Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Sunday, October 21, 2018

Text Size

 

Vladimir Pam1 100x150ليس من الصحيح الاعتقاد بأنّ معمودية روسيا هي التي أتت بالمسيحية إلى هذه البلاد. كانت معموديتها بأمر من الأمير فلاديمير في عام 988 تثبيتاً حكومياً للإيمان المسيحي والكنيسة في الأراضي الواقعة على الطريق التجاري الطويل المعروف باسم "الطريق من الفارياغ إلى الروم٭" حيث أصبحت المسيحية تنتشر تدريجياً بفضل العلاقات التجارية النشطة. فكيف كانت المسيحية في روسيا ما قبل معمودية الأمير فلاديمير وما هي مصادرها؟

بحسب التقليد والمراجع التاريخية تنقسم عملية تنوير روسيا بنور الإنجيل إلى خمس مراحل وهي على النحو التالي:

1. كرازة الرسول أندراوس في بلاد الروس.

Andrey1 100x132     يقول التقليد إنّ الرسول أندراوس أثناء تواجده في مدينة خيرسونس (جنوب شبه جزيرة القرم) للكرازة في بلاد سكيثيا بحسب القرعة التي ألقاها الرسل عرف بأن مصبّ نهر الدنيبر قريب فقرّر أن يبحر في النهر نحو الشمال. بلغ الرسول التلال التي أنشئت عليها لاحقاً مدينة كييف ليبيت في ذلك المكان وقال لتلاميذه المرافقين: "أترون هذه الجبال؟ إنّ نعمة الله ستشرق عليها وستكون هنا مدينة عظيمة ويقيم الله فيها كنائس كثيرة". فصعد الرسول هذه التلال وباركها وصلّى للرب ونصب عليها الصليب.

يشكّ بعض المؤرّخين في صحّة هذه القصّة الواردة في سفر "أخبار الأعوام الغابرة٭٭"، ولكن تقليد التكريم الخاصّ للرسول أندراوس في روسيا منذ قديم الزمان واعتباره شفيعاً سماوياً لها يعطي المجال للافتراض بأنه كان يكرز قريباً جداً من الأراضي الروسية، على الأقلّ في منطقة شمال البحر الأسود التي تدخل تاريخياً في بلاد الروس.

2. كرازة القدّيسين المعادلين للرسل كيرلس وميثوديوس.

Km Moscow 100x133في عام 862 جاء إلى القسطنطينية سفراء من أمير مورافيا روستيسلاف طالبين من الإمبراطور إرسال معلّمين قادرين على التعليم والوعظ لشعبها بلغته الأمّ. فعيّن الإمبراطور والبطريرك الأخوين من تسالونيكي - كيرلس وميثوديوس - للقيام بهذه المهمّة. توجّه الأخوان إلى مورافيا حيث قضيا ثلاث سنوات وترجما الكتب المقدّسة إلى اللغة السلافية وعلّما السلاف القراءة والكتابة وإقامة الخدمة الإلهية بلغتهم التي كانا قد وضعا الأحرف لها.

هناك افتراض بأنّ السلاف الشرقيين قد سمعوا كرازة القدّيس كيرلس أثناء تواجده في دولة الخزر في مهمّة دبلوماسية في عام 860-861. في تلك الفترة كان كثير من القبائل السلافية الشرقية خاضعة للخزر. بحسب سيرة القدّيس كيرلس اعتنق كثير من الناس المسيحية بعد مشاركته في الجدال اللاهوتي في بلاط الخاقان الخزري، ويفترض المؤرّخون بأن معظمهم كانوا من القبائل السلافية والتركية الخاضعة للخزر.

لقد ساهمت مهمّة الأخوين القدّيسين مساهمة عظيمة في نشر الإيمان المسيحي بين الشعوب السلافية. أصبحت ترجمتهما للكتب المقدّسة نقطة تحوّل في تاريخ الشعوب السلافية مهّدت لمعمودية روسيا التي تمّت في القرن التالي. بحسب بعض المراجع عمّد القدّيس كيرلس في التخوم الجنوبية للبلاد الروسية حوالي 200 عائلة.

3. معمودية الروس في عهد الأميرين أسكولد ودير.

