Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Wednesday, November 21, 2018

Text Size

 

Ostrojskiy 100x125القديس باسيليوس أوستروجسكي هو من أكثر القدّيسين الصّرب إكراماً. يعتبر يوم تذكاره الموافق 12 مايو عيداً كبيراً في صربيا. عاش هذا القدّيس في فترة الاحتلال التركي لصربيا الذي أحدث خراباً يوازي الخراب الذي سبّبه نير التتر والمغول لروسيا.

وُلد القديس باسيليوس في قرية مركونيتش بتاريخ 28 ديسمبر 1610 في أسرة فلاحين فقراء لأبوين تقيين بطرس وأناستاسيا وأثناء العماد أعطي اسم ستويان. وتعلّم الصوم والصلاة ومخافة الله منذ طفولته.

لم يكن الفتى ستويان يخجل من إظهار محبّته للمسيح منذ صغره، ولما رآه الجيران المرتدون عن المسيح والمتأسلمون قدّموا إلتماساً إلى السلطات ليأخذوا الفتى إلى الانكشارية. لذلك أرسله أبواه إلى أقرب دير وهو دير مُكرّس لدخول والدة الإله إلى الهيكل، حيث كان سيرافيم عم ستويان هو الإيكومنوس لهذا الدير. كان يعيش في الدير العديد من الرهبان المتعلّمين وكانت فيه مكتبة كبيرة. هناك تعلّم ستويان حكمة الكتاب المقدّس وكتابات الآباء القديسين إضافة إلى العلوم الدنيوية المفيدة.

بعد أن قضى ستويان بعض الوقت في هذا الدير انتقل إلى دير رقاد والدة الإله في مدينة تريبينيه وهو أهمّ دير في الهرسك، حيث قبل الرسامة الرهبانية باسم باسيليوس. وسرعان ما استحقّ رتبة الشموسية ومن بعدها رتبة الكهنوت. وفي ذلك الوقت في تريبينيه اشتدّ النزاع والمنافسة على الرعية بين الكاثوليك والأرثوذكس والمسلمين، وبالرغم من المخاطر أصبح باسيليوس يدافع عن الأرثوذكسية ويخاطب الشعب ويجول على البيوت واعظاً. ومن أجل صلاته ومحبّته وممارسته للكهنوت بغير خوف سمّاه الأتراك "كاهن القطيع٭" (هكذا كان الأتراك يسمّون الصرب احتقاراً لهم).  

ثمّ انتقل القديس باسيليوس من دير تفيردوش إلى الجبل الأسود وهناك أبقاه الميتروبوليت مرداريوس عنده في الدير في مدينة ستيني٭٭. في هذا الوقت وبسماح من مرداريوس قام اليسوعيون بحملة دعائية نشيطة للوحدة مع روما. حاول القديس باسيليوس إقناع الميتروبوليت بأن يأخذ موقفاً ضدّ هرطقة اللاتين، ولكن مرداريوس لم يسمع له.

لم يمض وقت طويل حتى وقع مرداريوس في الخطيئة وزنى مع إحدى الخادمات واتّهم بذلك الشاب باسيليوس فحُكم على باسيليوس بالإعدام شنقاً. لكن باسيليوس طلب بتأجيل الحكم حتى تضع الخادمة طفلها. وعندما وُلد الطفل أخذه باسيليوس بين يديه وعلى مرأى من الجميع نفخ في وجه الطفل ثلاث مرّات وسأله: "ابن من أنت؟" وإذا بمعجزة عظيمة حصلت وتكلّم المولود وقال بأن أباه هو الميتروبوليت مرداريوس. عندها تمّت تبرئة باسيليوس ورُجم مرداريوس بالحجارة حتى الموت.

بعد ذلك عاد باسيليوس إلى تفيردوش، وبعد أن صار أرشمندريتاً لهذا الدير بدأ يطوف على كل قرى الهرسك كأب روحي وراعٍ يقيم القداديس ويرشد الرعية بحكمة الإنجيل المقدس. كما قام الأرشمندريت باسيليوس بزيارة إلى روسيا، ومن هناك أحضر الكثير من الهدايا الكنسية الثمينة والأثواب الكهنوتية والكتب الكنسية ومساعدات مالية لرعيته. وقد ساعدت المعونات من الإخوة في الإيمان على ترميم كنائس كثيرة وفتح مدارس تابعة للأديرة والكنائس. ولكن كل أعمال القديس باسيليوس هذه ولّدت الحقد عليه من قبل الهرسكيين المتترّكين (المسلمين) ومن عملاء دعاة الوحدة مع روما اللاتين الذين كانوا يبحثون عن فرصةٍ لقتله.

بعد ذلك توجّه القديس باسيليوس إلى جبل آثوس، وفي طريقه عرج على مدينة بيتش٭٭٭ ليقابل البطريرك بائيسيوس الأول وحدّثه بالتفصيل عن الوضع الصعب الذي يعيشه الصرب الأرثوذكس في الهرسك وأخبره بجرائم الأتراك والدعاية اللاتينية. رأى البطريرك في هذا الناسك الشابّ دعامة لنهضة الكنيسة، فباركه بألا يطيل بقاءه في جبل آثوس أكثر من سنة وفرض عليه العودة إلى بيتش.

