Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Tuesday, November 20, 2018

Text Size

 

Ilar Icon1 100x150عاش القدّيس إيلاريون في عصر أمير كييف العظيم ياروسلاف الحكيم ودخل في تاريخ الكنيسة الروسية كأوّل المطارنة من الأصل الروسي وكصاحب أوّل مؤلّف أدبي روحي روسي "الكلمة حول الناموس والنعمة".

كانت الكنيسة الروسية في ذلك العصر مطرانية تابعة لبطريركية القسطنطينية، ومطارنتها كان يتمّ تعيينهم ورسامتهم في بيزنطة. كان إيلاريون كاهناً في كنيسة الرسل في قرية "بيريستوفو" في ضواحي كييف، وكان أباً روحياً وناصراً للأمير ياروسلاف. يقول القديس نسطور في مدوّنته التاريخية "أخبار الأعوام الغابرة": "كان الأمير المحبّ لله ياروسلاف يحبّ قرية بيريستوفو وكنيسة الرسل التي هناك، وكان يكرم كثيراً من الكهنة ويعيلهم. وكان من بينهم كاهن اسمه إيلاريون، رجل صالح ومتعلّم وصوّام. كان يذهب من بيريستوفو إلى الدنيبر إلى التلة حيث يقع الآن دير المغاور العتيق ويصنع هناك صلاة في حرش كثيف. وحفر هناك مغارة صغيرة ذات 2 ساجين* وكان يأتي من بيريستوفو إليها ويرتل فيها السواعي ويصلّي في عزلة إلى الله...". النقطة المهمّة هي أن هذه المغارة أعطت بداية لدير مغاور كييف الشهير بعد أن انتقل إيلاريون إلى كييف وسكن في هذه المغارة الراهب الروسي أنطونيوس الذي جاء من آثوس، فاجتمعت حوله الإخوة الرهبان بعد قليل.

كان إيلاريون مشهوراً بين الكهنة الروس كرجل الحياة الروحية السامية وصاحب موهبة الوعظ. كان يكرّس كل قواه لخدمة الكنيسة، ولذلك قرّر مجمع الأساقفة الروس بعد موت مطران كييف ثيوبيمبتوس الرومي رسامة إيلاريون مطراناً لكييف دون التوجّه إلى القسطنطينية، وذلك نظراً للخلاف الحربي بين روسيا الكييفية وبيزنطة في ذلك الوقت. أقرّ الأمير ياروسلاف هذا الاختيار واستحسنه. تمّت إقامة إيلاريون مطراناً في كاتدرائية آيا صوفيا في عام 1051.

لم تدم فترة رئاسة إيلاريون لمطرانية كييف طويلاً. تاريخ رقاده غير معروف، لأن اسمه اختفى من صفحات المدوّنة التاريخية بعد أن عاد المطارنة البيزنطيون إلى كييف. من المعروف أنه لم يكن حاضراً في جناز الأمير ياروسلاف (20 فبراير 1054)، وفي عام 1055 وصل مطران جديد إلى كييف. فبالتالي، من الأرجح أن إيلاريون رقد في عام 1053.

من المعتقد أنه قضى أيامه الأخيرة في دير المغاور، وضريحه كان موجوداً هناك. تاريخ إعلان قداسته غير معروف، إلا أنّ هناك تقليد قديم لتكريمه كقدّيس وصانع العجائب. يُذكر اسمه بين أسماء قدّيسي مغاور كييف الآخرين في النصوص الليتورجية. يعيّد له في يوم تذكار مجمع آباء مغاور كييف (الأحد الثاني من الصوم الكبير) وفي يوم تذكار آباء المغاور القريبة (28 سبتمبر/ 11 أكتوبر).

 

"الكلمة حول الناموس والنعمة"

Slov 10 100x141     هو أوّل مؤلف روحي روسي ومن أروع نماذج الأدب الروسي القديم. أُدرجت مقتطفات من هذا النص في كل الكتب المدرسية لتاريخ الأدب الروسي. تم تأليفه في الفترة بين عام 1037 و1050. محتوياته عميقة ومتعدّدة النواحي. تتميّز "الكلمة" بعمق الفكر اللاهوتي وبنزعة وطنية واضحة. من ناحية المضمون يمكن تقسيم المؤلف إلى ثلاثة أجزاء.