Ascold 100x150     في عام 860 بينما كان الإمبراطور البيزنطي ميخائيل الثالث غائباً عن عاصمته يحارب العرب في آسيا الصغرى، ظهر عند أسوار القسطنطينية أسطول يتكوّن من 200 سفينة تابع لأعداء الإمبراطورية الجدد وهم الروس وعلى رأسهم أميرا كييف "أسْكولْد" و"دِير"، ممّا أثار رعب سكّان العاصمة البيزنطية بسبب مفاجأة هذه الغارة وغياب الملك وجيشه. لم يتمكّن الروس من اقتحام أسوار القسطنطينية المتينة ولكنهم قاموا بتخريب ضواحي المدينة ونهب الجزر المحيطة بها وقتل جميع الأسرى. كان البيزنطيون في حيرة شديدة إذ أنهم لم يعرفوا من الذي قام بالهجوم عليهم. سمّاهم البطريرك فوتيوس في أيّام الحصار "شعباً من الشمال" و"شعباً من أقاصي الأرض".

بحسب المراجع البيزنطية كان الإمبراطور مضطرّاً إلى العودة فور معرفته خبر حصار العاصمة، وكان يصلّي مع البطريرك والشعب طوال الليل في كنيسة "فلاخيرنا" الشهيرة حيث كان يُحفظ أهمّ مقدّسات القسطنطينية وهو ثوب والدة الإله العجائبي. وفي الصباح أخذ البطريرك هذا الثوب وطاف به على امتداد أسوار المدينة بمرافقة التراتيل والصلوات ونزل به إلى مياه البوسفور، وما أن لامس الثوب سطح الماء حتى هاج البحر الهادئ وشتتت العاصفة سفن الروس وانكسرت وغرقت معظمها ولم ينجُ إلا عدد قليل منها.

بعد هذه الحادثة بقليل ورجوع الروس إلى بلادهم أرسل الأميران أسكولد ودير إلى القسطنطينية سفراء طالبين المعمودية، وذلك بحسب خطاب القديس فوتيوس بطريرك القسطنطينية الذي أرسله إلى البطاركة الشرقيين جاء فيه عن رغبة الروس في اعتناق الإيمان المسيحي. فتمّ تلبية طلبهم وإرسال أسقف إليهم.

يتفق كثير من الباحثين وخاصّة المؤرخون الكنسيون في أنّ الأميرين أسكولد ودير ونبلاءهما وعدد من الشعب اقتبلوا المعمودية المقدّسة في كييف على يد الأسقف الذي أرسله البطريرك فوتيوس في ستينات القرن التاسع بعد حملة الروس الفاشلة على القسطنطينية. ويُطلق على هذا الحدث في بعض المراجع "المعمودية الأولى لروسيا" أو "معمودية أسكولد" أو "معمودية فوتيوس". وقد أصبحت روسيا في أواخر القرن التاسع أبرشية رقم ستين لبطريركية القسطنطينية.

4. معمودية الأميرة القدّيسة أولغا.

Stolga 67x150كانت أولغا زوجة للأمير إيغور وبدأ حكمهما في عام 912 عندما دخلت المسيحية في صراع مع الديانة الوثنية الروسية القديمة. في آخر سنوات حكم الأمير إيغور كانت المسيحية قوة روحية ملموسة في الدولة الروسية، والشيء الذي يدلّ على ذلك هو الاتفاق الذي وقّعه إيغور مع الروم في عام 944 وجاء فيه أنّ اتفاقية السلام بين الروس والقسطنطينية يجب أن يُصدّق عليها من قبل الطائفتين الدينيتين لكييف: كان "الروس المعمّدون" أي المسيحيون يؤدّون قَسَمهم في كنيسة النبي إيليا، أما "الروس الغير المعمّدين" (الوثنيون) فكانوا يحلفون على الأسلحة في معبد الإله الوثني بيرون. ويرد ذكر المسيحيين قبل الوثنيين في هذه الوثيقة ممّا يدلّ على مكانتهم البارزة في روسيا القديمة في تلك الفترة وعلى وجود أشخاص متعاطفين مع المسيحيّة في الأوساط الحاكمة. هناك اعتقاد بأنّ الأمير إيغور نفسه كان من بينهم ولكن مكانته الرسمية لم تسمح له باعتناق دين جديد شخصياً قبل نشره في بلاده. لذلك تمّت صياغة نص الاتفاق في عبارات دبلوماسية ليّنة سمحت بإقراره كقسم وثني ومسيحي على حدّ سواء.

ومن ناحية أخرى كانت مواقف الوثنية في كييف قويّة جدّاً إضافة إلى نفوذ الخزر اليهود الذين كان من مصلحتهم عرقلة نشر المسيحية في بلاد الروس. لم يستطع الأمير إيغور مقاومة المعارضين ووقّع على الاتفاق المذكور كوثني ممتنعاً عن نعمة المعمودية وقُتل من قبل الوثنيين في عام 945. بعد موته تولّت زوجته أولغا الحكم لأنّ ابنهما سفياتوسلاف كان آنذاك في الثالثة من عمره.

