Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Sunday, June 24, 2018

Text Size

 

Urok Peniya 100x76احتلّ الترتيل الكنسي الروسي مكانة مميّزة في تاريخ الفنّ، حيث أنّ الموسيقى العلمانية لم تظهر في روسيا إلا في أواخر القرن الثامن عشر، أما الترتيل الكنسي فيحمل في طيّاته تاريخاً يمتدّ لألف سنة. كانت الحياة الشعبية في روسيا مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بحياة الكنيسة ومتشبّعة بالتأثير الديني بشكل عميق، إلى درجة أنّ الفن الكنسي كان فناً شعبياً.

الترتيل الكنسي الروسي كما فنّ العمارة وفنّ الرسم الكنسيان مرّ بعدّة مراحل على مدى تاريخه ويمكننا تلخيص هذه المراحل بعصرين غير متساويين في الزمن.

العصر الأول: منذ بدء المسيحية في روسيا وحتى القرن السابع عشر (وهو عصر الترتيل بالنغمة الواحدة أو بالصوت الواحد).

العصر الثاني: من القرن السابع عشر إلى أيامنا هذه.

ابتداءً من معمودية روسيا في عام 988 حتى القرن الثاني عشر بحسب رأي البعض ساد الترتيل البيزنطي وكتب النوتة والمرتلون البيزنطيون، وفي رأي الآخرين فإن نظام الترتيل السلافي الجنوبي (وبشكل رئيسي البلغاري الجنوبي) هو الذي كان سائداً. كان ذلك عصر استيعاب ومعالجة للألحان الرومية والبلغارية المنقولة إلى روسيا وإعادة تشكيلها بما يتناسب مع الروح القومية الروسية ووضْع ألحان وعلامات نوتة روسية.

أقدم نمط للترتيل الروسي يُعتبر الترتيل الكونداكاري، وأصول هذا الترتيل غامضة ولم يُعثر على أي كُتب لهذا الترتيل خارج روسيا.

Kruki1 100x75    أكثر الألحان المعروفة لدينا كُتبت في وقت متأخر عندما كان الترتيل "الزناميني" الروسي (знаменный распев) موجوداً ومعمولاً به. والاسم "زناميني" مأخوذ من شكل العلامات الموسيقية ("زناميا" = "علامة")، والاسم الثاني له هو الترتيل "الكريوكي" (крюковое пение) ويرجع أيضاً إلى شكل العلامات الموسيقية التي كانت تشبه الخطاطيف ("كريوك" = "خطّاف"). تدلّ الخطاطيف على اتجاه الصوت وتشديده وسرعة الترتيل الخ.

اللحن "الزناميني" هو أقدم لحن في منظومة ألحان الكنيسة الروسية الأرثوذكسية، ويمكن ملاحظة تطوّره المستمرّ منذ القرن الحادي عشر. ولا تزال طوائف "أتباع الطقوس القديمة" تستخدم في كنائسها كتب الألحان الزنامينية.

نظام تدوين العلامات الموسيقية لكتب الترتيل الروسية القديمة له أصل يوناني، ولكن مع مرور الوقت تحوّل هذا النظام كلياً إلى نظام تدوين روسي. ولغاية أواخر القرن الثاني عشر اتخذ الخطّ الروسي شكله الخاصّ.

ليس لدينا معرفة بالألحان القديمة ولكن وصلتنا أخبار عن وجود مدارس كنسية لتعليم الترتيل. كان للمرتل الكنسي تلاميذه الذين هم كانوا مدرسة الترتيل. كان الميتروبوليت الأول لروسيا ميخائيل الذي أتى من بيزنطة يطوف في كل أرجاء روسيا ويؤسّس الخورس في كل مكان ويقوم بإعداد المرتلين. كان المرتلون الأوائل يأتون من بيزنطة. في عهد الأمير ياروسلاف الحكيم (القرن الحادي عشر) تم استقدام ثلاثة مرتلين روم مع عائلاتهم، وكانت مهمّتهم تنظيم الترتيل الكنسي في كييف. نلاحظ في نسل الأمير القديس فلاديمير محبّتهم للترتيل الكنسي. يقول التقليد بأن الأمير القديس بوريس الذي استشهد بأمر من سفياتوبولك قضى ساعات حياته الأخيرة وهو يرتل المزامير. والأميرة حنّة ابنة الأمير ياروسلاف التي تزوّجت الملك الفرنسي هنري الأول أسّست في كييف مدرسة للإناث لتعليم الترتيل الكنسي.

لم يكن هناك كتب لتدريس نظام تدوين علامات الترتيل، وكان المرتلون يستندون إلى التقليد المسلّم من جيل إلى جيل ويتعلّمونه عملياً. ظهرت في القرن الخامس عشر كتيّبات تعليمية توضّح أسماء العلامات وشكلها وطريقة استخدامها.

