Text Size

الأحد, نيسان/أبريل 22, 2018

 

Kiev Maket 100x66بعد وفاة الأمير القديس فلاديمير في 13 (28) يوليو عام 1015 ورث ابنه الأكبر سفياتوبولك العرش. وُلد من اليونانية التي كانت في السابق زوجة للأمير ياروبولك أخي فلاديمير في الفترة عندما كان فلاديمير لا يزال وثنياً. كان سفياتوبولك يتميّز بطباعه السيئة وقبل موت أبيه بقليل قاد تمرّداً ضدّه. كانت له الأولوية في وراثة العرش كونه الابن الأكبر.

      ولكن فلاديمير لم يكن يحبّ ابنه هذا لطباعه الغدّارة، كما لم يكن يحظى بشعبية بين الناس. لذلك كان سفياتوبولك يخاف من احتمال المنافسة على العرش، وكان يعتبر ابنيْ فلاديمير الأصغرين بوريس وغليب المولودين من الأميرة البيزنطية حنة خصمين رئيسيين له. وُلد الأميران بوريس وغليب من زواج باركته الكنيسة بعد أن صار والدهما مسيحياً، وكانت أمّهما ذات أصل إمبراطوري، ممّا كان يزيد من حق بوريس وغليب في العرش لو رغبا في هذا. ولكنهما لم يكونا يفكّران بهذه الطريقة. تقول سيرتهما إن الأخوين القديسين اعترفا بسفياتوبولك أميراً شرعياً كمسيحييْن مطيعين للقانون.

ولكن سفياتوبولك القاسي بالرغم من قبوله المعمودية كان لا يزال في داخله وثنياً ويقيس الآخرين على نفسه. كان صهراً وحليفاً لملك بولندا بوليسلاف الأوّل، وكانت المسيحية الغربية أقرب إلى قلبه. أمّا بوريس وغليب فهما ممثلان للمسيحية الشرقية، ولذلك فضّلا الموت على القيام ضدّ أخيهما.

كان بوريس وغليب أوّل القديسين الروس الذين تمّ إعلان قداستهم (عام 1072). لقد اندهش الشعب بموتهما الذي قبلاه باتضاع. ارتبطت ذكراهما بالوعي المسيحي الروسي ارتباطاً عميقاً لأن موتهما كان غير اعتيادي وبعيداً كل البعد عن الأخلاق الوثنية السابقة. كان الأمراء الروس في الماضي يتحاربون من أجل العرش بغضّ النظر عن قرابة الدم بينهم، أمّا بوريس وغليب فكانا ممثلين لجيل جديد من المسيحيين في روسيا يضع في صدارة حياته المثال الإنجيلي الأعلى ويفضّل الموت الاستشهادي على الحرب مع القريب. انتشر التكريم الشعبي للقديسين بوريس وغليب في روسيا بسرعة فائقة وكان لاستشهادهما أثر كبير على تربية المسيحيين الروس.

بعد استشهاد الأميرين بوريس وغليب اندلعت الحرب على العرش، وبأمر من سفياتوبولك تم قتل الأخ الثالث سفياتوسلاف (ولكنه لم يظهر الوداعة مثل بوريس وغليب وحاول الهروب إلى المجر حيث تم قتله). أطلق الشعب على سفياتوبولك اسم "اللعين" بسبب أعماله الوحشية. في الفترة 1015-1019 كانت الحرب بين سفياتوبولك وأخيه ياروسلاف أمير نوفغورود قائمة. وخرج ياروسلاف منتصراً منها وصار أميراً لكييف. أمّا خصمه المخلوع من العرش فهرب إلى الغرب ومات هناك.