دخلت أولغا في التاريخ كمدبّرة عظيمة للحكم والثقافة في روسيا القديمة. ولكن اهتمام الأميرة الحكيمة (وهذا هو لقبها "أولغا الحكيمة") لم يقتصر على تثبيت الحكم وتطوير الاقتصاد فقط، بل أصبح شغلها الشاغل هو العمل على التنوير الروحي والحياة الدينية في بلادها. قد أصبحت روسيا في ذلك الوقت دولة عظيمة ولم يستطع منافستها في القوّة إلا الدولتان الأوربيتان هما الإمبراطورية البيزنطية في الشرق ومملكة الساكسون في الغرب. وأدركت الأميرة أنّ خبرة هاتين الإمبراطوريتين المسيحيتين تدلّ على أنّ الطريق إلى عظمة روسيا هو ليس طريق النجاحات الحربية فحسب، بل الإنجازات الروحية بالدرجة الأولى. ولذلك توجّهت الأميرة أولغا في عام 954 إلى القسطنطينية مع أسطول كبير في مسيرة سلام كانت أهدافها تجمع بين الزيارة الدينية والرسالة الدبلوماسية وعرض القوّة العسكرية لروسيا.

أسفرت هذه الزيارة السلمية عن التمهيد للحوار الودّي الروسي البيزنطي. وقد أبهرت عاصمة الإمبراطورية الأرثوذكسية ابنة البلد الشمالي بتنوّع الألوان والأشكال وبهاء العمارة وكثرة اللغات والثقافات. وأُعجبت بشكل خاص بجمال الكنائس وكثرة مقدّساتها، وحضرت الأميرة الروسية القداديس في أجمل كنائس القسطنطينية منها كنيسة آجيا صوفيا وكنيسة فلاخيرنا. ففتحت أولغا الحكيمة قلبها للإيمان الأرثوذكسي المقدس وقرّرت اعتناق المسيحية.

Olga 100x106اعتمدت أولغا على يد بطريرك القسطنطينية ثيوفلاكتوس (933-956)، أمّا عرّابها فكان الإمبراطور قسطنطين السابع نفسه (912-959)، وقد أورد في مؤلّفه "حول مراسم البلاط البيزنطي" وصفاً مفصّلاً للمراسم التي أقيمت أثناء تواجد أولغا في القسطنطينية. حصلت الأميرة على اسم هيلانة في المعمودية على شرف القدّيسة هيلانة المعادلة للرسل والدة الإمبراطور قسطنطين. وبعد إتمام سرّ المعمودية توجّه البطريرك إلى الأميرة بكلمة إرشاد قائلا: "مباركة أنت في النساء الروسيات، بما أنك قد تركت الظلمة وأحببت النور. فيباركك الروس في جميع الأجيال القادمة، ابتداءً من الأحفاد وأبنائهم حتى أبعد أسلافك". فأرشدها البطريرك في الإيمان والقوانين الكنسية والصلاة وشرح لها وصايا المسيحية.

تخبرنا المدوّنة التاريخية بأن أولغا كانت تتحدّث مع الإمبراطور بعزم وكنِدٍّ له وأعجبت الروم بنضوجها الروحي وحكمتها السياسية وهي تحاول إقناعهم بأن الشعب الروسي قادر على استيعاب إنجازات الروم الدينية والثقافة البيزنطية الرفيعة بل وعلى أن يزيد من ثمارها. وهكذا نجحت أولغا في "اقتحام" القسطنطينية بطريقة سلمية وذلك ما لم يستطعه أحد من القادة العسكريين من قبل.

ومع أنّ أولغا تمكّنت من التوصّل إلى اتفاق حول تجارة الروس في حدود الإمبراطورية وإعادة إقرار اتفاقية السلام الموقعة في عام 944 من قبل الأمير إيغور، لم يوافق الإمبراطور على أمرين مهمّين بالنسبة لروسيا وهما زواج ابن أولغا سفياتوسلاف من الأميرة البيزنطية وإعادة تأسيس المطرانية في كييف التي كانت موجودة في عهد الأمير أسكولد وقد تمّ إلغاؤها.

عادت أولغا إلى كييف مع الأيقونات والكتب الطقسية وبدأت خدمتها الرسولية. بالرغم من الفشل في محاولة إقامة المطرانية، أصبحت الأميرة تكرّس وقتها للتبشير بين الوثنيين وتهتمّ بإنشاء الكنائس. وفي عهدها بنيت كنيسة القديس نيقولاوس وكنيسة آجيا صوفيا في كييف، وكنيسة البشارة في فيتيبسك وكنيسة الثالوث القدوس في بسكوف (ومنذ ذلك الحين أصبحت مدينة بسكوف تُدعى في المدوّنات التاريخية "بيتاً للثالوث القدّوس").

