Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Thursday, December 14, 2017

Text Size

 

Kda 1880s 100x56تحتفل الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية في عام 2015 بالذكرى الأربعمائة لتأسيس مؤسّسات التعليم اللاهوتي في كييف. لا تزال هذه المؤسّسات منذ وقت إنشائها وحتى الآن تحرص على الاحتفاظ بالتقليد التعليمي الذي يرجع إلى أوائل القرن السابع عشر، والذي من أهمّ صفاته الجمع بين التمسّك بالتقليد الأرثوذكسي والانفتاح على التعليم العلماني الأوروبي.

يرجع ظهور مؤسّسات التعليم اللاهوتي في كييف إلى عصر تفاقمت فيه الأوضاع الطائفية في أوروبا، حيث أنّ الإصلاح البروتستانتي أولاً، ثمّ الإصلاح المضادّ الكاثوليكي شكّلا تحدّياً أمام الكنيسة الأرثوذكسية. كان اليسوعيون من ناحية، والبروتستانت من ناحية أخرى، يفتتحون مدارس عامّة في حدود الكومنولث البولندي الليتواني، أمّا الأرثوذكس فلم يكن قد تشكّل لديهم نظام تعليم خاصّ بهم، ولذلك صار هذا الأمر من أولوياتهم.

لعبت حركة الأخويات الأرثوذكسية دوراً رئيسياً في تكوّن نظام التعليم المدرسي في أوكرانيا. أوّل مدرسة أسّستها الأخويات في عام 1586 كانت تقع في مدينة لفوف، ولغاية القرن السابع عشر كانت قد ظهرت في حدود الكومنولث البولندي الليتواني حوالي 30 مدرسة.

Eliseusz Pletenecki 100x133كانت مدينة كييف آنذاك في حالة تدهور بعد إعلان اتحادية برست* عام 1596، وبسبب ذلك بقيت بدون مطران أرثوذكسي، أمّا كاتدرائية آيا صوفيا فصارت مقراً لمطارنة الروم الكاثوليك. ارتبطت النهضة الثقافية والروحية في كييف باسم الأرشمندريت أليشع (بليتينيتسكي) الذي صار رئيساً لدير المغاور في عام 1599 وأسّس مطبعة به، كما جمع في كييف الوعّاظ والمترجمين وكاتبي الأيقونات وعمّال الطباعة.

وأخيراً، تحققت فكرة تأسيس أخوية أرثوذكسية في كييف ومدرسة تابعة لها بفضل السيدة غالشكا غوليفيتشيفنا من نبلاء كييف. لقد وقّعت في 14 أكتوبر 1615 شهادة إهداء بقعة من الأرض بكلّ ما فيها من بنايات إلى المسيحيين الأرثوذكسيين، وذلك لإنشاء دير الظهور الإلهي ومدرسة للأطفال من جميع الطبقات. في اليوم التالي سكن الرهبان هناك، وبعد عدّة أسابيع افتتحت المدرسة. بعد قليل تأسّست في كييف أخوية الظهور الإلهي التي تولّت تمويل المدرسة وانتخاب المعلّمين لها. كان منهج المدرسة يضمّ مبادئ الإيمان الأرثوذكسي واللغات السلافية والبولندية واليونانية واللاتينية ومبادئ علم البلاغة.

في عام 1620 كان البطريرك الأورشليمي ثيوفان الثالث متواجداً في أوكرانيا عائداً من موسكو، فقام بإعادة إنشاء الهيرارخية الأرثوذكسية في مطرانية كييف عن طريق رسامته أساقفة جدد. أقام في دير الظهور الإلهي وزار المدرسة وكنيسة الدير، ومنح الدير صفة دير بطريركي بموجب وثيقة أصدرها في 26 مايو 1620.

ارتبط تاريخ المدرسة بعد ذلك باسم مطران كييف بطرس موهيلا ارتباطاً وثيقاً. بعد أن تمّ تعيينه أرشمندريتاً لدير المغاور، استدعا من لفوف إلى كييف راهبيْن متعلّمين إشعياء وسلفستروس، وذلك في عام 1631. في نفس السنة تمّ افتتاح مدرسة في لافرا مغاور كييف دخلها للدراسة حوالي مئة تلميذ. كان المطران بطرس الحاصل على التعليم الأوروبي ومعاونوه يتخذون مؤسّسات التعليم البولندية نموذجاً، ولذلك ولّت مدرسة اللافرا أهمّية خاصة لدراسة اللغتين اللاتينية والبولندية. إلا أنّ منهج التعليم مثل هذا لم يحظَ بدعم أهل كييف، فاتفق الرأي على توحيد المدرستين في أواخر سنة 1631. بقي دير الظهور الإلهي مقراً للمدرسة. مع الوقت جرت العادة على تسمية المدرسة الموحّدة "كلية كييف" (collegium).