زار القديس باسيليوس العديد من أديرة آثوس وأساقيطه وتعلّم من نسّاك الجبل. وعندما عاد إلى بيتش دعا البطريرك بائيسيوس الأساقفة الصرب، وفي عيد التجلّي من عام 1638 رسموا الكاهن الشاب باسيليوس البالغ من العمرالثماني والعشرين عاماً أسقفاً ونصّبوه مطراناً على تريبنيه ومقرّه في تفيردوش. وبعودته إلى مسقط رأسه بدأ القديس عمله الأسقفي دون الالتفات إلى المخاطر التي صارت تهدّده مُجدّداً.

وقف القديس باسيليوس وعلى مدى عقود كثيرة وجهاً لوجه أمام قوى الشرّ الهائلة التي كانت تهاجم الشعب الصربي من كل الاتجاهات. قبل أن يولد القديس كان الأتراك قد أحرقوا رفات القديس سابا في بلغراد، ثم بعد ذلك وفي أثناء حياته قاموا بشنق البطريرك الصربي، أمّا الشعب فأصابه اليأس لرؤيته هذا كله وابتدأ يتحوّل إلى الإسلام والكثلكة. وكان القديس أينما وُجد يتعرّض لكل أنواع الاضطهاد والافتراءات من قِبل الأتراك والمتكثلكين ومن الحاسدين، كما تعرّض لمحاولات اغتيال أكثر من مرة.

Vasilii Ostrozskii 58x150     رغم كل المصائب والمضايقات من قبل الأعداء والخيانات والفقر والحروب التي ألمّت به لم يخرج القديس الصربي العظيم منها منتصراً فقط بل حافظ على الأرثوذكسية التي هي الكنز الرئيسي للشعب الصربي وضاعفها بين أبناء شعبه. كان القديس باسيليوس يسير على خُطى القديس سابا وهو يعلم أن القدوة الشخصية وسمو الروح والحياة المُرضية لله هي التي تمهّد السبيل للحفاظ على الأرثوذكسية وليس السلاح والقوة، وكان يعتقد بأنه من خلال خدمته الرعائية وصبره يستطيع أن ينأى بشعبه وبالكنيسة من سخط المحتلين وأن يحدّ من نفوذ دعاة الوحدة مع روما.

وبالتالي، كان للقديس باسيليوس الفضل في تحفيز الشعب الصربي للانتفاضة الروحية التي مهّدت الطريق للتحرير من النير العثماني تحت راية الصليب.

لقد كانت قوة صلاته عظيمة بحيث أنه أصبح يصنع أشفية وعجائب، وبجهده وتعبه كانت الأديرة تتجدّد وتنتعش في أبرشية تريبينيه. في هذه الأثناء قتل الأتراك مطران شرق الهرسك بائيسيوس، فقرّر البطريرك جبرائيل (القدّيس الشهيد في الكهنة) توحيد أبرشيتيْ غرب الهرسك وشرقه في مطرانية واحدة تحت رعاية القدّيس باسيليوس.

أجبرت مضايقات الأتراك القديس باسيليوس على أن يترك مقرّه ويستقرّ في دير أوستروغ (Ostrog)، هناك قام القديس مع نسّاك آخرين بتجديد كنيسة دخول والدة الإله إلى الهيكل وكذلك عمّر كنيسة رفع الصليب، وبجهوده تحوّلت مغارة أوستروغ إلى دير حقيقي. ويقول تقليد الدير بأن القدّيس باسيليوس قضى آخر 15 سنة من حياته في مغارة الدير صائماً.

ترأس القديس باسيليوس الأبرشية لأكثر من 15 سنة وكان يقضي الليل والنهار في الصلاة وفي الصوم والسهر. وكان أثناء حياته بالجسد يصنع العجائب ويشفي العمي وذوي العاهات. ولكن أهمّ شيء بالنسبة للناس كان وجوده بينهم في سنوات أسرهم المذلّ.

كان يعيش بالقرب من دير أوستروغ الأمير رايتش مع أبنائه السّتة وكان يضيّق على الرهبان بكافة الأساليب، وأثناء زيارته إلى البطريرك مكسيم عام 1667 أعلمه القديس باسيليوس بمضايقات الأمير وعُنفه ضدّ الرهبان، فكتب البطريرك رسالة إلى الأمير رايتش وهدّده باللعنة لكل من يجرؤ على الإضرار بالدير وبقاطنيه. والقديس باسيليوس نفسه قد تنبّأ للأمير بأنه إن لم يكفّ عن الإضرار بالدير وبالرهبان فإنه سيحرم من أبنائه السّتة. وسرعان ما تحققت هذه النبوءة وفقد الأمير أبناءه. فقدّم الأمير الحزين توبة صادقة عن جميع خطاياه فعزّاه الله بشفاعة القديس باسيليوس بأبناء ذكور من جديد.

