Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Sunday, May 27, 2018

Text Size

 

Amf 95x150إنّ هذا الاسم يحمل في أوكرانيا المعنى ذاته الذي يحمله نسّاك روسيا العظام. وهذا له دلالة خاصة لأن الستاريتس أمفيلوخيوس هو معاصر لنا. القديس أمفيلوخيوس البوتشاييفي المتوشح بالله هو واحد من الأبرار المنحدرين من أوكرانيا الذين هم في عداد القديسين في الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية.

الهيجومينوس اللابس الإسكيم أمفيلوخيوس (اسمه في العالم يعقوب هولوفاتيوك) ولد في قرية "مالايا إيلوفيتسا" في مقاطعة فولين (محافظة تيرنوبل حالياً) في أسرة كثيرة الأطفال للفلاح التقي برنابا وأخذ اسم يعقوب في المعمودية.

كان برنابا أباً لعشرة أطفال ولذلك كان يقوم بأعمال كثيرة فكان يصنع دواليب العربات وعربات الثلج، وكان يأتي إليه الفلاحون المرضى طلباً للعلاج لأنه كان مُجبّراً جيداً للعظام. وفي شبابه ساعد يعقوب أباه كثيراً من المرات في تجبير العظام المكسورة. وأفادته هذه الخبرة المُكتسبة في شبابه بالإضافة إلى موهبته الطبيعية فيما بعد.

في عام 1912 دُعي يعقوب للخدمة في الجيش الروسي. وفي فترة الحرب العالمية الأولى أدّى خدمته للوطن وللقيصر بكل شجاعة، وعُيّن للخدمة في قسم التمريض. وفي نهاية الحرب وقع في الأسر النمساوي. في عام 1919 وبمعونة إلهية هرب من الأسر، وعاد إلى بيته وكان يعاون والديه في أعمال الفلاحة الشاقة.

بعد عودته من الجيش خطب يعقوب فتاة حسنة ونوى على الزواج. وبحسب التقاليد ذهب لكاهن القرية ليأخذ بركته على الزواج. أما الكاهن فقال له: اذهب يا يعقوب إلى لافرا بوتشايف، فإنّ مكانك هناك.

في عام 1925 دخل يعقوب لافرا بوتشايف بعد أن اجتاز باستحقاق كل أعمال الطاعة، وفي 8 يوليو من سنة 1932 رُسم راهباً باسم يوسف.

وذاع صيت الأب يوسف بسرعة في كل مقاطعة فولين كناسك زاهد وكمجبّر عظام بارع وطبيب فأصبح الناس يتوافدون عليه ليلاً ونهاراً دون توقّف. كانوا يُحضرون إليه مرضى كثيرين، ونحو مئة عربة كانت تقف على طول الشارع، لأن العلاج عند الأطباء كان يتطلب نقوداً، أما الستاريتس فلم يكن يأخذ النقود.

ولكن حضور الناس بأعداد كبيرة كهذه أصبح متعباً للدير ونزع عنه صفة الهدوء، فقال رئيس الدير ليوسف: "أنت راهب جيد، ولكن بسببك لا ينعم إخوتك الرهبان بالهدوء". فبارك رئيس الدير يوسف لينتقل للعيش في كنيسة المقبرة. تقبل الأب يوسف هذا الأمر كرحمة عظيمة من الله بحيث سمحت عناية الله له بأن يعيش حياة عزلة مليئة بأسرار جهادات النسك الروحي. ومن أول يوم في مكانه الجديد أصبح صوّاماً صارماً.

Amf1 100x115وبعد فترة من الوقت وتلبيةً لتوسلات الزوّار وإلحاحهم صار الأب يوسف يصلي من أجل شفاء المرضى المصابين بالأمراض المُستعصية فاستجاب الله لصلواته وأرسل الأشفية. أما الأب يوسف فكان يحاول أن يكتم الشهرة التي انتشرت عن المعجزات التي تجري على يديه ويقول: "إن الله أرسل الأشفية من أجل غيرتكم لمقدّسات دير بوتشايف ومن أجل دموعكم وصلواتكم، أما أنا فإنسان خاطيء لا أجرؤ أن أصلي من أجل أي أحد، بل أصلي من أجل غفران خطاياي". بصلوات الأب يوسف شفي أصحاب العاهات المزمنة والصُّمّ والعُمي. وكان الكثيرون ينالون التعزية في مصائبهم والحلول لمشاكلهم الحياتية المستعصية. كان عدد كبير جداً من الناس يأتون إليه من أجل الشفاء من الأمراض النفسية والتخلّص من الأرواح الشريرة.

