Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Thursday, December 14, 2017

Text Size

 

Bulgaria 100x64نص الفلم الوثائقي (+ الفيديو)

المطران إيلاريون: "سنتحدث في هذا الفلم عن الأرثوذكسية في بلغاريا. ابتدأ التنوير المسيحي للشعوب السلافية من معمودية بلاد بلغاريا، وقد وضع الإيمان المشترك أساساً للعلاقة الأخوية بين البلغار والروس.

سنزور كاتدرائية ألكسندر نيفسكي في صوفيا التي بناها البلغار امتناناً للجنود الروس الذين حرّروا البلاد من النير العثماني، وسنصل إلى أطلال الأديرة العريقة التائهة وسط الجبال وسنزور دير ريلا، وهو مكان الجهاد الروحي للقديس يوحنا ريلسكي شفيع بلغاريا".

بحسب التقليد، كان الرسول أندراوس المدعو أوّلاً يكرز على أرض بلغاريا المعاصرة، وقد وقعت عليه القرعة ليبشّر بالإنجيل في الأراضي الشاسعة الواقعة على امتداد سواحل البحر الأسود. كما بشّر الرسول أندراوس بالمسيح في مدينة فارنا.

خريستو تيميلسكي، المؤرخ: "كان يكرز مع الرسول أندراوس على أرض بلغاريا بطرس الرسول. كما يخبر التقليد، وصل أحدهما إلى شاطئ البحر الأسود والآخر إلى منطقتيْ ميسيا وتراقيا".

حُفظت في بلغاريا آثار الاضطهادات القاسية التي تعرّض لها المسيحيون في عصر الحكم الروماني.لا تزال قاعدة المزار المبني في مكان إعدام الشهيدين المسيحيين سيفيريان وميمنوس موجودة حتى اليوم، وقد بنيت قريباً من المزار كنيسة على اسم الملك القديس قسطنطين الكبير وأمّه القديسة هيلانة.

خريستو تيميلسكي، المؤرخ: "كان قسطنطين الكبير يحبّ مدينة سيرديكا* وفكّر حتى في جعلها عاصمة للإمبراطورية الرومانية. كان قصره يقع بقرب هذه الكنيسة القديمة، وكان يقضي في هذا المقرّ الشهور الصيفية".

تم تشييد روتوندا القديس جاورجيوس في الحي القسطنطيني، واُستعمل هذا المبنى لتتميم سرّ المعمودية. وفي فترة حكم الإمبراطور جستينيان الكبير تم تحويل الروتوندا إلى كنيسة، وقد حُفظت في داخلها أجزاء من خمسة طبقات للرسومات الجدارية من عصور مختلفة. تُعتبر صورة الملاك نموذجاً فريداً لفنّ الرسم الجداري البلغاري للقرنين العاشر والحادي عشر.

المطران إيلاريون: "نتيجة للإصلاح الديني على يد الملك قسطنطين الكبير صارت سيرديكا مقراً للكرسي الأسقفي، وفي عام 343 انعقد هنا المجمع المحلي الذي أدان هرطقة آريوس. وصل إلى المدينة للمشاركة في المجمع المطارنة والأساقفة من كل أنحاء الإمبراطورية. لم يكن هناك آنذاك السكان البلغار بعد، بل السكان الأصليون لمنطقة تراقيا، وكان بعضهم قد اعتنقوا المسيحية".

في القرن السادس بنيت في المدينة كنيسة آيا صوفيا، ولا تزال هذه الكنيسة لقرون عديدة رمزاً للعاصمة البلغارية.

الأب يوحنا كاراميخالوف: "في القرنين 13 و14 كانت الكنيسة شهيرة إلى درجة أن المدينة صارت تُسمّى باسمها، فقرّر الملك البلغاري يوحنا ألكسندر إعادة تسمية مدينة سيرديكا باسم صوفيا، ومعناه الحكمة الإلهية".

تضرّرت كنيسة آيا صوفيا كثيراً أثناء هجوم البرابرة، وفي العصر العثماني تم تحويلها إلى مسجد، وفي أواسط القرن التاسع عشر هُجرت إثر زلزال شديد. اُكتشف عند ترميمها أنه كانت في هذا المكان أربع كنائس قديمة قد بنيت بدورها على أرض مقبرة قديمة. كانت أرضية الكنائس القديمة المبنية قبل آيا صوفيا مغطاة بالفسيفساء، وقد حُفظت أجزاء منها حتى اليوم. اُكتشفت مؤخراً بقرب كنيسة آيا صوفيا مدافن قديمة، وتظهر في داخلها بوضوح ليس فقط الصلبان المسيحية المرسومة بالدهانات الطبيعية، بل الكلمات المكتوبة باللاتينية: Dominus (الرب)، Deus (الله).

