Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Sunday, September 23, 2018

Text Size

 

Efrosinia1 100x119تعتبر القدّيسة إفروسيني أمّاً للرهبنة النسائية في روسيا ولكل النساء الروسيات اللواتي اخترن طريق الكمال الروحي والنسك. هي أوّل رئيسة دير روسية وهي الأولى من بين القديسات الروسيات التي حققت وفتحت لباقي النساء طريق الرهبنة كطريق رئيسي في تكوين "روسيا المقدّسة" وأصبحت هي نفسها أوّل رئيسة ومرشدة في أسرار الحياة الروحية للنساء.

كانت القديسة إفروسيني قبل الرهبنة تحمل اسم "بْريدسلافا" وكانت حفيدة القديس الأمير فلاديمير المعادل للرسل (جدّها الرابع) وابنة الأمير جيورجي حاكم إمارة بولوتسك*. وُلدت القديسة إفروسيني في بداية القرن الثاني عشر، ومنذ طفوليتها أتقنت القراءة والكتابة وكانت تقرأ المزامير والكتاب المقدّس والكتب الروحية الأخرى. اقترنت محبّتها لقراءة الكتب بمواظبتها على الصلاة وعندها اقتنت بريدسلافا "ثمار الصلاة". نالت حكمتها دهشة وإعجاب أبيها وأقربائها وانتشرت أخبارها بعيداً خارج حدود الإمارة. طلب العديد من الأمراء يدها للزواج لكنها كانت ترفض جميع عروض الزواج راغبة في أن تصبح راهبة على الرغم من رفض والديها لهذه الفكرة.

ذات يوم عرفت بأن والديها يريدان تزويجها لأحد الأمراء فخرجت سرّاً من البيت وذهبت الى دير الراهبات عند رئيسة الدير "رومانا" أرملة عمّها وطلبت منها بإلحاح أن ترهبنها. كان عمرها لا يتناسب مع الرهبنة (12 سنة) وكان جمالها غير عادي لذلك رأت الرئيسة بأن هذا لا يتناسب مع الرهبنة ولكن ذكاء وحكمة الأميرة بريدسلافا وميلها الشديد للصلاة سرعان ما أقنعا الرئيسة التي باركتها للرهبنة بالرغم من خوفها من الغضب المحتمل لأبيها الأمير.

عند رهبنتها أخذت بريدسلافا اسم إفروسيني. بقيت الراهبة الجديدة لبعض الوقت تحت اختبار الطاعة في الدير، لكن حتى حياة الدير الصارمة لم تكن تروي عطشها في طموحها للجهاد الروحي. أخذت مباركة أسقف بولوتسك لكي تعتزل في الحبس وانتقلت لتعيش في قلاية خاصة بقرب كاتدرائية آيا صوفيا في مدينة بولوتسك. قضت هناك الوقت في الصلاة والسهر ونسخ الكتب المقدسة وكانت تشبع من الحكمة التي في كتب مكتبة الكاتدرائية. لم تكن أعمالها وجهاداتها من أجل نموها الروحي بمعزل عن محبّتها للناس حيث أنها كانت تهدي الكتب التي تنسخها لمن كان عطشان للمعرفة الروحية.

عندما اشتدّت قواها الروحية تركت الراهبة الشابة المحبس بإعلان إلهي. ظهر لها ملاك ثلاث مرّات كاشفاً لها مكان الدير الذي يجب عليها أن تؤسسه: "يجب عليكِ أن تمكثي هنا لأن الرب يريد من خلالكِ في هذا المكان أن يُرشد الكثيرين إلى طريق الخلاص". وظهر الملاك لأسقف بولوتسك إيليا وأعلمه عن مكان الدير الجديد وأشار عليه بأن يجعل إفروسيني رئيسة للدير الجديد بقرب بولوتسك.

انتقلت إفروسيني لتعيش في حرم كنيسة التجلّي لكي تؤسّس ديراً للراهبات، وذلك حوالي عام 1128. لم تأخذ إفروسيني معها شيئاً سوى الكتب لأنها كانت تقول: "بالكتب تتعزى الروح ويفرح القلب". أصبحت إفروسيني مرشدة وقائدة لكثيرات ممن اخترن طريق الرهبنة ومن سنة إلى أخرى كان دير التجلّي للراهبات يتوسع ويتقوى، وترهبنت هناك "غراديسلافا" أخت إفروسيني التي أخذت اسم إفذوكية وابنة عمّها "زفينيسلافا" التي أخذت اسم إيفبراكسيا.

