجي".

Peresvet Vasnetsov 100x60كان الجميع متأثرين لحد الدموع بتضحية هذا الراهب، وصلّى الجميع لله بأن يعينه كما أعان في القديم داود على جليات. أما هو فانطلق على حصانه السريع مثل البرق بإسكيمه وبدون خوذة ولا درع متسلحاً برمح ثقيل هاجماً على التتري. تعالت الأصوات من كلا الجانبين، واقترب الفارسان من بعضهما البعض وتبادلا الضربات برماحهما الثقيلة وكانت أصوات ضربات الرماح عالية وقوية وثقيلة حتى أن أرض المعركة اهتزت، فسقط كلاهما ميّتين على الأرض.

وسقط الكثير من المحاربين الروس الشجعان في ساحة المعركة تلك. يرد في المدوّنات التاريخية بأنه من أصل 150 ألف محارب عاد إلى موسكو قرابة الأربعين ألف، كما سقط الكثير من القوّاد في تلك المعركة الدموية. لكن قتلى التتر كانوا أكثر بمرّتين، وانتهت المعركة بهزيمة تامة لعسكر ماماي وهروبه من أرض المعركة التي تناثرت فيها جثث قتلى التتر.

بينما كانت معركة "كوليكوفو" دائرة جمع القديس سيرجي الإخوة الرهبان في دير الثالوث المُحيي ورفع صلاة قلبية لله من أجل نجاح هذه المهمّة العظيمة. كان واقفاً بالجسد في كنيسة الثالوث القدوس يصلّي، أما بالروح فكان في حقل كوليكوفو ينظر بعيون الإيمان كل ما حدث هناك. كان كشاهد عيان يعرّف إخوته الرهبان خطوة بخطوة بنجاحات الجيش الروسي، ومن وقت لآخر كان يسمّي الأبطال الذين سقطوا بأسمائهم ويرفع بنفسه صلاة لأجل الراقدين وأمر الإخوة بأن يعملوا الشيء نفسه. أخيراً بشّرهم القديس سيرجي بهزيمة تامة للعدو ومجّد الله الناصر للسلاح الروسي.

بعد عودته إلى موسكو وتسريحه للجيش المنتصر جاء الأمير المعظم ديميتري إيفانوفيتش الذي بعد هذه المعركة أصبح يُدعى "دونسكوي" إلى دير الثالوث المُحيي مجدداً لكي يقدّم شكراً لله القوي في القتال وليخبر الستاريتس العظيم شخصياً بهذا النصر الذي أنعم الله به عليه ويشكره لصلواته الحارة والمعونة التي قدّمها المحاربان صاحبا الإسكيم الملائكي. كم كان هذا اللقاء بين الأمير الحسن العبادة والستاريتس القديس فرحاً! استقبله القديس سيرجي على بوابة الدير بالإيقونات المقدسة والماء المقدس ورشمه بالصليب وهنّأه بالنصر. شرح الأمير المعظم للقديس عن سير المعركة وأخبره بالموت البطولي لتلميذه الشجاع ألكسندر بيريسفيت قائلاً: "أيها الأب القديس، لو لم يقتل تلميذك بيريسفيت ذلك العملاق التتري، لكان سقط الكثيرون بسيفه المميت. عدا عن ذلك هناك عدد كبير من العساكر المسيحيين سقطوا على يد التتر. صلِّ لأجلهم أيها الأب القديس!".  

عند زيارته هذه لدير الثالوث القدوس أمر الأمير المعظم بإقامة صلوات التريصاجيون لأجل جميع الذين سقطوا في حقل "كوليكوفو". ومع الوقت تشكل هناكتقليد تذكار الراقدين بهذه الطريقة سنوياً، فمنذ ذلك الحين صارت تقام فيروسيا في السبت الذي يسبق عيد القديس ديميتريوس (26 أوكتوبر/ 8 نوفمبر) خدمكنسية لأجل الراقدين، ليس للجنود الذين سقطوا من أجل الوطن والإيمان فقط، بل من أجل جميع المسيحيين الأرثوذكسيين الراقدين (وهو ما يسمّى في التقويم الكنسي الروسي بـ"سبت ديميتري للأموات"). 

Moneta 100x95   بعد الانتصار في معركة "كوليكوفو" أمر الأمير المعظم بنقل جسد البطل الشهيد بيريسفيت إلى موسكو، فقرّر القديس ثيودور تلميذوابن أخي القديس سيرجي أن يدفنه عنده في دير سمعان٭. أما أندري أوسلابيا فبقي حياً معافىً بعد المعركة مع التتر. بعد موته دُفن بجانب صاحبه ألكسندر بيريسفيت. لم يتم استخراج جسديهما أبداً وهما يستريحان في مكان مخفي في كنيسة ميلاد والدة الإله في دير سمعان القديم.

يُعيّد لتذكارهما في 7 سبتمبر.

 

المراجع:

Архиепископ Никон Рождественский. Житие и подвиги преподобного и Богоносного отца нашего Сергия, игумена Радонежского и всея России чудотворца. – М.: Ковчег, 2011. – С. 290-316

         Троицкий патерик. – Свято-Троицкая Сергиева Лавра, 2008. – С. 18-20

--------------------------------

٭ دير سمعان لرقاد والدة الإله هو دير للرهبان تم تأسيسه في عام 1370 من قبل القديس ثيودور ابن أخي القديس سيرجي قريباً من موسكو. ترجع تسمية الدير "سمعان" إلى صاحب الأرض التي أقيم الدير عليها وهو الإقطاعي ستيبان خوفرين الذي تبرّع بها للدير واسمه في الرهبنة سمعان. ارتبط بهذا الدير عدد من الأحداث المحورية في تاريخ روسيا. كان القديس سيرجي يعتبره ديراً متفرّعاً من دير الثالوث القدوس وكان يقيم فيه عند كل زيارته لموسكو. في عام 1379 تم نقل الدير إلى مكانه الحالي بموسكو.