خريستو تيميلسكي، المؤرخ: "في أواخر القرن الخامس بدأت القبائل السلافية التي قد اجتازت نهر الدانوب من الشمال تشنّ الغارات بهدف النهب أولاً، ومع الوقت صارت تبقى في شبه الجزيرة للشتاء. بعد وصول القبائل البلغارية الأولى التي شكلت تحالفاً مع القبائل السلافية نشأت في عام 681 المملكة البلغارية".

في عام 865 تمّت بمبادرة الملك القديس بوريس المعادل للرسل معمودية الشعب البلغاري، أما الملك فأخذ اسم ميخائيل في المعمودية. ساهمت المسيحية البيزنطية في توحيد الشعب البلغاري الفتي الذي شهد نمواً ثقافياً واقتصادياً، وفي فترة وجيزة جداً تحولّت البلاد إلى أكبر وأقوى دولة في البلقان.

استقبل الملك بوريس بكلّ إكرام تلاميذ القديسين كيرلس وميثوديوس، منوّريْ الشعوب السلافية ومبتكريْ الأبجدية السلافية. كانوا قد طُردوا من مورافيا العظمى حيث اضطهدهم المرسلون اللاتين، فوصلوا إلى بلغاريا وهم مرهقون لابسون ملابس رثة. بفضل القديسين المعادلين للرسل كليمنت الأوخريدي وناحوم وأنجلاريوس ابتدأ في بلغاريا نشاط تنويري واسع. يعتقد علماء الآثار أنه كانت تقع في ضواحي فارنا ورشة ديرية مختصّة في ترجمة المخطوطات إلى اللغة السلافية القديمة. كان القديس ناحوم الأوخريدي المعادل للرسل رائداً لهذا النشاط.

الأب باسيليوس شاغان: "القديس أنجلاريوس توفي بعد قليل إثر تلك الاضطهادات في مورافيا. أما القديس كليمنت فأرسله الملك بوريس إلى أوخريد لتأسيس مدرسة هناك، فبقي ناحوم متابعاً رئيسياً لمهمّة القديسين كيرلس وميثوديوس وقام بتنظيم كل النشاط هنا".

أثناء الحفريات تم اكتشاف قواعد مبنى سكني وكنيسة لدير قديم. من المرجح أن ورشة نسخ المخطوطات كانت من أكبر الورشات في أوروبا، حيث زادت مساحتها عن 400 متر مربع.

الأب باسيليوس شاغان: "كان يقع هنا دير ضخم يرجع إلى القرن التاسع، كما وُجد في هذا المكان ختم الملك القديس بوريس، مما يدلّ على أن هذا الدير كان من الأديرة التي أسّسها ملكنا القديس".

ساهم النشاط الكتابي في عهد الملك القديس بوريس في نشر الإنجيل، كما ساهمت إقامة القداس باللغة السلافية في حصول الكنيسة البلغارية على استقلالية عن القسطنطينية. إلا أنّ هذه العملية كانت طويلة.

المطران إيلاريون: "في عهد الملك سمعان الكبير تمّت الرسامة الأسقفية للقديس كليمنت الأوخريدي، فصار أول أسقف بلغاري كان يخدم ويعظ ويكتب باللغة السلافية. في عام 919 أثناء انعقاد المجمع المحلي في مدينة بريسلاف تم إعلان استقلالية الكنيسة البلغارية، ولكن القسطنطينية لم تعترف بها إلا في عهد الملك البلغاري التالي وهو الملك القديس بطرس".

أجمل شهادة للإيمان المسيحي على أرض بلغاريا المعمّدة حديثاً كانت حياة القديس يوحنا ريلسكي. لا يزال الدير الذي أسّسه مركزاً روحياً لبلغاريا على مدى قرون. صار يوحنا يتيماً في سنّ مبكرة وكان مضطراً ليخدم راعياً للغنم. ذات يوم ضربه صاحب القطيع بسبب ضياع أحد العجول. تضرّع الشاب القديس إلى الله، فحصلت معجزة ووجد العجل وراء نهر ستروما. ولكن مياه النهر ارتفعت، ولكي يجتاز النهر وضع القديس على الماء رداءه ورشم عليه إشارة الصليب وأخذ العجل ومشى به على الماء كما على اليابسة. رأى صاحب القطيع هذه المعجزة، فتملكه الخوف وأطلق سبيل الشاب.