كان بطرس موهيلا يسعى إلى تحويل كلية كييف إلى مؤسّسة للتعليم العالي، أيْ أكاديمية، وكان لا بدّ من الحصول على إذن السلطة البولندية لافتتاح الصفوف العليا (اللاهوتية) في الكلية. إلا أنّ الملك فلاديسلاف لم يسمح إلا بتدريس علم المنطق والديالكتيك في كييف. لذلك كان خرّيجو الكلية مضطرّين للحصول على التعليم اللاهوتي العالي في المؤسّسات الكاثوليكية ببولندا وأوروبا الغربية، الأمر الذي أدّى إلى نفوذ السكولاستيكية في التعليم الكنسي الأرثوذكسي لوقتٍ طويل، ما سمّاه الباحثون لاحقاً بـ"الأسر اللاتيني" للاهوت الأرثوذكسي.

Petr Mogyla 97x150كان المطران بطرس موهيلا يهتمّ بكلية كييف طوال حياته، ووصّى لدير الأخوية بعدّة قرى وعقارات ومبلغ كبير من المال، إضافة إلى مكتبته الخاصة التي بلغ عدد الكتب فيها 2131 مجلداً. اعتبر المطران بطرس كلية كييف إنجازاً وحيداً في حياته وتضرّع إلى أتباعه أن يحافظوا عليها إلى الأبد. بعد وفاته جرت العادة أن يُطلق على كلية كييف "كلية موهيلا" تذكاراً له.

في عام 1686 انتقلت تبعية مطرانية كييف من بطريركية القسطنطينية إلى بطريركية موسكو. في عام 1693 أوفدت كلية كييف إلى موسكو سفراء تمكّنوا من الحصول على شهادتين مهمّتين موقعتين من قبل القيصرين بطرس ويوحنا مؤرّختين بـ11 يناير 1694. أقرّت الشهادة الأولى أنّ جميع الممتلكات تبقى ملكاً لدير الأخوية، أما الثانية فمنحت الكلية حق تدريس اللاهوت وقبول الدارسين من جميع الطبقات الاجتماعية والأجانب، كما أثبتت حق الكلية للاستقلال الذاتي. في عام 1701 توجّه مطران كييف برلام (ياسينسكي) إلى القيصر بطرس الأول بطلب منح كلية كييف حقوق الأكاديمية. في 26 سبتمبر 1701 أصدر القيصر شهادة مُنحت الكلية بموجبها صفة أكاديمية رسمياً.

خلال القرن السابع عشر تخرّج من كلية كييف عدّة رؤساء كهنة بارزين، وقد تمّ إعلان قداستهم، منهم ثيودوسيوس أسقف تشيرنيغوف وديمتري مطران روستوف وإينوكنتي أسقف إيركوتسك. لم يدرس في كلية كييف رجال الإكليروس المشهورون فحسب، بل ممثلو الأرستقراطية وقادة جيش القوزاق أيضاً. كان من خرّيجي الكلية معظم الهتمانات** الأوكرانيين. يعتقد المؤرّخون أنّ عدد الطلاب بلغ في عصر بطرس موهيلا عدّة مئات، ولكن في فترة الحروب ما بين الأعوام 1650-1670 فرغت غرف التدريس من الدارسين. إلا أنه لغاية أوائل القرن الثامن عشر بلغ عددهم حوالي ألف طالب.

نشأت وتطوّرت في كلية كييف منذ تأسيسها تقاليد خاصّة بها، ومنها مثلاً تقليد المناظرات العلنية التي كانت تقام في نهاية السنة الدراسية، وكذلك العروض المسرحية التي كان يعدّها الأساتذة والطلبة.