كانت إفروسيني تعلّم الراهبات القراءة والكتابة، وقد أنشأت مدرسة للبنات في الدير وهي من أولى المدارس النسائية في روسيا، وساهمت هذه المدرسة في سرعة نمو الدير. قدّمت القديسة إفروسيني خبرتها الروحية الشخصية لكل من كان يطلبها وأصبحت أمّاً روحية للكثيرين.

ذات مرّة جاء الى الدير أخوها المحبوب فياتشيسلاف مع زوجته وأطفاله وبعد الحديث معهم قالت له إفروسيني بأنها تريد أن تُبقي ابنتيه عندها في الدير، فحزن الوالدان جداً بسبب قرار الرئيسة لكنهما لم يجرؤا على معارضة كلامها وهما يعرفان بأنها أمة حقيقية للمسيح وإناء مكرم للروح القدس. قد عرفت القديسة ببصيرتها الروحية بأن الفتاتين ابنتي أخيها ستكونان مرضيتين للرب يسوع المسيح بحياة الفضيلة، فبقيت الفتاتان في الدير وترهبنتا.

Spas Mon 100x67  في عام 1161 وبمثابرة القديسة إفروسيني تم بناء لؤلؤة فنّ العمارة الروسي القديم كاتدرائية التجلّي وهي قائمة لغاية اليوم. بناها المعماري يوحنا الذي أتى بنفسه الى إفروسيني مُقاداً من الروح القدس الذي أمره بأن يشارك في بناء الكاتدرائية. تذكر سيرة القديسة إفروسيني أن كمية الطوب التي نقصت لإكمال بناء الكنيسة كانت تأتي بطريقة عجائبية بصلواتها. كان البناؤون في الصباح يجدون الكمية اللازمة من الطوب الجاهز للبناء وسمعوا كلمات العذراء القديسة تصلّي للمخلص وتقول: "أنت الذي أعطيتنا الكثير أعطنا القليل أيضاً".

أسّست القديسة افروسيني أيضاً دير والدة الإله للرهبان وبنت فيه كنيسة حجرية على اسم فائقة القداسة والدة الإله وزيّنتها بالإيقونات. واستغلت القديسة قرابتها من الإمبراطور البيزنطي مانوئيل كومنين وتوجّهت بطلب إليه وإلى بطريرك القسطنطينية لوقا (1156-1169) ليرسلا إلى الدير الجديد إحدى أعظم المقدسات الارثوذكسية إيقونة والدة الإله الأفسسية التي صوّرها بحسب التقليد القديس الرسول لوقا البشير. أرسلت افروسيني الهدايا إلى القسطنطينية، وفي عام 1162 وصلت الإيقونة إلى روسيا ومعها رسالة تبريك من البطريرك للرئيسة افروسيني. وصلت الإيقونة إلى ميناء خيرسونس (جنوب القرم) حيث بقيت سنة بطلب من أهالي المدينة وأخذت اسم "والدة الإله الكورسونية" ومن ثم انتقلت إلى بولوتسك. في عام 1239 تزوّجت الأميرة ألكسندرا ابنة أمير بولوتسك من الأمير العظيم القديس ألكسندر نيفسكي وأخذت معها هذه الإيقونة كبركة وأهدتها إلى مدينة توروبتس (محافظة تفير حالياً) حيث عقد قرانها بالأمير.

Efrosiniya 100x101في عصر التفرقة الذي كان من أصعب العصور التي مرّت على روسيا كانت القديسة إفروسيني دائمة الصلاة من أجل وحدة الأرض الروسية ومن أجل الانتصار على ظلمة التفرقة. لقد وهبها الله كلام النعمة والإرشاد، لذلك كانت تُصلح بين الأمراء المتنازعين وبسطاء الناس على حد سواء.

عند منحدر الحياة شعرت القديسة باقتراب دنو أجلها، فتوجّهت بزيارة للأراضي المقدسة. تركت الدير تحت رعاية اختها إفذوكيا وذهبت مع ابن أخيها داود وأختها إفبراكسيا مسافرة إلى فلسطين. عند مرورهم بالقسطنطينية توقفت القديسة هناك ودخلت إلى كنيسة آيا صوفيا وصلّت في كنائس الله المقدّسة وأخذت بركة البطريرك واشترت أنواعاً عديدة من البخور ومبخرة من الذهب ثم انطلقت نحو أورشليم.