بعد أن ترهبن صار يتنسّك في كوخ وسط الغابة، وقضى 12 سنة ناسكاً متوحداً. يقع منسك القديس يوحنا على بعد 4 كيلومترات عن دير ريلا، بعيداً عن البهرجة الدنيوية. يمكن الوصول إليه مشياً على الأقدام فقط. كان شفيع بلغاريا يجاهد جهاداً روحياً عظيماً في برّية ريلا، وحُفظت حتى أيامنا الصخرة التي قضى عليها في العراء أكثر من 6 سنوات بحسب التقليد. كان يبكي طول الوقت على خطاياه ويصلي بلا انقطاع، ثمّ سكن في المغارة. اليوم يترك الحجّاج هنا الأوراق مع طلباتهم. بدأ الرهبان يسكنون بقرب منسك القديس يوحنا أثناء حياته، فتمّ تأسيس دير عند نهر ريلا.

دينيتسا غانتشيفا، كاتبة الأيقونات: "هذا دير وحيد استمرّت فيه حياة الرهبنة أثناء النير التركي. كان الناس يأتون إليه، وحتى باشوات الأتراك كانوا يزورونه لأجل الشفاء ولطلب المعونة الإلهية في شؤونهم العسكرية والاجتماعية. ولكن القديس يوحنا كان يدبّر دائماً كل شيء لصالحنا نحن".

أول رئيس للدير كان القديس يوحنا نفسه، وقد ترك للإخوة وصية روحية أيْ قواعد حياة الرهبنة قائلاً: "أوصيكم أولاً بأن تحتفظوا بالإيمان المقدس نقياً وغير مدنّس بأي فكر شرير، كما تسلّمتموه من الآباء القديسين، ولا تستغرقوا في تعاليم غريبة مختلفة، بل اثبتوا وتمسّكوا بالتقاليد التي سمعتموها ورأيتموها مني. لا تزيغوا يميناً ولا يساراً، بل اسلكوا الطريق الملوكي".

قضى القديس يوحنا ريلسكي آخر خمس سنوات من حياته في المغارة في صمت وصلاة، ودُفن في تابوت حجري في نارثيكس الكنيسة المبنية في المكان. تمّ نقل رفاته المقدسة من مدينة إلى أخرى أكثر من مرّة. أثناء حرب بلغاريا مع بيزنطة كانت الرفات تتواجد في صوفيا، وفي فترة ازدهار المملكة البلغارية الثانية نُقلت رفات القديس الغير متحللة إلى العاصمة الجديدة مدينة فيليكو ترنوفو، وفي القرن الخامس عشر تمّ إرجاعها أخيراً إلى دير ريلا.

أما دير كيليفاريفو القديم الواقع ليس بعيداً عن فيليكو ترنوفو فتحتفظ راهباته بتقاليده حتى الآن. تم تأسيسه في أواسط القرن الرابع عشر، وبفضل القديس ثيودوسيوس من ترنوفو صار الدير مركزاً لتعليم الهدوئية.

نيفيانا دونتشيفا-بانايوتوفا، الدكتورة في اللسانيات: "كان الهدوئيون يولّون أهمية خاصة للغة الكتب الطقسية، وقد نشأ على يدهم أسلوب حياكة الكلمات، إذ اعتبروا أن لغة الكتب الإلهية لا يمكن أن تكون بسيطة، بل لا بدّ من أن تكون لغة راقية مجازية".

في دير القديس ثيودوسيوس من ترنوفو بدأ طريقه الرهباني القديس كبريان مطران كييف وسائر روسيا، معاون القديس سيرجي رادونيج في شؤون الحياة الكنسية والتنوير وحليفه السياسي، حيث أنه عندما كان مطراناً على ليتوانيا بارك في عام 1380 الأميرين أندري وديمتري ابنيْ الأمير الليتواني ألجيرداس للذهاب إلى حقل كوليكوفو لمساعدة المسكوبيين في محاربة الخان ماماي. وفيما بعد، لما اقترب تيمورلنك من موسكو أرسل كبريان إلى مدينة فلاديمير مسيرة صليب لإحضار أيقونة العذراء العجائبية وبنى في مكان استقبالها دير "سريتينسكي" كعلامة امتنان لإنقاذ المدينة. يميل مؤرّخو الفنون إلى اعتقاد أن القديس كبريان هو الذي استدعا إلى روسيا الرسّام ثيوفان اليوناني الذي ألهمت أفكاره أندري روبليف لإبداع أيقونة جديدة للثالوث القدوس.