ليس من باب الصدفة حصلت الأميرة أولغا على اسم هيلانة في المعمودية. لقد جاءت من القسطنطينية بصليب مصنوع من خشبة الصليب الكريم وأصبح أهمّ المقدّسات لكنيسة آجيا صوفيا في كييف. وكانت على هذا الصليب كتابة تقول: "لقد تجدّدت الأرض الروسية بالصليب المقدّس الذي اقتبلته أولغا الأميرة الحسنة العبادة". تمّ تكريس كنيسة آجيا صوفيا في 11 مايو 960 وأصبح هذا التاريخ فيما بعد عيداً خاصّاً في الكنيسة الروسية.

ولكن كثيراً من النبلاء في كييف كانوا يكرهون الأميرة القدّيسة أولغا من أجل الحكمة الإلهية التي كانت تنشئ لها الكنائس، وأصبح الغيورون على الديانة القديمة يربطون آمالهم بالأمير سفياتوسلاف الشاب الذي قد رفض طلبات والدته بقبول المسيحية وأبدى غضبه لهذا السبب.

عندما كبر سفياتوسلاف وتسلّم زمام الحكم لم يبق للأميرة أولغا إلا أن تخضع للأمر الواقع وتكرّس نفسها إلى أعمال التقوى الشخصية. بالرغم من أنها كانت لا تزال تتمتّع بنفس القدر من الاحترام وكانوا يلجأون إليها للاستفادة من حكمتها السياسية، لم يكن من الممكن في تلك الظروف تحقيق حلم الأميرة وهو تخليص روسيا من الديانة الوثنية وتحويلها إلى دولة مسيحية.

Pamyatnik Kiev 94x150     ومع ذلك شكّلت معمودية أولغا نقطة بالغة الأهمّية في طريق روسيا إلى المسيحية التي تم إقرارها بعد ثلث قرن. لقد سّماها مدوّنو التاريخ "فجراً يمهّد لشروق الشمس" (أي للأمير فلاديمير). وضعت الأميرة القدّيسة أساساً متيناً للحضارة المسيحية في روسيا وتُعتبر أمّاً للأرثوذكسية الروسية. ولذلك منحتها الكنيسة رتبة القدّيسة المعادلة للرسل.

لم يكن ابن أولغا سفياتوسلاف يهتمّ إلا بالحملات العسكرية ومنافسة أجداده الإسكندنافيين في المجد الحربي، الأمر الذي ربطه بالديانة الوثنية التي كانت مناسبة لعقليته وتطلعاته. لم يكن له أي تعاطف مع المسيحية، وبعد رقاد الأميرة أولغا في عام 969 أصبحت الأرثوذكسية تضيع مواقفها في روسيا إلى أن بلغت الوثنية أوج ازدهارها في عهد الأميرين سفياتوسلاف وفلاديمير.

ولكن من ناحية أخرى ساهم الأمير سفياتوسلاف وهو وثني غيور في تذليل أكبر عقبة في طريق روسيا إلى المسيحية وهي دولة الخزر اليهودية التي دمّرها بالكامل نتيجة لحملاته العسكرية الناجحة. فاتحدت القبائل السلافية الشرقية في دولة واحدة. وبالتالي حافظ سفياتوسلاف على وحدة روسيا وحماها من التهديدات الآتية من الجنوب الشرقي. ألهمه هذا النجاح إلى درجة أنه قرّر توجيه جيوشه نحو الأراضي البيزنطية. ولكن هذه المرّة باءت حملته بالفشل المخزي، فحلف الأمير المتكبّر بالقضاء على جميع أتباع إيمان الإمبراطور البيزنطي في بلاده بعد عودته إليها من بلغاريا وأرسل مرسلاً إلى كييف يأمر عن طريقه بإحراق كل الكنائس فيها. ما أنقذ مسيحيي كييف من هذه المصيبة هو قتل سفياتوسلاف المفاجئ في معركته مع قبائل البجناك في طريق العودة.

5. معمودية الأمير فلاديمير.