هناك على قبر المخلّص الذي هو أعظم المقدّسات المسيحية تبرّعت القديسة إفروسيني بالمبخرة الذهبية الثمينة التي هي أوّل هدية من امرأة روسية للقبر المقدّس ووضعت المبخرة بجانب القنديل المضاء الذي كان قد أضاءه الهيجومينوس دانييل "عن كل الأرض الروسية"**.

لقد قبل الرب تقدمة القديسة، والدليل على ذلك أن الرب حقق لها رغبتها بأن تُدفن في الأرض المقدسة. أثناء مرضها الشديد ظهر لها ملاك الرب مخبراً إياها عن اقتراب أجلها.

مجدّت القديسة إفروسيني الرب وشكرته من أجل رحمته وانتظرت ساعة موتها بفرح. بقيت 24 يوماً طريحة الفراش مريضة في أحد أديرة أورشليم ورقدت في 24 مايو 1173 وهي مُحاطة بالصلوات بعد أن تناولت أسرار المسيح المقدسة. قد حفظ التقليد آخر صلاة للقديسة كالتالي: "أيها الرب، اقبلْ مني روحي هنا في مدينتك المقدسة أورشليم الأرضية واسكنّي في مدينتك أورشليم العلوية". وبحسب وصيتها دفنها أقرباؤها المرافقون لها في دير القديس ثيودوسيوس عند مدخل كنيسة والدة الإله حيث ترقد أمّهات القديسين سابا وثيودوسيوس وثيودوتيوس عادم الفضة والعديد من القديسات. عاد داود وإفذوكيا إلى بولوتسك وأخبرا برقاد القديسة إفروسيني المغبوط وبدفنها. منذ ذلك الحين ابتدأ التكريم الشعبي لتلك التي أصبحت الشفيعة السماوية لمدينة بولوتسك.

في 3 أكتوبر 1187 احتل السلطان صلاح الدين أورشليم وأمر المسيحيين بمغادرة المدينة في خلال خمسين يوماً بعد أن يدفعوا فدوة عن حياتهم. عاد رهبان الدير الروسي إلى بلادهم آخذين معهم رفات الأميرة الروسية إفروسيني وجاءوا بها إلى كييف حيث تم وضعها في المغاور البعيدة في لافرا مغاور كييف. وهكذا أصبحت القديسة إفروسيني أول امرأة روسية دُفنت في هذا الدير العظيم.

مع حلول منتصف القرن الثالث عشر انتهى وجود إمارة بولوتسك، فبعد أن قضت عدة سنوات تحت سلطة قياصرة موسكو أصبحت مدينة بولوتسك تحت حكم بولندا لغاية 1772، فجاءت أوقات الحزن بالنسبة للأرثوذكسية هناك. في عام 1579 دعا الملك البولندي ستيفان اليسوعيين إلى بولوتسك وأعطاهم جميع الأديرة والكنائس الارثوذكسية، وفي نفس الفترة تم القضاء على أبرشية بولوتسك التي هي من أقدم الأبرشيات في روسيا.

في عام 1596 تم إعلان "اتحادية بريست" بين الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الارثوذكسية، فابتدأت الدولة البولندية في إجبار الناس على الاعتراف بالوحدة المزعومة، وكانت تنظر إلى الاتحادية كخطوة انتقالية نحو الكثلكة.  

بدا وكأن الأرثوذكسية طُردت الى الأبد من أرض بولوتسك، لكن حتى في تلك السنوات الصعبة كانت ذكرى حياة القداسة التي عاشتها القديسة إفروسيني "الأرثوذكسية الإيمان والروسية الأصل" تعطي سكان بولوتسك القوة للحفاظ على الإيمان الأرثوذكسي والهوية الروسية. الرب لم يسمح بالقضاء على الأرثوذكسية في تلك الأرض، فبعد دخول الجيش الروسي الى بولندا في أواخر القرن الثامن عشر انضمّت كل المقاطعات الأرثوذكسية الى روسيا ما عدا مقاطعة غاليتسيا.

في عام 1833 تم إعادة انشاء أبرشية بولوتسك الارثوذكسية وإعادة كنيسة المخلّص التي بنتها القديسة افروسيني إلى الكنيسة الأرثوذكسية. عند ذلك توجّه أهالي بولوتسك لأول مرة إلى السينودس المقدس بطلب نقل رفات القديسة افروسيني الى بولوتسك إلى كنيستها التي بنتها. استمرّ أهالي بولوتسك بالمطالبة بنقل رفات القديسة لمدة 77 سنة، ولكن بلا نتيجة، لأن فكرة نقل الرفات بأكملها لم تكن تجد ترحيباً من السينودس ومن مطرانية كييف. لم يتمّ نقل رفات القديسة إلى وطنها إلا بعد طرح تقارير كثيرة على السينودس وإصدار قرار شخصي من القيصر نيقولا الثاني.