المطران إيلاريون: "ساهم القديس كبريان في توحيد الإمارات الروسية حول موسكو، وظهرت في عهده في شمال البلاد كثير من الأديرة الجديدة وبنيت كنائس في كل مكان. بما أن القديس كبريان بدأ نشاطه مع المنوّر البلغاري الكبير القديس ثيودوسيوس من ترنوفو، فقد ساهم في تكميل النظام الكنسي وأثّر تأثيراً بالغاً في تطوير الثقافة الكتابية لروسيا الموسكوبية".

دير كيليفاريفو الذي بدأ فيه القديس كبريان مسيرته الرهبانية دمّره العثمانيون، وتمّ إنشاء دير ذي نفس التسمية على تلة مجاورة في مكان إسقيط الدير السابق، وذلك حوالي عام 1718. هناك يمكن مشاهدة أيقونات نادرة كتبها أفضل فناني مدرسة كتابة الأيقونات بمدينة تريافنا، كما يُعتبر الأيقونسطاس المنقوش المصنوع من قبل فناني تريافنا تحفة فنية.

أثناء فترة النير العثماني الصعبة كان الشعب البلغاري يطلب شفاعة ومعونة القديسين الأرثوذكسيين. حُفظت في بلغاريا حوالي 160 ديراً يقع معظمها في الجبال. خلال القرون الخمسة من النير العثماني كانت الأديرة وهي القلاع الروحية الغير متزعزعة تُستخدم كحصون.

الأب لوتشيزار لازاروف: "هذه هي منطقة جبل صوفيا المقدس الصغير التابعة لأبرشية صوفيا. يوجد هنا عدد ضخم من الأديرة والكنائس. لم يبق من بعضها سوى الأطلال، ولكن العاملة منها ليست بقليلة. مثلاً، تقع عند بلدتيْ غوديتش ودراغومان 58 كنيسة وديراً".

إحدى الكنائس المدمّرة هي كنيسة رئيس الملائكة ميخائيل، وقد حُفظ بقربها صليب حجري كان منصوباً في أعالي الجبال أثناء الحكم العثماني، وكانت الخدم الإلهية باللغة البلغارية تقام عنده بالسرّ.

يأتي في عيد الرسل إلى قرية بريزيه الواقعة على سفح جبل صوفيا المقدس الصغير سكان عدة قرى مجاروة، ويقام عند الصليب الحجري قرب كنيسة القديسة باراسكيفي البلغارية طقس يُسمى "قربان" في هذه المنطقة، أو التقدمة عند صليب النذور.

الأب لوتشيزار لازاروف: "الطقس يجمع بين تقدمات رؤساء الآباء في العهد القديم وتقليد أحدث نشأ في منطقتنا في عصر النير العثماني ولا يزال موجوداً حتى يومنا هذا".

عيد الرسل هو من أهمّ الأعياد المسيحية في بلغاريا، ويسبقه صيام لمدة أسبوعين. تحضّر ربّات البيوت أطعمة مشبعة للإفطار. تبدأ الوليمة من قطع الكاهن لكل رغيف خبز بلغاري. قد جرت العادة أن تتولى أسرة كان من بين أجدادها رجل يُدعى بطرس أو بولس تحضير المائدة الأساسية لكل الضيوف مهما كان عددهم.

زدرافكا أندرييفا، من رعية الكنيسة: "نأتي للعيد بمحصول جديد من البطاطا والكرز والحلويات. تفرح بناتي جداً لصنع الخبز في البيت. يجب العجن باليد والانتظار حتى يختمر العجين".

لا تدخل هذه المنطقة في الطرق السياحية وطرق الحجاج. اليوم لم يبق للكنائس الثمانية لقرى المنطقة إلا كاهن واحد، لأن عدد الرعية تقلص بشكل ملحوظ. بنيت أول كنيسة في هذا المكان في القرن السابع عشر، والكنيسة الحالية تم إنشاؤها في عام 1820، مع الاحتفاظ بشكل الكنيسة من العصر العثماني.