Bogojavlensky Sobor 100x131في تسعينات القرن السابع عشر تم تشييد كاتدرائية الظهور الإلهي البهية على أرض دير الأخوية، وصارت هذه الكنيسة من أجمل البنايات على طراز الباروك. إلا أنه تمّ تدميرها في عام 1933. كانت أهمّ مقدّسات الدير أيقونة والدة الإله العجائبية المسمّاة بأيقونة الأخوية. كان من تقاليد أكاديمية كييف إقامة خدمة المديح أمامها كلّ سبت.

في النصف الأول من القرن الثامن عشر بلغت أكاديمية كييف أوج ازدهارها وحظيت بأكبر هيبة من بين مؤسّسات التعليم في الإمبراطورية الروسية، وقد ذاع صيتها في الخارج لدى الشعوب الأرثوذكسية، حيث كان المنحدرون من البلقان في صفوف طلابها لفترة طويلة. كان القيصر بطرس الأول يعيّن خرّيجي الأكاديمية على الكراسي الأسقفية في كل أنحاء الإمبراطورية. كما كانت ابنته الإمبراطورة أليصابات بتروفنا تدعم الأكاديمية، وفي عهدها كان كلّ رؤساء كهنة الكنيسة الروسية تقريباً من خرّيجي أكاديمية كييف. في عام 1744 زارت الإمبراطورة الأكاديمية مرّتين.

في القرن الثامن عشر كان منهج الدراسة الكامل للأكاديمية يضمّ 12 سنة وينقسم إلى أربع مراحل. المرحلة الأولى كانت تضمّ دراسة اللغات السلافية الكنسية والبولندية واللاتينية واليونانية. في المرحلة الثانية كان يُدرس فنّ الشعر. المرحلة الثالثة كانت مكرّسة لفن الخطاب. أما المرحلة العليا فكانت تشمل دراسة الفلسفة واللاهوت، كما كان الطلاب يدرسون فيها الفيزياء والرياضيات وعلم الفلك وعلم الأحياء. كانت تدخل في المنهج الدراسي حوالي 30 مادة. كانت المحاضرات تبدأ في الساعة الثامنة صباحاً وتنتهي في الساعة السادسة. كانت مكتبة الأكاديمية تُعتبر مفخرةلها، حيث كان تقليد جمع الكتب الذي وضع المطران بطرس موهيلا أساسه يُعتبر من أولويات هذه المؤسسّة التعليمية. في عام 1780 بلغ عدد الكتب فيها 12 ألف مجلّد.

كان عدد الطلاب يتراوح بين 800 و1100 شخص في سنوات مختلفة. كانت نسبة الطلاب الأجانب كبيرة، ومعظمهم كانوا يأتون من بولندا وهم بالدرجة الأولى السلاف الأرثوذكس الذين كانوا يعيشون في حدود الكومنولث البولندي الليتواني، كما كان يصل للدراسة الصرب واليونانيون والرومانيون وسكّان المجر. في الفترة ما بين 1700-1760 وصل حوالي 70 خريجاً إلى الرتبة الأسقفية. كان الخرّيجون يؤسّسون في أماكن مختلفة مؤسّسات تعليم جديدة مستندين إلى نموذج أكاديمية كييف، وهكذا وضعوا أسس نظام التعليم في الإمبراطورية الروسية.

تمّ بمبادرة الإمبراطور ألكسندر الأول الإصلاح الشامل لنظام التعليم في الإمبراطورية الروسية. في عام 1808 تمّ إقرار نظام داخلي جديد لمؤسّسات التعليم اللاهوتي، ومنذ ذلك الحين صار المنهج يتكوّن من ثلاثة مستويات: كان الدارسون يتلقون التعليم الابتدائي في المدارس الروحية، والتعليم الثانوي في الكليات الإكليريكية، والتعليم العالي في الأكاديميات اللاهوتية. مرّت أكاديمية كييف بهذا الإصلاح في عام 1817، حيث تمّ افتتاح الكلية الإكليريكية في 27 أكتوبر 1817، أما الأكاديمية فاستأنفت عملها في عام 1819 واسمها الرسمي أكاديمية كييف اللاهوتية ("الروحية" حرفياً). كانت الدراسة في الأكاديمية تستغرق أربع سنوات. بموجب القرار الصادر في بطرسبورغ كان من الممكن أن يبلغ عدد الطلاب 120 شخصاً.