في أثناء الحرب الوطنية العظمى كان الأب يوسف يعظ بلا خوف عن إقتراب موعد التحرر من نير الفاشيين المحتلين، ودعى المؤمنين إلى أن يكونوا أوفياء لبطريرك موسكو وسائر روسيا واتّهم المستقلين المنشقين عن الوحدة الكنسية بالخيانة لإيمان الآباء.

في نهاية الحرب حضرت إلى مقبرة الدير في بوتشايف فرقة إعدام من أنصار استقلال أوكرانيا الموالين للفاشية ليقتلوا الأب يوسف. لكن الفلاحين علموا بذلك وأخبروا إخوة اللافرا، فخبّأ الرهبان الأب يوسف مخاطرين بحياتهم. بعد ذلك انتقل الأب يوسف للإقامة في اللافرا.

بعد انتهاء الحرب وعندما بدأت السلطات بتشديد الاضطهاد على الكنيسة جاهر الأب يوسف بالإيمان وفضح الإلحاد بشجاعة، وكان يثبّت المتذبذبين في الإيمان الأرثوذكسي القويم. وأصبح الكثير من كبار رجالات الدولة السوفييتية مسيحيين أتقياء بعد المعجزات التي حصلت مع ذويهم بصلوات الأب يوسف، وكان الآلاف يدخلون في الإيمان بعد التحدّث مع الستاريتس.

في عام 1963 قررت السلطات المحلية إغلاق لافرا بوتشايف، وتعرّض الرهبان والمؤمنون للملاحقة والنفي والاعتقال. ولكن دير بوتشايف كان اللافرا الوحيدة في كل روسيا (من بين الأديرة الخمسة الحاصلة على لقب "لافرا") لم تنقطع فيه الصلوات ونجح المؤمنون في الدفاع عنها.

كان الأب يوسف أحد مُلهمي المُعارضة الشعبية لإغلاق اللافرا. كان يخدم في كنيسة الثالوث القدوس في اللافرا ليلاً ونهاراً ويقيم الصلوات من أجل المرضى. ولهذا السبب أُُلقي القبض عليه في إحدى الليالي وعرّوه وأودعوه في مستشفى الأمراض النفسية في عنبر المرضى الشرسين. ولم يتم إطلاق سراح الأب يوسف إلا بصعوبة بالغة وبوساطة مسؤولين كبار في الحكومة كان الله قد صنع معهم معجزات بصلواته.

انتقل الأب يوسف بعد إطلاق سراحه إلى قريته وسكن عند أقاربه. وبعد فترة وجيزة ابتدأت جماهير من الناس تتقاطر إلى القرية. فوضعت السلطات وظيفة حراسة أمنية على مدار 24 ساعة عند البيت الذي كان يعيش فيه الأب يوسف.

كان أحد أقارب الأب يوسف عميلاً للشرطة، فاستدرج الأب يوسف إلى مكان قفر بإيعاز من الشرطة وانهال عليه بالضرب بقسوة وألقاه في الماء وذلك في شهر ديسيمبر البارد. فتم العثور على الأب يوسف بأعجوبة وهو بين الحياة والموت. وفقد الجميع الأمل في أن يعيش لليوم التالي، لذلك ألبسوه الإسكيم الكبير في تلك الليلة وأعطوه إسم أمفيلوخيوس. ولكن الله شفاه وأقامه.

انتقل الأب أمفيلوخيوس للعيش عند أقارب له وذلك ليُجنّب اللافرا غضب السلطات. ومن جديد بدأ الناس بالتوافد عليه فكانوا يأتون إليه من جورجيا ومن مولدافيا ومن موسكو ومن آسيا الوسطى ومن الشرق الأقصى. في الفترة الصيفية كان الستاريتس يستقبل في اليوم الواحد أكثر من 500 شخص. بعد الصلاة كان يُجلس الجميع حول طاولة ضخمة صُنعت خصيصاً في فناء البيت من أجل مائدة المحبة، وبعد الأكل كان الجميع يرتلون تراتيل الكنيسة ويلقون الأشعار الروحية.