فينتسيسلاف زاخارييف، من الرعية: "كان هناك قانون يمنع بناء كنيسة أعلى من قامة رجل تركي راكب حصان، وإذا كانت أعلى منه كانت تُدمّر في الحال. لهذا السبب شكلها هكذا".

مرّ أهل مدينة لوفتش بتجارب صعبة أثناء النير العثماني. في عام 1784 تم إحراق المدينة وقتل معظم أهلها المسيحيين، حيث لم يبق من 20 ألف نسمة إلا 5 آلاف. أثناء فترة النهضة الوطنية صارت لوفتش عاصمة للثورة البلغارية ومركزاً للمقاومة التي ترأسها فاسيل ليفسكي الملقّب بـرسول الحرّية، واسمه الرهباني الشماس إغناطيوس. حُرّرت لوفتش من قبل القوات الروسية.

مطران لوفتش غافرييل: "كان هناك رجل يُدعى عثمان باشا لم يسمح للجنود الأتراك بالاستهزاء بأهل البلد. عندما وقع في الأسر أخذوا منه سيفه، وفي اليوم التالي أرجع له الإمبراطور الروسي سيفه تقديراً لمنعه تعذيب المسيحيين. إلا أنّ كثيرين قد قُتلوا في لوفتش".

منذ أيام الحرب الروسية التركية تُحفظ في كنيسة الثالوث القدوس أيقونة عجائبية لرئيس الملائكة ميخائيل أحضرها إلى لوفتش الضبّاط الروس قبل آخر معركة للاستيلاء على المدينة. لقد حمى رئيس الملائكة المحرِّرين، وكان عدد القتلى والجرحى في صفوف الجيش الروسي ضئيلاً.

المطران إيلاريون: "تلقّت حرب تحرير بلغاريا دعماً شعبياً واسعاً في روسيا، فتوجّه إلى الجيش الأطبّاء والممرّضات. العمل الأصعب بمستشفى عسكري قرب مدينة بيالا وقع على عاتق يوليا فريفسكايا التي كانت بارونة متألقة في الأوساط الأرسطقراطية وذهبت إلى بلغاريا متطوّعة لتعمل ممرّضة. ولكنها مرضت بالتيفوئيد في المستشفى العسكري وتوفّيت بعد حمّى شديدة استمرّت أسبوعين. تطرّق إلى وفاتها كل من فيكتور هوجو وإيفان تورغينيف، حيث كتب هذا الأخير: "إنها لم تعرف سعادة غير مساعدة المتألمين وكرّست نفسها كلياً لخدمة القريب وهي تلتهب بنار الإيمان... إلا أنه من المحزن أنّ لا أحد قال شكراً حتى لجثتها، رغم أنها كانت تخجل من كل كلمة شكر. أما أنا فأتجرّأ أن أضع هذه الزهرة المتأخرة على قبرها".

دارت المعركة الحاسمة في حرب تحرير بلغاريا في موقع ممرّ شيبكا الجبلي، حيث كان الجنود الروس يصدّون هجوم الأتراك لمدة 4 شهور تحت الأمطار والثلوج، وبفضل ذلك حقق الجيش نجاحاً على جبهات أخرى. في يناير عبر الجيش الروسي هذا الممرّ وصار طريق القسطنطينية مفتوحاً، فخرج العثمانيون من الحرب.

تم توقيع معاهدة السلام في ضاحية القسطنطينية سان ستيفانو بتاريخ 19 فبراير 1878، وهكذا استعادت بلغاريا سيادتها كدولة. تم تخليد اللحظة التاريخية على تمثال القيصر الروسي المحرِّر ألكسندر الثاني المنصوب في مركز صوفيا. وأول تمثال نُصب في العاصمة على شرف الجنود المحرِّرين هو التمثال الروسي. وُضعت هذه المسلّة على الطريق الذي هرب به عثمان باشا من صوفيا.

لا تزال الكنيسة الأرثوذكسية البلغارية تذكر في كل قداس القيصر ألكسندر الثاني المحرِّر حتى اليوم. كما تم تشييد كاتدرائية القديس ألكسندر نيفسكي البطريركية في صوفيا امتناناً للضبّاط والجنود الروس.