أبرز شخصية من بين رؤساء أكاديمية كييف اللاهوتية لذلك العصر هو Innocenty Borisov 100x118القديس إينوكنتي (بوريسوف) الذي ترأسها منذ عام 1830 حتى 1839. قد ساهمت محاضراته في تطوير البحث اللاهوتي وفي تشكّل معجم المصطلحات اللاهوتية باللغة الروسية، الأمر الذي مكّن الأساتذة من الاستغناء عن اللاتينية في تدريس الموادّ اللاهوتية والفلسفية. أسّس القديس إينوكنتي تقليد إحياء ذكرى مؤسّسي الأكاديمية والمحسنين إليها في يوم تذكار المطران بطرس موهيلا (31 ديسمبر). كما أسّس في عام 1837 مجلة "قراءة ليوم الأحد" التي كانت تصدرها الأكاديمية.

في عام 1848 صدر أوّل كتاب مدرسي للاهوت العقائدي بقلم رئيس أكاديمية كييف اللاهوتية الأرشمندريت أنطوني (أمفيتياتروف)، فصار مرجعاً رئيسياً لمؤسّسات التعليم المسيحي في الإمبراطورية الروسية. بلغت مؤسّسات كييف اللاهوتية ازدهارها في أيام الأسقف سيلفستر (ماليفانسكي) الذي بدأ نشاط التدريس في عام 1857 وألّف أشهر وأعمق مرجع في اللاهوت العقائدي في خمسة مجلّدات.

في عام 1860 تم تأسيس مجلة دورية "أعمال أكاديمية كييف اللاهوتية" صارت في فترة وجيزة من أفضل الدوريات الدينية في الإمبراطورية الروسية.

في عام 1884 سُمح بزيادة عدد طلاب الأكاديمية ليبلغ 180 شخصاً. كان عدد الطلاب الأجانب قبيل الحرب العالمية الأولى كبيراً. بما أنّ أكاديمية كييف اللاهوتية كانت تقع أقرب إلى الجنوب مقارنة بسائر الأكاديميات للإمبراطورية الروسية، كان معظم الطلاب من البلقان والشرق الأوسط يُرسلون إليها. على سبيل المثال، في عام 1911 من بين 209 طلاب للأكاديمية 34 شخصاً كانوا من الخارج (10 يونانيين، 11 بلغارياً، 13 صربياً، 5 رومانيين، طالبان من الجبل الأسود وطالبان من سوريا). صار كثير من الخرّيجين الأجانب شخصيات بارزة في كنائس أرثوذكسية محلية أخرى، منهم بطريرك الإسكندرية ألكسندر الثالث، البطريرك الروماني نيكوديموس (مونتيانو)، البطاركة الجورجيون كيريون وليونيد وكاليسترات، رئيس الكنيسة الصربية المطران إينوكنتي (بافلوفيتش)، رئيس الكنيسة البولندية المطران مكاريوس (أوكسيوك)، القديس روفائيل (هواويني) أسقف بروكلين وغيرهم.

في عام 1872 اُسّس في الأكاديمية المتحف الكنسي للآثار الذي صار أول من نوعه في الإمبراطورية الروسية. حصل المتحف في عام 1885 على مجموعة من الأيقونات جمعها الأسقف برفيريوس (أوسبينسكي) أثناء تواجده في الشرق الأوسط. في أوائل القرن العشرين كان هذا المتحف من أكبر المتاحف الأوروبية للآثار الكنسية، كما صار أول متحف في كييف فتح أبوابه للزوّار.

مع بداية الحرب العالمية الأولى قرّر المجمع المقدس في سبتمبر 1915 إجلاء أكاديمية كييف إلى قازان إثر تهديد احتلال المدينة من القوات الألمانية. تمّت مصادرة المباني الأكاديمية لاستخدامها لأغراض عسكرية. كان قد تم التخطيط للاحتفال الواسع بالذكرى الثلاثمئة لأكاديمية كييف، إلا أنّ الحرب حالت دون تحقيق ذلك.

عندما وصل البلاشفة في روسيا إلى السلطة انقطع تمويل أكاديمية كييف من بطرسبورغ. كان الرئيس الأول لأكاديمية العلوم الأوكرانية الأكاديمي فلاديمير فيرنادسكي يدعم أكاديمية كييف اللاهوتية، فصار العديد من أساتذتها عاملين بأكاديمية العلوم أيضاً. كانت الأكاديمية تحظى بدعم الحكومة الهتمانية برئاسة بافلو سكوروبادسكي***. بعد ذلك اندلعت في أوكرانيا الحرب الأهلية وتغيّرت السلطة أكثر من مرة، ممّا أدّى إلى توقف العملية التعليمية في الأكاديمية مرّات عديدة. كان الأساتذة والطلاب مضطرّين لمغادرة كييف بحثاً عن المأكل.