إلى جانب نمط الترتيل الأساسي "الزناميني" تشكّلت لغاية القرن السابع عشر أنماط أخرى من الترتيل وهي مرتبطة بالترتيل الأصلي. وأهمّها هو الترتيل "الديميستفيني" "демественное пение" (يُعتقد أن أصل المصطلح من الكلمة اليونانية "δομέστικος"). يمكن وصف هذا الترتيل بأنه أفضل وأكثر احتفالية من الترتيل الزناميني القديم، وأهم ما يميّزه عن غيره هو عدم خضوعه لنظام الألحان.

في أواخر القرن السادس عشر لم تعد علامات تدوين الترتيل القديمة تناسب المرتلين، فاُتخذت محاولات لجعلها أكثر دقة وإضافة علامات تحدّد بوضوح علو الصوت.

Kruki Azbuka 100x67نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر هي فترة التعديلات المشهورة في كتب الخدمة الإلهية الروسية في إطار إصلاحات البطريرك نيكون. وتأثر المرتلون الكنسيون في الجدل الذي حصل على ضوء تلك التعديلات وكانوا متمسّكين بالترتيل القديم وبالتقليد. ولكن الإصلاح في النصوص كما في الترتيل كان لا بدّ منه، فترأس لجنة التعديلات في كتب الترتيل الستاريتس الشهير ألكسندر ميزينيتس من دير زفينيغورود، وأتمّ مهمّته الموكّلة إليه بنجاح باهر بحيث أن نمط الترتيل المُعدّل من قبل هذه اللجنة يُعتبر مثالياً. ولتثبيت هذا التعديل وتنظيمه قام ألكسندر ميزينيتس بوضع أبجدية الترتيل الزناميني.

منذ ذلك الحين أصبحت كُتب النوتة تُطبع ليس على الطريقة الزنامينية لكن بنوتات خطيّة مُقتبسة من كييف كانت أكثر وضوحاً. فانتشر هذا النظام في روسيا الموسكوبية انتشاراً واسعاً لسهولة تعلّمه وجلب معه أنماط الترتيل من كييف وبلغاريا واليونان. كان نمط ترتيل كييف عبارة عن ترتيل "الزناميني" المبسّط، والترتيل الرومي الجديد كان عند الشعوب السلافية الجنوبية التي كانت على احتكاك باليونانيين، وقد دخل من خلال كييف وكان المدافع عنه هو البطريرك نيكون المعروف بمحبّته للروم اليونانيين. أما الترتيل البلغاري فكان أقلّ استخداماً من اليوناني، وعلى الأغلب هو مقتبس من الشعوب السلافية التي كانت تقطن حوض نهر الدانوب وغالباً ما كان يختلط في كتب الترتيل مع النمطين الكييفي واليوناني.

وهكذا يبدأ العصر الثاني للترتيل الكنسي الروسي وهو عصر الترتيل "البارتيسي" "партесное пение" (من الكلمة اللاتينية "partes") . ظهر هذا النمط في أوكرانيا حيث كان المؤمنون الأرثوذكس في ظروف مواجهة محاولات فرض الاتحاد مع روما يسعون إلى تطوير أسلوب ترتيل كنسي خاصّ بهم يختلف عن موسيقى الأرغن. كانت الأخويات الأرثوذكسية تفتح مدارس تعليم الترتيل في الأديرة وتنشره في الرعايا. أصبح ترتيل "بارتيس" ينتشر في روسيا الموسكوبية بعد اتحاد روسيا وأوكرانيا في عام 1654 عن طريق استقدام المرتلين ونسخ المخطوطات الأوكرانية. ومع الوقت تشكّلت في روسيا مدرسة خاصة بها في الترتيل "البارتيسي".

في أيام بطرس الأكبر انتشر الترتيل التوافقي المسمّى أيضاً بالترتيل الثلاثي لأن التوافق (الهارمونيا) فيه يحصل من خلال تناسق ثلاث نغمات وثلاثة أصوات. ولكن في زمن لاحق اتخذت التوافقية شكلاً أكثر تعقيداً بحيث ازدادت مكوّنات النغمات وعدد الألحان، مع أنّ النغمات وشكل الترتيل في النصف الثاني من القرن الثامن عشر كان يؤلّفها ملحّنون أجانب لم يكونوا على علم باللغة السلافية ولا بالخدمة الكنسية الأرثوذكسية. لذلك تميّزت هذه الفترة بإدخال النغم الأجنبي (الإيطالي بالدرجة الأولى) إلى الترتيل الأرثوذكسي وخصوصاً في المدن الكبرى.