Grivna 100x54   وُلد ياروسلاف في عام 978 أو 979 من الأميرة روغنيدا ابنة أمير بولوتسك* وهي الزوجة الأولى للأمير فلاديمير. قبل أن يهزم أخاه سفياتوبولك عام 1016 كان أميراً لروستوف ونوفغورود. استمرّ حكم ياروسلاف 37 سنة ودخل الأمير في التاريخ كبنّاء عظيم لروسيا الكييفية، واشتهر بتشييد الكنائس وتدبير الحياة في المدن. في عام 1037 هزم ياروسلاف جيش قبائل البجناك** الضخم عند كييف نهائياً، وتذكاراً لهذا الحدث التاريخي أقام كنيسة آيا صوفيا في كييف في مكان المعركة العنيفة مع البجناك.

كانت هيبة روسيا في عهد ياروسلاف عظيمة جداً، وتدلّ على هذا الأمر الزيجات السياسية التي عقدها الأمير نفسه وأبناؤه. كان ياروسلاف متزوّجاً من ابنة الملك السويدي إنغيغيردا التي حصلت في المعمودية على اسم إيرينا، وأقيمت كنيسة ضخمة في كييف على شرف شفيعتها السماوية. أمّا ياروسلاف نفسه فكان يحمل اسم جاورجيوس في المعمودية وكرّس لشفيعه كنيسة كبيرة أيضاً. قبلت إيرينا الرسامة الرهبانية قبل موتها باسم حنة ودخلت مع هذا الاسم في التقويم الكنسي. رقدت في نوفغورود ودُفنت في كاتدرائية آيا صوفيا التي بناها ابنها الأكبر فلاديمير الذي تم إعلان قداسته أيضاً.

كان الأمير إيزياسلاف الابن الثاني لياروسلاف متزوّجاً من الأميرة البولندية، أما فسيفولود الابن الأصغر فكان متزوّجاً من مريم ابنة الإمبراطور البيزنطي قسطنطين التاسع مونوماخوس، ووُلد من هذا الزواج الأمير الروسي الشهير فلاديمير مونوماخوس. أصبحت بنات ياروسلاف زوجات لحكّام النرويج والمجر وفرنسا، وكانت أخته زوجة للملك البولندي، فكل هذا يدلّ على أن روسيا في عهد ياروسلاف كانت تعتبر من أهمّ دول أوروبا. كان ملوك الغرب يطلبون التحالف مع أمير كييف الجبّار بفضل قدرة روسيا العسكرية وجيشها القوي، لكن ياروسلاف الذي أطلق عليه الشعب لقب "الحكيم" كان يتميّز بحكمة حقيقية وهي تكمن في محبّته للثقافة المسيحية وسعيه إلى متابعة ما قد بدأه والده.

كان الشغل الشاغل لياروسلاف ليس فقط نشر الإيمان المسيحي من الناحية الجغرافية، بل تعميق الحياة المسيحية بين شعبه. اشتهر ياروسلاف بنشاطه التثقيفي، وكان نفسه يحبّ القراءة ومحادثة العلماء. في عام 1028 أسّس أوّل مدرسة كبيرة في نوفغورود حيث جمع 300 من أولاد الكهنة. ظهرت في عهده القطعة النقدية الفضية التي كانت تحمل صورة الرب يسوع المسيح على وجه واحد وصورة القديس جاورجيوس شفيع الأمير ياروسلاف على وجه آخر. كما دعا الأمير أهل العلم وكلّفهم بترجمة المؤلفات الروحية من اليونانية ونسخها، فأسّس أوّل مكتبة في روسيا تابعة لكنيسة آيا صوفيا في كييف. في ذلك الوقت قد نشأ جيل جديد بدأ الدراسة في عهد الأمير فلاديمير. كان من الصعب جداً تثقيف الملايين من الشعب (يُعتبر أن عدد سكّان روسيا القديمة قبل الغزو المغولي كان يبلغ 6 ملايين نسمة) وخاصة باعتبار حدود روسيا الجغرافية، لكن الأمير ياروسلاف نجح من نواحٍ كثيرة. تشير الوثائق التاريخية إلى أن معظم سكّان المدن في عهده كانوا يعرفون القراءة والكتابة، بل ظهر في عصره الأدب الروسي الخاصّ.