كان الأب أمفيلوخيوس يعرف الكثير من التراتيل، وكان يُبهر الجميع بصوته الجهوري المخملي. كان يُكرّس نهاره للعمل ويقضي الليالي في المطانيات والصلاة بدموع. وكان يُعلّم بأن جذور عدم الإيمان تكمن في قساوة قلوب البشر الغير مؤهلة لاستيعاب المحبة الإلهية ويقول: "الخطيئة مثل الشبكة تلتفّ حول القلب، والعداوة والحقد مثل الأصفاد تُقيّده. لقد قتل الناس الأشرار القيصر البارّ، والأشرار يزدرون بالشعب الأرثوذكسي ويسخرون منه". كان يقول: "إنها لسعادة عظيمة بأن الله أهّلنا أن نولد في الإيمان الأرثوذكسي في بلد أرثوذكسي من أبوين أرثوذكسيين وهناك كثير من الشعوب لا تعرف الأرثوذكسية. فكم بالأحرى وجب علينا أن نشكر الله على نعمته علينا!"

كان الستاريتس حتى أيّامه الأخيرة تحت مراقبة جهاز المخابرات السوفييتي "كي جي بي" الذي جنّد إمرأة من الناس المحيطين به لتراقبه، ورغم معرفته بعمالتها ومعاملتها السيئة له فقد صبر على ذلك بكل وداعة، وكان أبناؤه الروحيون يطلبون منه بأن يطرد هذه المرأة، لكنه كان يجيب: "هكذا مشيئة الله".

تمت محاولة اغتياله بوضع السّم له في الطعام أكثر من مرة. في يوم من الأيام كان مدعواً إلى أحد البيوت للطعام، وبعد صلاة المائدة رشم صحنه بعلامة الصليب فانكسر الصحن مباشرة. فخرج من ذلك البيت دون أن ينبس بكلمة واحدة ودون أن ينظر حتى إلى أهل البيت. تنبأ الستاريتس عن موته وقبل أربعة شهور من رقاده قال باكياً: "كم سيكون هذا مخيفاً عندما ينهال التراب المتجمّد على غطاء التابوت". ورقد في الأول من يناير سنة 1971.

تداعى الناس بأعداد هائلة من كل أنحاء الاتحاد السوفييتي، وذلك بالرغم من أعياد رأس السنة. البريد كان مليئاً بأكوام من البرقيات التي تطلب بأن يتأجّل الدفن لكي يتسنى للناس الحضور.

ومنذ ذلك اليوم على مدى أكثر من 30 عاماً قبل إعلان قداسة الستاريتس لم تنطفئ الشموع ولم تتوقف خدمة الصلاة من أجل راحة نفس الستاريتس على ضريحه، وطوال هذا الوقت كانت تجري هناك معجزات شفاء عجيبة.

Amf2 100x134في 11-12 مايو عام 2002 ترأس غبطة ميتروبوليت كييف وسائر أوكرانيا فلاديمير مع 16 من الأساقفة ترتيب إعلان قداسة القديس أمفيلوخيوس المتوشح بالله. أُُستخرج جسد القديس الطاهر قبل عيد الفصح وكان غير متحلل ولم يخضع للفساد. لقد كانت حالة جسده مثل حالة أجساد القديسين الراقدين في لافرا مغاور كييف. وكأنّ القديس رقد ونام البارحة وليس في عام 1971.

وبالرغم من أنه لم يتم الإعلان عن خدمة إعلان قداسة الستاريتس، إلا أن الحضور كان قد تجاوز العشرين ألفاً من الزوار من بيلوروسيا ومولدافيا وموسكو وسانت بطرسبورغ. وبينما كان الشعب الأرثوذكسي يتدافع إلى كنيسة رقاد العذراء للافرا بوتشايف لتكريم القديس والسجود له ليومين متتاليين حدثت الكثير من معجزات الشفاء.

تعيّد الكنيسة للقديس أمفيلوخيوس في 29 أبريل (بحسب التقويم اليولياني).