حظي أسلوب الترتيل الجديد بإعجاب الأكثرية، ولكن بما أن هذه البدع المستحدثة كانت آتية من ناحية الغرب كان هذا كافياً لرفض الترتيل "البارتيسي". في نفس الوقت حاول بعض الكهنة الدفاع عنه والتوضيح بأنه ملائم وجميل ولا يمكن اعتباره هرطقة، وخاصة أن الأمير فلاديمير أُعجب أوّلاً بجمال الترتيل وبالخدمة الإلهية الرومية وكان هذا من الأسباب التي دعته لقبول المعمودية.

في ذلك الوقت كان ترتيل الترانيم والمزامير المنتشر بين دعاة الوحدة مع روما في بولندا هو الوسيط بين الترتيل الغربي والترتيل الروسي. كانت طريقة ترتيل هذه الترانيم على عدة أصوات قد استحوذت على قلوب المرتلين الروس ببساطتها وعذوبتها وبدفء الشعور الديني في نغماتها، فدخل هذا الشكل من الترتيل في الخدمة الإلهية في الكنيسة الروسية.

في عصر بطرس الأول الذي تميّز بإدخال نواحٍ كثيرة من الثقافة الأوروبية إلى حياة المجتمع الروسي حظي القائمون على الترتيل بالمزيد من الحرّية، مما أدى إلى انتشار الأسلوب "الإيطالي" في الترتيل لفترة معيّنة. كان ذلك النمط غريباً بالنسبة للتقليد الكنسي وكان سبب انتشاره مرتبطاً بنفوذ علماني.

في ثلاثينيات القرن الثامن عشر دخلت الأوبرا إلى روسيا. في سنة 1736 تمت الإستعانة بمرتلي الخورس التابع للبلاط نظراً لخبرتهم في الأداء الجماعي ولعدم توفّر خورس مستقلّ للأوبرا وذلك لإخراج الأوبرا للموسيقار الإيطالي فرانشيسكو أرايا في المسرح. فوضع هذا الحدث بداية لفترة جديدة في تاريخ الترتيل الروسي الكنسي سُمّيت بـ"الإيطالية". اتّضح بأن المرتلين الكنسيين كانوا مطربين رائعين للأوبرا حتى أنّ بعضهم كانوا ينافسون مشاهير الأوبرا الإيطاليين. هذا دفع الملحّنين الإيطاليين إلى تأليف موسيقى للإستخدام في الخدمة الإلهية.

الحقبة "الإيطالية" أزاحت الترتيل القديم إلى الوراء، والأديرة فقط هي التي حافظت على الترتيل القديم إلى حدّ ما. ولكن في نفس الوقت تم فيها تأليف أنواع توافقية (هارمونية) وخاصة في أديرة جنوب غرب روسيا وبالدرجة الأولى لافرا مغاور كييف. في هذا الدير تشكّل ترتيل متعدّد الألحان ضمن ترتيل كييف المشهور (киевский распев)، وحفظ هذا النمط في طيّاته على قدر كبير من الترتيل "الزناميني" القديم. وهذا ما حصل أيضاً في أديرة روسيا الموسكوبية، حيث أنه في فترة أوج المسرحيات الإيطالية الموسيقية ظهرت أشكال مُبسّطة من الترتيل الجماعي وذلك بسبب غيرة المرتلين الروس لتقاليدهم القديمة، وهذا ما كان يُسمّى بترتيل الأديرة القديم.

وأخيراً، في أوائل القرن العشرين برز بعض الملحّنين الذين اقتربوا من تحقيق الأهداف الموضوعة منذ بداية القرن التاسع عشر، ومنها: 1) الابتعاد عن الروتين الإيطالي والألماني الذي تسلل إلى الترتيل الكنسي الروسي؛ 2) الاقتراب بقدر الإمكان من الروح الشعبية؛ 3) إحياء التقاليد القديمة.

وبناء على هذا التوجّه في عملية الترميم الفنية للترتيل القديم ظهرت أفضل المؤلفات الموسيقية للملحّنين أمثال: كاستالسكي، تشيسنوكوف، راخمانينوف وغريتشانينوف.

 

نماذج لأنماط الترتيل المذكورة:

 

1. الترتيل "الزناميني":

 

"معنا هو الله"

التعظيم للأمير القدّيس فلاديمير

"إن البرايا بأسرها تفرح بك..."

2. الترتيل "الديميستفيني":

 

"على أنهار بابل...."

طروبارية الفصح

3. الترتيل "البارتيسي" الأوكراني القديم:

 

"يا أمّ كلية التسبيح" (ترنيمة شعبية)

4. ترتيل كييف (الأكثر انتشاراً حالياً):

 

"طوبى للرجل"

"ها هو ذا الختن يأتي في نصف الليل"

"تعظّم نفسي الرب"

5. تلحين تشيسنوكوف:

 

"يا نوراً بهياً"

6. تلحين راخمانينوف:

 

"طوبى للرجل"

"باركي يا نفسي الرب"