يُعتبر أن عدد الكنائس في روسيا في عهد الأمير فلادمير بلغ عدة عشرات، وهذا رقم صغير جداً بالنسبة لمساحة الدولة. يكمن السبب الرئيسي لقلة الكنائس في تلك الفترة ليس في الصعوبات التقنية بل في عدم وجود كهنة مهيّئين للخدمة الكنسية والنشاط التبشيري. كان بعض الكهنة يأتون من بلغاريا، أمّا الكهنة الروم (البيزنطيون) فلم يعرفوا اللغة السلافية ولم يكونوا مهيّئين للتبشير في روسيا. كان مطارنة كييف في تلك الفترة يأتون من بيزنطة وكانوا يتعاملون مع نخبة المجتمع في كييف بالدرجة الأولى. أمّا الكهنة فكان لا بدّ من أن يتعاملوا مع الشعب بلغته وأن يفهموا روحه وأسلوب تفكيره. لذلك نشأت هناك مسألة تأهيل الكهنة الروس لإقامة الخدمة الكنسية ورعاية الشعب الروحية، علماً بأنه لم يكن بعد في روسيا تقليد الإرشاد الروحي بسبب عدم وجود الأديرة الروسية.

Yaroslav Icon 100x133في عهد ياروسلاف ازداد عدد الكنائس بكثير وبلغ عددها في كييف وحدها عدّة مئات، علماً بأن عدد سكان كييف في العصر ما قبل الغزو المغولي كان يبلغ حوالي 100 ألف نسمة (وبالتالي، كانت لكل 50-100 شخص كنيسة واحدة). إذا كانت في كل كنيسة الأيقونات والكتب والأواني الكنسية وعلى الأقل كاهن مؤهّل واحد فمن الممكن تصوّر القفزة الثقافية والروحية التي قامت بها روسيا القديمة في عهد الأمير ياروسلاف. في عام 1045 حضر ياروسلاف وزوجته إلى نوفغورود حيث كان يحكم ابنهما فلاديمير لوضع حجر أساس لكنيسة آيا صوفيا هناك.

كانت الكنائس المبنية في عهد ياروسلاف الحكيم ضخمة الحجم وذلك لإثارة الوعي الديني عند الروس وللتبشير عن طريق فنّ العمارة. كانت تلك الكنائس تجسيماً للثقافة التي قبلتها روسيا كييف بعد أن كانت قد غرقت لمئات السنين في الجهل والوثنية. كان الفن الكنسي البديع من شأنه أن يؤثر على الناس كما حصل مع سفراء الأمير فلاديمير في كنيسة آيا صوفيا في القسطنطينية. من المعروف أنه بعد بناء كنيسة آيا صوفيا وغيرها من الكنائس في كييف وإنشاء البوابة الذهبية الشهيرة فيها أصبح المعاصرون لتلك الفترة يقارنون كييف بالقسطنطينية. أمّا الأميران فلاديمير وياروسلاف فصاروا يقارنونهما بداود وسليمان، فكما أسّس داود أورشليم وجهّز كل شيء لبناء الهيكل وشيّد سليمان الهيكل نفسه، هكذا في روسيا أسّس فلاديمير دولة مسيحية، أما ياروسلاف فأقام كنيسة آيا صوفيا أيْ حكمة الله التي ارتبطت بالصور من الكتاب المقدّس والتقليد الأرثوذكسي. نجد في المدوّنات التاريخية الروسية مديحاً لحكمة ياروسلاف، وبحسب القدماء حظى الأمير بلقب "الحكيم" لأنه بنى كنيستين مكرّستين للحكمة الإلهية (في كييف ونوفغورود وهما أهمّ مدن الدولة في تلك الفترة) تقليداً لكنيسة بيزنطة الرئيسية.