جيورجي تودوروف، الباحث اللاهوتي: "نادراً ما نجد في المعمار الكنسي مثل هذا الطراز الخارجي المعبِّر كما لكنيسة ألكسندر نيفسكي، حيث ترى مجموعة القباب والنوافذ وكأنها تسبّح الله بصوت واحد. فهذه في رأيي تحفة فنية ملهمة من الله. عندما كانت الكنيسة تُبنى ابتدأت فترة الحروب. في عام 1915 دخلت بلغاريا الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا ضدّ الحلفاء، أيْ ضدّ روسيا، وذلك لم يلق استحسان الشعب البلغاري. ولكن الملك البلغاري فرديناند الحاكم آنذاك قرّر أن يعيد تسمية كنيسة ألكسندر نيفسكي لتكون مكرّسة للقديسين كيرلس وميثوديوس الذين يُعتبران قديسين مسكونيين وليسا من القديسين الروس. قال: "إننا لا نسمح بأن تكون أجمل كنيسة بلغارية مكرّسة لقديس روسي". هذا بالطبع غير معقول من وجهة نظر لاهوتية، فالقديسون هم للمسكونة كلها. ولكن بما أن بلغاريا خسرت الحرب تمّ تكريس الكنيسة كما خُطّط في البداية".

بعد ثورة أكتوبر استقبلت بلغاريا العائلات الروسية التي هجرت الوطن. لقد تعلّم الأب إيميل أول صلواته على يد جدّته التي كانت ابنة لأحد قوزاق كوبان. احتفظ بالإيمان بالله وبالوفاء للوطن وهو في الغربة.

الأب إيميل بارالينغوف: "كنا نحتفل بعيد الظهور وعيد الميلاد والفصح. كان هناك تقليد حي. قال سيدنا سيرافيم وهو شيخ روحاني: "اذهب ولا تخف، فسيكون لك وطن صغير". فصارت بلغاريا الأرثوذكسية ملجأ لكلّ المهاجرين".

المطران إيلاريون: "في العشرينات ازداد تدفق اللاجئين من روسيا إلى بلغاريا. تشكلت في صوفيا وبلوفديف وفارنا وشيبكا جاليات روسية، ومعها ظهرت كنائس روسية. تمّ تعيين رئيس الأساقفة سيرافيم (سوبوليف) مسؤولاً عن الرعايا الأرثوذكسية الروسية في بلغاريا، وقد صار راعياً لكنيسة القديس نيقولاوس. تحوّلت الكنيسة التابعة للسفارة إلى مركز الحياة الروحية للروس في صوفيا. دُفن رئيس الأساقفة سيرافيم في سرداب تحت كنيسة القديس نيقولاوس. اشتهر أثناء حياته بموهبة الرؤية، وبعد رقاده يزداد عدد الذين عرفوا بالخبرة فاعلية الصلاة الموجّهة إليه".

يحتفظ أمطوش بطريركية موسكو في صوفيا بالتقاليد التي تشكلت عندما كان سيدنا سيرافيم راعياً للكنيسة. كان المهاجرون الروس ينالون رعاية روحية في كنيسة القديس نيقولاوس على مدى عشرات السنين، وكانت الرعية تمارس الأعمال الخيرية بنشاط، وهي تساعد المحتاجين وترسل المرضى للعلاج في المستشفى الروسي. لا تزال كنيسة القديس نيقولاوس اليوم مكاناً للوحدة في الصلاة بين الكنيستين الروسية والبلغارية.

أصبحت أسرة كوماروف جزءاً من الجالية الروسية الأرثوذكسية بصوفيا في أواسط القرن الماضي. يوجد في هذه الأسرة بطل لحرب التحرير الروسية التركية. قد حصل الفريق نركيز كوماروف على 18 إصابة أثناء حصار مدينة بليفن.

بوريس كوماروف: "قد أعطته زوجته أيقونة كان يحملها دائماً على صدره، فعندما أصابته رصاصة تركية وقعت على هذه الأيقونة وحصل تحتها جرح كبير. قالوا إن بيروغوف** شخصياً أجرى له العملية".

أثمن شيء جاء به أعضاء أسرة كوماروف إلى بلغاريا هو أيقونة المخلّص التي كانت ملكاً لجدّهم.