في 3 أبريل 1919 قرّرت السلطة السوفييتية إغلاق أكاديمية كييف اللاهوتية. استأنفت عملها لمدة قصيرة مع وصول جيش الجنرال دينيكين**** إلى كييف. في فبراير 1920 احتلّ البلاشفة كييف نهائياً. حاول رئيس الأكاديمية الأسقف فاسيلي (بوغداشيفسكي) تحويلها إلى مؤسّسة تعليمية عليا خاصّة يمكن أن تعمل في ظروف السلطة السوفييتية، فتمّت إعادة تسميتها بـ"أكاديمية كييف الأرثوذكسية اللاهوتية". تمكنت الأكاديمية من البقاء كمؤسسة بهذه الصفة عدة سنوات. بما أنها فقدت مبانيها التاريخية كانت المحاضرات ومناقشات رسائل الدكتوراه تتمّ في شقق خاصّة.

في أواخر سنة 1923 توقف نشاط الأكاديمية كلياً. بعض الأساتذة تعرّضوا للاضطهاد، وهاجر البعض الآخر. آخِر ذكر للعملية التعليمية في الأكاديمية يعود إلى سنة 1924. بعد ذلك تمّ القضاء عليها نهائياً. لم تبق في كييف آنذاك أية مؤسّسة لتأهيل رجال الإكليروس.

في سنوات الحرب العالمية الثانية غيّرت القيادة السوفييتية سياستها الدينية. مع افتتاح المعهد اللاهوتي بموسكو في عام 1944 ابتدأ تجديد نظام التعليم الديني في الاتحاد السوفييتي. وافقت الحكومة في عام 1945 على افتتاح دورات لاهوتية لتأهيل الرعاة في عدّة مدن، بما في ذلك في كييف. في عام 1946 ابتدأ تحويل هذه الدورات إلى كليات إكليريكية. تم افتتاح كلية كييف الإكليريكية على أساس الدورات اللاهوتية بتاريخ 18 فبراير 1947، واشتغل فيها كهنة كييف البارزون الذين كانت لهم صلة بالأكاديمية ما قبل الثورة.

في النصف الثاني من الخمسينات تغيّر موقف الحكومة من الكنيسة من جديد. ابتدأ إغلاق الكنائس في كلّ أنحاء البلاد، وصار دخول الكليات الإكليريكية للدراسة مرتبطاً بكثير من الحواجز الإدارية. كان الطلاب الإكليريكيون يتعرّضون لضغط نفسي شديد، ممّا جعل بعضهم يتركون الدراسة. في عام 1959 مُنع على الأشخاص الحائزين على التعليم العالي والمهني والذين لم يخدموا في الجيش دخول الكليات الإكليريكية. في 8 يونيو 1960 تمّ اتخاذ القرار حول إغلاق كلية كييف الإكليريكية. بقيت الكلية الإكليريكية بمدينة أوديسا مؤسّسة وحيدة للتعليم المسيحي في أوكرانيا.

ارتبطت النهضة الجديدة لمؤسّسات التعليم اللاهوتي في كييف بالذكرى الألف لمعمودية روسيا التي تمّ الاحتفال بها على نطاق واسع في عام 1988. في يونيو من نفس العام صادقت الحكومة على قرار إحالة جزء من أرض لافرا المغاور إلى الكنيسة، وفي عام 1989 سُمح بإحياء كلية كييف الإكليريكية. في أغسطس جرت أول امتحانات للقبول، وابتدأت السنة الدراسية بتاريخ 4 أكتوبر 1989.

أما أكاديمية كييف اللاهوتية فتمّ اتخاذ القرار حول إحيائها في عام 1992، مع تخرّج أول دفعة من طلاب الكلية الإكليريكية. ارتبط الإحياء اللاحق لمؤسّسات التعليم اللاهوتي بمطران كييف فلاديمير (سابودان). في عام 1997 تمّ استئناف إصدار مجلة "أعمال أكاديمية كييف اللاهوتية".