كان للأديرة شأن عظيم في تنوير الشعب الروسي الأرثوذكسي. ظهرت الرهبنة الروسية في عهد ياروسلاف الحكيم. بالرغم من وجود أديرة رومية في روسيا الكييفية في عهد الأمير فلاديمير، إلا أنّ حياة النسك ظهرت في عهد ياروسلاف، وذلك في دير مغاور كييف الشهير الذي هو مهد الرهبنة الروسية. من هنا انتشرت الرهبنة في روسيا كلها، وظهرت هنا مدرسة روحية أعطت لروسيا كثيراً من الأساقفة والمبشّرين خلال كل الفترة ما قبل الغزو المغولي. في عام 1030 أسّس ياروسلاف دير القديس جاورجيوس في نوفغورود وأمر بالتعييد لشفيعه في كل روسيا بتاريخ 26 نوفمبر ("يوم جاورجيوس").

تقول المدوّنة التاريخية "أخبار الأعوام الغابرة" المنسوبة إلى القديس نسطور مدوّن التاريخ: "... وبدأ الإيمان المسيحي في عهده يثمر وينتشر وازداد عدد الرهبان وظهرت الأديرة. وكان ياروسلاف يحبّ النظم الكنسية ويحبّ الكهنة كثيراً وخاصّة الرهبان منهم، ويحبّ الكتب وهو يقرأها ليلا ونهاراً. وجمع كتبة كثيرين فكانوا يترجمون من اليونانية إلى السلافية، وألّفوا كتباً كثيرة يتعلّم منها الناس المؤمنون ويتمتعون بالتعليم الإلهي. هناك من يحرث الأرض ومن يبذر البذار فيها ليحصد الآخرون ويأكلوا الطعام الذي لا ينضب – هكذا كان هو. لأن والده فلاديمير قد حرث الأرض وليّنها، أيْ نوّرها بالمعمودية، أما هذا فبذر كلمات الكتب في قلوب الناس المؤمنين ونحن نحصدها قابلين تعليم الكتب".

كانت الكنيسة الروسية في عهد الأمير ياروسلاف مهتمّة بالدرجة الأولى بتربية الشعب الأخلاقية وكانت تحارب نمط الحياة الوثني بحزم. كان همّها الأساسي هو تربية النظرة المسيحية إلى الأسرة. يقول القديس نسطور مدوّن التاريخ إن أجداده الوثنيين "كانوا يعيشون مثل الوحوش"، ومن ظواهر ذلك عادة اختطاف العرائس وغير ذلك من العادات الوثنية التي تمنعها الكنيسة منعاً باتاً. كانت الكنيسة تساهم في تقوية الأسرة وتقدّسها في سرّ الزواج وتعمل على تنوير جميع نواحي حياة الشعب. حوالي عام 1010 أسّس ياروسلاف مدينة ياروسلافل وبنى فيها أوّل كنيسة مكرّسة للنبي إيليا الذي هو معروف كمكافح الوثنية.

كما ساهم ازدهار روسيا الكييفية في عهد ياروسلاف في تطوير الوعي القومي للشعب. لكن الإحساس بالنمو السياسي والثقافي للدولة كان يناقض نظرة البيزنطيين المتعالية إلى روسيا على أنها محمية للإمبراطورية. بعد عدة خلافات بين التجار الروس والروم اليونانيين في القسطنطينية وفي آثوس اندلعت الحرب بين روسيا وبيزنطة. أعمى الروم الأسرى الروس كما كانوا يفعلون برعايا الإمبراطورية المتمرّدين. لذلك وبالرغم من عقد الصلح مع الروم في عام 1046 قرّر ياروسلاف أن يتخلّص من سيطرة القسطنطينية الكنسية. في عام 1051 بعد موت المطران ثيوبيمبتوس أقام مجمع الأساقفة الروس بموافقة من ياروسلاف إيلاريون الروسي الأصل مطراناً لكييف دون أن يرفض تبعيتها لبطريرك القسطنطينية. بهذه الخطوة أظهرت الكنيسة الروسية سعيها إلى الاستقلال الكنسي عن القسطنطينية. لكن البطريركية لم تعترف بهذا الأمر، وبعد موت ياروسلاف عام 1054 صار أفرام اليوناني الأصل من القسطنطينية مطراناً لكييف.