الجزء الأول هو بمثابة مقدّمة تاريخية فلسفية مبنية على التأمّل في العلاقة بين العهدين القديم والجديد. يستنتج المؤلِّف أن العهد الجديد هو النعمة المعطاة للبشرية من الرب يسوع المسيح الذي كفّر عن جميع خطايا البشر بموته على الصليب وفتح لجميع الشعوب باب الخلاص بقيامته من الأموات. يستند إيلاريون إلى صورتيْ سارة وهاجر لشرح فكره، وهذا أوّل نموذج للتفسير الرمزي لصور الكتاب المقدّس في الأدب الروسي.

يشدّد إيلاريون على أن الناموس هو مجرّد سابق وخادم للنعمة والحق. أما النعمة والحق فهما خادما حياة الدهر الآتي الحقيقية: "أخبر موسى والأنبياء بمجيء المسيح، أما المسيح ورسله فأخبروا بالقيامة والدهر الآتي". يشبّه القديس إيلاريون مستنداً إلى بولس الرسول صورة هاجر الجارية بالعهد القديم وصورة سارة الحرّة بالعهد الجديد: "طُردت هاجر الجارية مع ابنها إسماعيل، وكان إسحاق ابن الحرّة وارثاً لإبراهيم. هكذا طُرد اليهود وتشتّتوا في جميع البلدان، وصار المسيحيون أبناء النعمة ورثة لله الآب."

يعير المؤلّف اهتماماً بموضوع تفوّق المسيحية على اليهودية. كان هذا الموضوع حيوياً بالنسبة لروسيا الكييفية في ذلك العصر: كان قد حاول اليهود الذين حضروا إلى الأمير فلاديمير إقناعه باعتناق دينهم، وكان القديس ثيودوسيوس رئيس دير المغاور يذهب إلى الحي اليهودي في كييف للكرازة بالمسيح المصلوب. نعرف من سنكسار آباء مغاور كييف أن اليهود حاولوا أن يكسبوا لدينهم القدّيس نيكيتا الحبيس عندما كان راهباً في دير المغاور. لذلك يتطرّق إيلاريون إلى هذا الموضوع في مؤلّفه.

في الجزء الثاني من "الكلمة" يطوّر إيلاريون موضوع خلاص روسيا بالنعمة ويشدّد على أن النعمة انتشرت فيها بعد معمودية الأمير فلاديمير، وبالتالي لم يرفض الرب روسيا بل خلّصها وقادها إلى معرفة الحق.

تعطي "كلمة" إيلاريون الفكرة عن الخطوات الأولى للمسيحية في روسيا. من الواضح أنه ينظر إلى المسيحية بتفاؤل كبير وبإيمان عميق في أن الخلاص ممنوح للجميع الذين قبلوا المعمودية المقدّسة وأن المسيحية قد نوّرت روسيا وفتحت لها الباب إلى الأخدار الإلهية. نلاحظ فرح المؤلف وهو يتحدّث عن دخول روسيا في أسرة الشعوب المسيحية: "... قد انتشر الإيمان ذو النعمة في الأرض كلها ووصل إلى شعبنا الروسي، وها نحن نمجّد الثالوث القدّوس مع جميع المسيحيين، أما مملكة يهوذا فساكتة، قد قُبل الوثنيون ورُفض اليهود. لم يعد الروس يُدعون خدّاماً للأصنام بل مسيحيين، ولم نعد نبني بيوتاً للأصنام بل كنائس المسيح. لم نعد نذبح ذبائح للأصنام بل يُذبح المسيح لأجلنا ذبيحة لله الآب. قد رحم الله الصالح كل البلدان ولم يرذلنا نحن أيضاً بل أراد أن يخلّصنا وأن يقودنا إلى معرفة الحق".

الجزء الثالث هو مديح للجهاد التبشيري للأمير فلاديمير (اسمه في المعمودية باسيليوس) الذي يشبّهه إيلاريون بالإمبراطور قسطنطين، كما يشيد إيلاريون بالأمير ياروسلاف الحكيم (في المعمودية جاورجيوس) الذي كان إيلاريون أباً روحياً له ومعاوناً له في أعماله. "الكلمة" هي أول مؤلّف يُذكر فيه معمِّد روسيا كمعادل للرسل: "افرح في الحكّام أيّها الرسول الذي لم تقم الأجساد الميّتة بل أقمتَنا نحن الأموات بالروح، لأننا بمساعدتك نلنا التألّه وعرفنا حياة المسيح".

من مؤلفات القديس إيلاريون الأخرى وصل إلينا "الاعتراف بالإيمان" الذي صار نموذجاً للقَسَم الأسقفي في الكنيسة الروسية.

 

----------------------

     * ساجين – وحدة قياس الطول الروسية القديمة، كانت تستخدم حتى العصر السوفييتي وكان لها أنواع كثيرة (تتراوح بين 140 سم و250 سم).