Antony Rector 100x79منذ عام 2007 يترأس المطران أنطوني (باكانيتش) أكاديمية كييف اللاهوتية وكلية كييف الإكليريكية. لقد تمّ إدخال المنهج التعليمي المتكوّن من ثلاث مراحل: البكالوريوس (4 سنوات)، الماجستير (سنتان)، الدكتوراه.

يدرس في أكاديمية كييف اللاهوتية والكلية الإكليريكية اليوم أكثر من 320 طالباً في قسم الدوام النظامي وأكثر من 700 طالب بالانتساب. يبلغ عدد الأساتذة حوالي 70 شخصاً معظمهم حائزون على درجة علمية في العلوم اللاهوتية أو العلمانية. كما توجد دورة متخصّصة للتعليم المسيحي للعلمانيين.

تتوسّع في السنوات الأخيرة العلاقات الخارجية لأكاديمية كييف اللاهوتية، حيث يدخلها للدراسة الطلاب من بلدان مختلفة (روسيا، جورجيا، كازاخستان، صربيا، مقدونيا الخ.). لقد تم توقيع اتفاقيات التعاون مع عدد من مؤسّسات التعليم العالي في الخارج. أثناء الاحتفال بالذكرى الأربعمئة للأكاديمية في 20 أكتوبر 2015 تمّ توقيع اتفاقية التعاون مع جامعة البلمند.

يخدم خرّيجو أكاديمية كييف اللاهوتية في أنحاء مختلفة من العالم. لقد صار أكثر من عشرين خريجاً رؤساء كهنة في الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية. تعتبر هيئة التدريس للأكاديمية أنّ مهمّتها الرئيسية تكمن في تنفيذ وصية المطران بطرس موهيلا الذي كان قد كتب: "إنني كنت أفكّر كثيراً وأهتمّ بأن لا يتمّ تدريس العلوم الظاهرية في المدارس فقط، بل أن توضع في المقام الأول التقوى التي يجب أن يُبذر بذرها ويترسّخ في قلوبكم الفتية، لأنّ بدون ذلك كل حكمة هي جهالة عند الله".

KDA 1.09.2015 100x45إنّ الجمع بين الإنجازات الحديثة للعلوم اللاهوتية والتمسّك بالتقليد المقدّس هو هدف رئيسي للتعليم المسيحي المعاصر.

 

المرجع:

Бурега В.В. Київська духовна академія і семінарія: 400 років (1615–2015). – К.: Видавничий відділ Української Православної Церкви, 2015

(مصدر المعلومات هو كتيّب بقلم د. فلاديمير بوريغا، نائب رئيس أكاديمية كييف اللاهوتية، صدر بمناسبة الاحتفال بالذكرى الأربعمائة للأكاديمية).

 

-----------------------

* اتحادية برست (1596) – قرار عدد من أساقفة مطرانية كييف التابعة للبطريركية القسطنطينية آنذاك على رأسهم المطران ميخائيل (روغوزا) بقبول التعليم الكاثوليكي والتبعية للبابا مع الاحتفاظ بالطقس البيزنطي واللغة السلافية الكنسية في الخدمة الإلهية. وضعت اتحادية برست بداية لكنيسة الروم الكاثوليك في الأراضي التي كانت تدخل في الكومنولث البولندي الليتواني آنذاك.

** الهتمان – رتبة عسكرية تاريخية كانت موجودة في دول أوروبا الشرقية. في الكومنولث البولندي الليتواني كان الهتمان قائداً للجيش، أما في أوكرانيا فمنذ عهد بوغدان خميلنيتسكي اتسعت وظائف الهتمان وكان يتمتع إضافة إلى قيادة جيش القوزاق بصلاحيات السلطة المدنية.

*** بافلو سكوروبادسكي (1945-1873) – جنرال وقائد عسكري اُنتخب هتماناً ليترأس الدولة الأوكرانية الهتمانية. كان نظام الحكم هذا قائماً في الفترة من أبريل حتى ديسمبر 1918 في ظروف الحرب الأهلية في روسيا. كانت أوكرانيا الهتمانية تدعم الحركة البيضاء ضدّ الشيوعيين وكانت تنهج سياسة النهضة الأوكرانية القومية.

**** أنطون دينيكين (1947-1872) – فريق في الجيش الإمبراطوري الروسي وأحد روّاد الحركة البيضاء أثناء الحرب الأهلية.