Ilarion Ki 100x104      يجدر بالذكر أن شخصية إيلاريون أوّل مطران روسي الأصل كانت متميّزة. وصفه القديس نسطور مدوّن التاريخ بأنه "رجل صالح ومتعلم وصوّام". كان إيلاريون قبل رسامته أسقفاً على كرسي كييف كاهناً في كنيسة الرسل في ضواحي المدينة، وهناك حفر لنفسه مغارة على ضفة نهر الدنيبر للاعتزال فيها للصلاة. عندما انتقل منها بعد رسامته الأسقفية سكن في هذه المغارة في الفترة بين 1051-1054 الراهب الروسي أنطونيوس الذي جاء من آثوس، وهذه كانت نقطة البداية لدير مغاور كييف.

كما كان إيلاريون أوّل كاتب روحي روسي، وهو صاحب "الكلمة حول الناموس والنعمة" الشهيرة التي تتضمّن "المديح للامير فلاديمير". من تأليفه أيضاً "الاعتراف بالإيمان" الذي كتبه بسبب رسامته أسقفاً. كان إيلاريون يسعى إلى التشديد على دور الأمير فلاديمير البارز في نشر المسيحية في روسيا، وفي نفس الوقت نجد في مؤلفه لأوّل مرّة الفكرة حول المهمّة الخاصة التي دُعي إليها الشعب الروسي. يذكر إيلاريون مثل الفعلة في الكرم ويقارن بهم الروس الذين قبلوا المعمودية في الوقت المتأخر ولكنهم سيجدون مكانهم قرب المسيح مثل الشعوب المسيحية الأخرى. إيلاريون هو مثال عجيب للشخصية المسيحية التي هي من ثمار معمودية روسيا التي لم يمضِ عليها إلا نصف قرن. كان إيلاريون إنساناً تربّى في الإيمان المسيحي وناسكاً حقيقياً تجسّدت فيه ثمار الرهبنة الأرثوذكسية. كما كان لاهوتياً يفهم جيداً قوانين الكنيسة وصاحب موهبة أدبية وخطابية. كان شخصية جبّارة بالنسبة لذلك العصر مثل تلك الكنائس الضخمة التي بناها ياروسلاف وكرّسها المطران إيلاريون.

ولكن بعد موت ياروسلاف نجد اسم إيلاريون يختفى عن صفحات المدوّنة التاريخية. قد يرجع سبب ذلك إلى رغبة البيزنطيين في محو ذكرى هذه الفترة في تاريخ الكنيسة الروسية. لكن كما يعتقد الباحثون لم يكن الهدف من تعيين إيلاريون مطراناً على كرسي كييف بصفة مستقلة هو الاستقلال عن البطريركية، بل السعي إلى شبه استقلال، وبالدرجة الأولى اختيار مطران كييف في روسيا وليس في القسطنطينية. لم يكن في وسع الأمير ياروسلاف تثبيت هذا النظام للمستقبل، وبعد قليل صارت روسيا تنقسم إلى إمارات مستقلة، وفي هذه الظروف كان من الأفضل بالنسبة للأمراء الكثيرين المتحاربين أن يكون لهم مطران يوناني الأصل كونه شخصية محايدة ومحكّم في خلافاتهم.

اشتهر ياروسلاف أيضاً كواضع أوّل مجموعة قوانين في روسيا تحمل اسم "الحق الروسي" ("Russkaya Pravda") (تم وضعها في الفترة 1019-1054) شملت قوانين العقوبات والوراثة والتجارة ووضعت أساساً للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والقانوينة للسلاف الشرقيين.