بالرغم من كل التقلّبات التي مرّت بها روسيا البيضاء في تاريخها لم تمح من ذاكرة المؤمنين ذكرى قديستهم التي كانوا يكرمونها بمحبّة على مدى 700 سنة. وأخيراً، في اليوم الثالث من فصح عام 1910 (22 أبريل) بعد القداس الإلهي تم وضع رفات القديسة إفروسيني في تابوت جديد من خشب السرو وإخراج التابوت من مغاور كييف ووضعه على منصّة في كنيسة الرقاد للافرا. جاء الى كييف بهذه المناسبة أكثر من عشرين ألف زائر.

Evfrosiniya 100x133     ودّعت لافرا المغاور المقدّسة أميرة بولوتسك القديسة التي رقد جسدها هنا أكثر من سبعة قرون. طوال اليوم كان الناس يأتون ويسجدون لرفات القديسة في كنيسة الرقاد ثم أقيمت صلاة السهرانية وفي صباح اليوم التالي أقيم القداس الإلهي وتطواف مهيب بالصليب وبالرفات المقدسة حول الكنيسة، ثم توجّه الموكب نحو نهر الدنيبر الى رصيف السفن، حيث كانت المدينة كلها تودّع القديسة.

نقلت سفينة ناصعة البياض مزيّنة بالورود والأغصان الخضراء التابوت مع رفات القديسة. استمرت الرحلة في نهر الدنيبر 12 يوماً مع التوقف في عدة موانئ وفي كل محطة كانت تُقام الليتورجيا الاحتفالية. كان الناس على ضفاف النهر يوقدون النيران ويقفون حاملين الشموع ويصلّون، فصارت أيام رحلة الرفات المقدسة في الدنيبر أيام صلاة عمومية ومهرجاناً للوحدة السلافية.

شارك في موكب نقل الرفات ملكة اليونان والأمير الكبير قسطنطين قسطنطينوفيتش والدوقة الكبيرة (القديسة الشهيدة) اليزابيث فيدوروفنا. تم وضع الرفات في كنيسة المخلص في دير القديسة إفروسيني.

إن شخصية القديسة إفروسيني يمكن مقارنتها بشخصية القديسة أولغا التي اقتنت القداسة من خلال خدمتها الحثيثة لشعبها الذي وثق بها. اختارت القديسة إفروسيني طريق الأمومة الروحية ولا زالت مستمرة الآن بهذا الطريق الذي ثبتته ومهّدته للذين يجدون هدف حياتهم من خلال خدمة الله. القديسة افروسيني هي عروس المسيح التي نالت الخلاص والحياة الأبدية بالنسك والابتعاد عن العالم.

ومن الجدير بالذكر أن القديسة إفروسيني وُلدت واشتهرت في أقصى غرب الأرض الروسية ورقدت ودُفنت في الأراضي المقدسة ثم وُضعت رفاتها في مهد الرهبنة الروسية – لافرا مغاور كييف. وهكذا، من خلال القديسة إفروسيني توطّدت العلاقة بين القداسة الروسية النسائية وقداسة المشرق الارثوذكسي والأرثوذكسية المسكونية.

القديسة إفروسيني هي أكثر القديسين إكراماً في بيلوروسيا ويعيّد لها في الخامس من يونيو وفي الأحد الثالث بعد العنصرة (مجمع قدّيسي بيلوروسيا) بحسب التقويم الشرقي.

-----------------------

* بولوتسك – أقدم مدينة في بيلوروسيا (روسيا البيضاء) ترجع إلى القرن التاسع. كانت مركزاً لإمارة بولوتسك التي ظهرت في أواسط القرن العاشر.

** الهيجومينوس دانييل (القرن الثاني عشر) – صاحب أوّل مؤلّف روسي حول زيارة الأراضي المقدّسة. قام بزيارته إلى الأراضي المقدسة في الفترة 1106-1108 ووصف رحلته في كتاب "سيرة ورحلة الهيجوميونوس دانييل من الأرض الروسية" الذي صار من أبرز مؤلفات الأدب الروسي القديم. أثناء زيارته للقدس أضاء في الجمعة العظيمة قنديلاً "عن كل الأرض الروسية" عند القبر المقدس.