بوريس كوماروف: "عندما وصلوا إلى نوفوروسيسك وثمّ إلى القرم كانت الباخرة على وشك الانطلاق، فتعرّف على جدّهم أحد الجنود وقال له أن يصعد السلّم ولكن دون أن يأخذ أي أغراض، لأن الباخرة مزدحمة. فتسنّى له أن يأخذ هذه الأيقونة فقط".

في بداية الألفية الجديدة عادت بلغاريا إلى إكرام أصولها التاريخية، حيث تم انتخاب الملك سمعان الثاني ابن الملك بوريس الثالث ليشغل منصب رئيس الوزراء، وكان قد شغل العرش شكلياً من 1943 حتى 1946. بعد إلغاء النظام الملكي غادر سمعان الثاني البلد، ولم يرجع إلا في عام 2001. فاز الحزب الذي كان قد أسّسه في الانتخابات البرلمانية، فترأس الملك البلغاري السابق الحكومة. منذ قليل استأنفت الكنيسة البلغارية ذكر الملك سمعان في القداس، إلا أنه توجّه إلى البطريرك نيوفيطوس بطلب إلغاء قرار السنودس هذا الذي أثار الجدال في المجتمع.

المطران إيلاريون: "بعد سقوط النظام الشيوعي حدث انشقاق في الكنيسة البلغارية. صارت الحكومة "الديموقراطية" الجديدة تتدخل في شؤون الكنيسة ليس أقلّ من الحكومة الشيوعية، فازداد نطاق الانشقاق بدعم من السلطات. في عام 1998 أثناء انعقاد جلسة موسّعة للسنودس حضرها برثلماوس بطريرك القسطنطينية وألكسي الثاني بطريرك موسكو أتى روّاد الانشقاق بالتوبة ورجعوا إلى حضن الكنيسة. ولكن التغلب النهائي على الانشقاق لم يتم إلا بعد أن صار الملك السابق سمعان رئيساً للحكومة وهو يدعم الأرثوذكسية القانونية بثبات".

يرجع فضل التغلب على الانشقاق إلى البطريرك مكسيم إلى حدّ كبير. كان يترأس الكنيسة البلغارية منذ 1971 حتى 2012. عندما كان عمره 12 عاماً أرسله والداه طالباً للرهبنة إلى دير ترويان، حيث كانت قريتهم "أوريشاك" قريبة منه.

الأسقف سيونيوس، رئيس دير ترويان: "مرّ قداسته بتجارب كبيرة، منها قضية الانشقاق والنظام الإلحادي والاضطهادات الموجّهة ضدّه شخصياً، ولكنه ثبت كجندي للمسيح، فمنحه الله أن يعيش حتى سنّ متقدّمة جداً ليصير قدوة ملهمة لكنيستنا البلغارية".

رقد قداسة البطريرك مكسيم عن عمر 98 سنة ودُفن في كنيسة رقاد والدة الإله. يأتي المؤمنون من كل أنحاء بلغاريا لأخذ البركة منه.

كان دير ترويان يجذب الحجّاج في كل العصور بفضل أيقونة العذراء ذات الثلاث أيدي العجائبية. اليد الثالثة من الفضة على صورة والدة الإله أضافها القديس يوحنا الدمشقي تذكاراً لإحدى المعجزات التي تمّت بشفاعة والدة الإله. أمر الخليفة في دمشق بقطع يد القديس يوحنا. كان القديس يصلي طوال الليل أمام الأيقونة، فعادت يده سليمة.

صورة مُكرّمة أخرى لوالدة الإله توجد في دير باتشكوفو الواقع في جبال رودوب، وهي أيقونة العذراء الحنونة التي أهداها الجورجيون في عام 1311. كان دير باتشكوفو في البداية محصوراً على الرهبان الجورجيين. تم تأسيسه في عام 1083 من قبل غريغوري باكورياني القائد البارز ومعاون الإمبراطور ألكسيوس الأول كومنينوس. في أواخر القرن الرابع عشر حُبس في الدير أفثيميوس بطريرك ترنوفو وهو أكبر منوّر بلغاري كان سنداً للشعب المتألم أثناء الكفاح ضدّ النير العثماني. كان يذهب شخصياً إلى معسكر المحتلّين لطلب العفو عن الأسرى البلغار مظهراً بذلك نموذج التضحية الذاتية. اليوم بقي في أحد أقدم الأديرة الأوروبية قليل جداً من الرهبان.