أصبح ياروبولك الابن الأكبر لسفياتوسلاف أميراً لكييف بعد موت أبيه، وقد تربّى مع شقيقه الأصغر أوليغ على يد جدّتهما الأميرة أولغا وبالتالي تأثر كثيراً بالأخلاق المسيحية. إضافة إلى ذلك كان متزوّجاً من يونانية مسيحية قد أسرها أبوه في إحدى حملاته وأرسلها إلى ولي عهده. ليس من المعروف إذا كان ياروبولك مسيحياً متخفياً، ولكن مما لا شكّ فيه أنه كان يحمي المسيحيين ومنحهم حرّية العبادة.

أما فلاديمير الابن الأصغر لسفياتوسلاف فلم يكن يحظى بالشعبية ولم يكن له نفس الحقوق مع أخويه كونه مولود من الجارية مالوشا خادمة الأميرة أولغا، ولذلك أصبح نصيبه في الحكم مدينة نوفغورود البعيدة التي كانت معقلاً لحزب الوثنيين، وقد شكّلوا هناك معارضة للسلطة في كييف التي قد انتشرت فيها المسيحية على نطاق واسع. ترأس فلاديمير الشابّ هذه الحركة وتوصّل إلى السلطة في كييف في عام 980 بعد محاربته لأخيه ياروبولك وقتله بالغدر.

كان الأمير الشاب آنذاك وثنياً غيوراً تمثلت فيه كافة الرذائل والصفات الوحشية الخاصّة بالوثنيين الروس. كان يبدو أن المسيحية في روسيا وصلت إلى آخر عهدها بعد استيلاء فلاديمير على السلطة في كييف. واجهت المسيحية اضطهاداً في بداية عهده حيث أنه أمر المسيحيين بعبادة الأصنام وجعل عبادة الإله بيرون ديانة رسمية للدولة وأدخل ذبائح من البشر في روسيا.

Variag 100x139في عام 983 بعد إحدى حملاته العسكرية الناجحة أراد فلاديمير أن يشكر آلهته وقرّر أن يرضيهم بدم بشري. وبنصيحة من النبلاء ألقى قرعة وأصابت القرعة الشاب يوحنا وهو ابن لأحد الفارياغ (الإسكندنافيين) المسيحيين. كان والده ثيودور يتوسّل إلى المرسلين من الأمير ليقنعهم بأنّ الآلهة الوثنية مجرّد أصنام مصنوعة بأيدي البشر، ولكن الحشد المغيظ اقتحم بيتهما وقتلهما، وبالتالي أصبحت آخر الذبائح الوثنية في روسيا أوّل شهادة مسيحية فيها، ويُعتبر ثيودور ويوحنا أوّل الشهداء المسيحيين في روسيا (تعيّد لهما الكنيسة في 12 يونيو).

إنّ الطريق "من الفارياغ إلى الروم" المذكور آنفاً أصبح بالنسبة لروسيا طريقاً من ظلمة الوثنية إلى نور المسيحية. لم يمض إلا بضع سنوات فتحوّل الأمير فلاديمير من وثني بربري شرّير إلى مسيحي تقي، وأوّل كنيسة أقامها في كييف كانت كنيسة الرقاد في مكان استشهاد ثيودور ويوحنا المقتولين بأمر منه. ولكن كيف حدث هذا التحوّل العظيم في نفسية الأمير الذي كان قد هبط في خطاياه إلى أعماق الجحيم؟

يمكنكم قراءة قصّة "الأمير فلاديمير - معمِّد روسيا" التي تصوّر بطريقة فنّية ما كان يحدث في روسيا في تلك الفترة التاريخية المصيرية (انظروا قسم "الأدب الروحي").

-------------------------------

٭ "الطريق من الفارياغ إلى الروم" - هو الطريق البحري والنهري من البلطيق إلى بيزنطا عبر أوروبا الشرقية الذي ظهر في أوائل القرن التاسع. في البداية استخدمه الإسكندنافيون لشنّ الغارات على البلاد الأكثر غنىً وثقافة وفيما بعد أصبح التجّار الروس يستخدمونه لممارسة التجارة مع بيزنطا والبلاد الشرقية وإسكندنافيا بفضل موقع روسيا القديمة الجغرافي على ملتقى الطرق التجارية.

٭٭ "أخبار الأعوام الغابرة" أو "مدوّنة نسطور" هي أوّل مدوّنة تاريخية روسيّة معروفة ترجع إلى أوائل القرن الثاني عشر، وهي منسوبة إلى القدّيس نسطور مدوّن التاريخ راهب مغاور كييف.

 

المراجع:

Петрушко В.И. Курс лекций по истории Русской Церкви. – М., 1999.

Выбор веры святого князя Владимира. – К., Свято-Покровская Голосеевская пустынь, 2007.

www.pravoslavie.ru