رقد ياروسلاف في 20 فبراير 1054 على ذراعيْ ابنه المحبوب فسيفولود وقبل موته أعطى لأبنائه الوصية التالية (بحسب "أخبار الأعوام الغابرة"): "ها أنا أترك هذا العالم يا أبنائي، فلتكن بينكم محبّة لأنكم إخوة من نفس الأب ومن نفس الأمّ. فإذا عشتم في محبّة بينكم سيعيش الله فيكم ويُخضع أعداءكم لكم وستعيشون في سلام. أمّا إذا عشتم في كراهية وخصام وخلاف فستهلكون أنتم وتُهلكون بذلك أرض آبائكم وأجدادكم الذين أحرزوها بجهاد كبير. لكن عيشوا في سلام وكل أخ فليسمع للآخر...". قبل موته وزّع ياروسلاف الأراضي الروسية بين أبنائه الستة، وصار إيزياسلاف أميراً لكييف.

Sarkofag 100x75   دُفن ياروسلاف في كاتدرائية آيا صوفيا في كييف في تابوت مرمري وزنه 6 أطنان كان مخصصاً للقديس كليمنت بابا روما وكان الأمير فلاديمير قد جاء به من خيرسونس. لا يزال هذا التابوت موجوداً في الكاتدرائية. قد تمّ فتحه عدة مرّات خلال القرن العشرين لإجراء البحوث العلمية، وفي عام 1940 أنشأ عالم الأنثروبولوجيا ميخائيل جيراسيموف تمثالاً نصفياً للأمير ياروسلاف. ولكن بقاياه ضاعت في القرن العشرين، وبحسب رأي المؤرّخين يجب البحث عنها في الولايات المتحدة الأمريكية.

Yaroslav Bust 100x132بدأ التكريم الشعبي للأمير ياروسلاف بعد موته، ولأوّل مرّة يرد ذكره كقدّيس عند آدم البريمني***. لم يكن ياروسلاف الحكيم يُعتبر رسمياً من قدّيسي الكنيسة الأرثوذكسية، إلا أنه في 9 مارس 2004 تمّ إدخال اسمه في التقويم الكنسي للكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية بمناسبة الذكرى 950 لرقاده، وفي 8 ديسمبر 2005 تمّ إقرار تاريخ 20 فبراير/ 5 مارس كتذكار الأمير الحسن العبادة ياروسلاف الحكيم، وذلك ببركة من البطريرك ألكسي الثاني. بحسب التقليد يُعتبر ياروسلاف الحكيم شفيعاً لرجال السياسة والقضاة والمحامين ومعمّري الكنائس والعاملين في المكتبات والعلماء والأساتذة والطلبة.

معلمومة إضافية: في عام 2008 فازت شخصية ياروسلاف الحكيم بالمرتبة الأولى في نتائج التصويت في المشروع التلفزيوني "الأوكرانيون الكبار" (المعادل للمشروع 100 Greatest Britons لقناة BBC).

----------------------------

* بولوتسك – أقدم مدينة في روسيا البيضاء ومن أقدم مدن روسيا كييف، كانت مركزاً لإمارة بولوتسك.

* البجناك – اتحاد قبائل الرحّل الذي تشكّل في القرنين الثامن والتاسع، بعد انتقالهم من آسيا إلى سهول أوروبا الشرقية. منذ أواخر القرن التاسع وحتى المعركة الحاسمة التي انهزم فيها البجناك على يد ياروسلاف الحكيم تعرّضت روسيا لغزواتهم مرّات كثيرة. كان البجناك هم الذين قتلوا سفياتوسلاف ابن الأميرة أولغا والد الأمير فلاديمير في عام 972 عند جنادل الدنيبر وصنعوا من جمجمته كأساً بحسب عادتهم.

*** آدم البريمني – مؤرّخ من شمال ألمانيا عاش في القرن الحادي عشر. يتضمّن مؤلّفه التاريخي  Gesta Hammaburgensis ecclesiae pontificum  معلومات ثمينة حول تاريخ الشعوب السلافية.

 

المراجع:

 

Петрушко В.И. Курс лекций по истории Русской Церкви

Костомаров Н.И. Русская история в жизнеописаниях ее главнейших деятелей

Святой благоверный князь Ярослав Мудрый// Мгарскiй колоколъ, № 74, март 2009

Повесть временных лет

المجموعة: الكنيسة الروسية