عاش القديس باسيليوس عاكفاً على الصلاة والصوم بلا كلل وجاء وقت نهاية حياته الأرضية وفي 29 أبريل (12 مايو) عام 1671 أسلم روحه بسلام بين يديْ الرب في قلايته. ونبتت كرمة عنب من الصخرة التي كانت قلايته واقعة عندها. هذه الكرمة القديمة العجيبة لا تزال تنبت لغاية اليوم، وممّا يثير العجب هو أنها تنبت من الصخرة مباشرة بالرغم من عدم وجود تراب ولا ماء بالقرب منها. تعتبر هذه الكرمة من مقدّسات الدير.

جسد القديس باسيليوس محفوظ في كنيسة دخول والدة الإله إلى الهيكل للدير وهو غير قابل للفساد.

Ostrog Monaste 100x79إنّ دير أوستروغ هو مكان الزيارة المحبّب لمسيحيي البلقان. الدير واقع في الصخور على ارتفاع 900 متراً فوق سطح البحر. الطريق المعبدّة التي تؤدّي إليه تبدو خطرة جداً لأنها على شكل لولب (سربنتين) ضيّق جداً وليس هناك حاجز. والحافلة أثناء دورانها تكون مضطرة بخروج مقدّمتها فوق الهاوية، والركّاب في هذه اللحظات يكتمون أنفاسهم ذعراً. لكن الدليل السياحي يُهدئ الجميع قائلاً: "أيّها الأصدقاء لا تضطربوا، على هذه الطريق وعلى مدى وجود هذا الدير لم تحدث أية حادثة سيّارة، فالقدّيس باسيليوس يحفظ جميع الذين يأتون إليه".

أخذ الدير تسميته بسبب الجرف الصخري في قاعدته. يتكوّن الدير من قسمين: العلوي والسفلي. والأجمل هو الدير العلوي (على ارتفاع 990 م) بكنيستيه المحفورتين في الصخر: كنيسة والدة الإله الفائقة القداسة وكنيسة رفع الصليب المقدس اللتين تشبهان جناحيْ طائر النورس الأبيض. لدى نظرك إلى الدير تجده وكأنه يحلّق في الهواء. كانت هذه الأماكن الوعرة منذ القدم مكاناً لاستقطاب الرهبان المتوحّدين.

هناك تقليد عند الصرب بالالتزام بالصوم لمدة أسبوع قبل زيارة القديس باسيليوس ويسمّونه "أسبوع باسيليوس". وعند مدخل الدير في أسفل الجبل يخلعون الأحذية ويصعدون حفاة الأقدام 5 كيلومترات للسجود لرفات القديس باسيليوس. يطمح الزوّار الصرب لقضاء ليلة واحدة على الأقلّ في الدير.

للقديس باسيليوس شهرة واسعة جداً في البلقان بسبب عجائبه ومعونته والأشفية التي يصنعها إلى درجة أن الذين يأتون إلى الدير ليسوا من الأرثوذكس فقط وإنما الكاثوليك أيضاً وحتى المسلمين.

لغاية اليوم لا تتوقف عجائب الأشفية عند تابوت رفات القديس باسيليوس في دير أوستروغ في الجبل الأسود. الشهادات الكثيرة لشهود العيان المعاصرين تزيد من تكريم هذا القديس عند الشعب. لا يتوقف تدفق الزوّار والسيّاح من جميع أنحاء العالم لزيارة رفات القديس باسيليوس العجائبي وديره.

بحسب شهادات الرحّالة البريطانيين من القرن التاسع عشر، كان حوالي 20 ألف شخض يجتمعون عند رفات القدّيس باسيليوس في الأعياد. في عام 1903 زار أستروغ الرحالة الروسي ماركوف الذي كتب في مذكراته: "إن هذه الرفات هي أعظم مقدّسات أهل الجبل الأسود. لذلك فإنهم مستعدّون لأن يتركوا بيوتهم كلها للعدو ليحرقها ومستعدون أن يلقوا بزوجاتهم وأطفالهم للأقدار، ولكنهم سيدافعون حتى آخر قطرة دم عن رفات قدّيسهم". وحتى نهاية القرن التاسع عشر كان هناك تقليد بأن تأتي العائلات والعشائر المتنازعة للمصالحة أمام تابوت القديس باسيليوس، وفي نفس المكان كانوا يؤدّون القسم ويصدرون الحُكم.

في سبعينات وثمانينات القرن العشرين كان يجتمع في عيد دير أستروغ (عيد الثالوث القدّوس) حوالي 15 ألف شخص ممّا يشكّل عُشر سكّان الجبل الأسود آنذاك.

---------------------

٭ يُقصد هنا كلمة "رعية" العربية التي انتقلت إلى اللغة التركية لتدلّ على أهل الذمة.

٭٭ ستيني (Cetinje) – عاصمة تاريخية وثقافية للجبل الأسود ومقرّ مطرانه.

٭٭٭ بيتش (Peć) – مدينة في كوسوفو، المقرّ التاريخي لبطاركة صربيا.