الأرشمندريت سيمون، رئيس دير باتشكوفو: "عدد رهبان الدير قليل جداً اليوم. لعلّ قيم الشباب تختلف عمّا تدعو إليه الأرثوذكسية التقليدية. فالرهبنة شاخت إن جاز التعبير".

يقع خارج أسوار الدير أقدم مبانيه، وهي كنيسة ذات مدفن مبنية على طراز المعمار الجورجي النادر بالنسبة لبلغاريا. يوجد في الطابق العلوي مصلّى، وفي أسفل المبنى مدفن يشمل على 14 ضريحاً لأعضاء أسرة باكورياني. تُعتبر الرسومات الجدارية التي صوّرها يوحنا زوغراف الجورجي ذات قيمة خاصة، ويظهر عليها تأثير المدرسة القسطنطينية.

إيوانا بلانشيت، عالمة الآثار: "هذا تصوير للمقطع من سفر حزقيال عن القيامة العامة، عندما ستلبس عظام الموتى الجسد من جديد. أنا أدرس هذه الأيقونوغرافيا والنصوص الليتورجية والكتابات الآبائية، منها نصوص من القرن العاشر. معظم هذا التقليد قد ضاع، لذلك هو فريد من نوعه وممتع جداً".

ورثت الكنيسة البلغارية من بيزنطة تقاليد الترتيل الكنسي.

الراهب الشماس يوستين: "في القرن الثاني عشر تنسّك في آثوس القديس يوحنا كوكوزيليس مصلح الترتيل، ومنذ أيامه تشكلت مدارس الترتيل الكنسي. أجمل مدرسة ترجع إلى ذلك العصر هي مدرسة مدينة إيلينا ومدرسة ريلا. كانت توجد بدير ريلا حيث نتواجد الآن مدرسة كبيرة للترتيل الكنسي. ويوجد هنا قبر مؤسّسها الراهب نيوفيطوس من ريلا، عالم الموسيقى البارز. كان تقليد الترتيل يُحتفظ به في الأديرة بالدرجة الأولى ولم ينقطع حتى في عصر النير التركي".

قداسة البطريرك البلغاري نيوفيطوس معروف بمهاراته الفائقة في الترتيل الكنسي.

اليوم يتم ترميم الأديرة القديمة وبناء كنائس جديدة في بلغاريا. قد تم تكريس الكنيسة على اسم القديسين كيرلس وميثوديوس في لوفتش. وشُيدت كنيسة قيامة الرب في فيليكو ترنوفو ونُصبت على جرسيتها النواقيس التي أرسلها كهدية قداسة بطريرك موسكو وسائر روسيا كيريل.

المطران إيلاريون: "الكنيستان البلغارية والروسية تربط بينهما الذاكرة التاريخية والمساعدة الأخوية. تشهد الكنيسة الروسية منذ ربع قرن نهضة غير مسبوقة بعد عقود كثيرة من النظام الشيوعي. أما الكنيسة البلغارية فمثل هذه النهضة في أول الطريق فيها، حيث تتطوّر حياة الرعايا وتستقبل الأديرة البلغارية القديمة مئات الزوّار من بلاد مختلفة، ومنهم المؤمنون من روسيا".

تصلي الكنيسة البلغارية لأجل إحياء حياة الرهبنة. بعض الأديرة القديمة يدبّر أمورها اليوم راهب أو اثنان فقط. ولكن الأديرة البلغارية ستتحمّل التجربة، والتاريخ يشهد على ذلك. لأن هذه الحيطان هي التي انطلقت من داخلها تطلعات الشعب البلغاري إلى الاستقلال.

 

تأليف المطران إيلاريون (ألفييف)

رئيس دائرة العلاقات الكنسية الخارجية لبطريركية موسكو

إنتاج ستوديو "نيوفيت"، 2015

 

 

----------------

 

* سيرديكا – مدينة قديمة كانت تقع على أرض مدينة صوفيا المعاصرة. كانت معروفة تحت هذا الاسم في الفترة ما بين القرون الأول الميلادي والتاسع، ثم كانت تسمّى سريديتس.

 

** نيكولاي بيروغوف (1881-1810) – عالم وطبيب جرّاح روسي مشهور.

 

 

الرابط للفيديو:

https://www.youtube.com/watch?v=2dKvOBfShK4&;feature=youtu.be

 لإظهار العناوين الفرعية يرجى الضغط على رمز العجلة في أسفل شاشة اليوتيوب واختيار اللغة العربية.