Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Sunday, June 24, 2018

Text Size

 

Savva Simeon 100x124تاريخ الرهبنة الصربية في آثوس يمكن متابعته بوضوح على أساس الوثائق المحفوظة. من الأرجح أن الرهبان من الأصل الصربي كانوا يعيشون في أديرة مختلفة في الجبل المقدّس وذلك قبل إنشاء ديرهم القومي بكثير.

ولكن الحدث الأبرز في تاريخ الجماعة الصربية الآثوسية كان مجيء الأمير راستكو (الابن الثالث للأمير ستيفان نيماني) في عام 1191 إلى الجبل. دخل راستكو كمريد للرهبنة في دير القديس بندلايمون الروسي حيث قبل الرسامة الرهبانية بعد قليل باسم سابا على شرف القديس سابا المتقدّس، وبعد فترة من الوقت انتقل إلى دير فاتوبيذي.

في عام 1197 انضمّ إلى سابا والده الذي تخلّى عن العرش لصالح ابنه الثاني (ستيفان المتوّج أوّلاً) وقبِل الرسامة الرهبانية باسم سمعان. تمّ إنشاء العديد من الأبنية في دير فاتوبيذي على حسابهما، كما تم تجديد الكنيسة المهدّمة من قبل القراصنة في منطقة بروسفورا وشراء بعض المتوخيونات (المنشآت) المهجورة التي سكنها فيما بعد المنحدرون من صربيا. وتكريماً لنشاط القدّيسين سابا وسمعان أدخل رهبان فاتوبيذي اسميهما في قائمة المحسنين إلى الدير.

أثناء زياراتهما لمقدّسات جبل آثوس انتبه الأب والابن إلى أطلال دير صغير في شمال شرق شبه الجزيرة بين ديريْ زوغرافو وإسفيغمينو بقي مهجوراً بعد تخريبه من القراصنة. كان هذا الدير الذي أُسّس في سنة 1076 على أبعد تقدير مكرساً لدخول والدة الإله إلى الهيكل ويحمل اسم "خيلنداري" (Χελανδαρίου) وفي أواخر القرن الثاني عشر كان مُلكاً لفاتوبيذي. توجّه القديس سمعان إلى الإمبراطور ألكسي الثالث أنجيلوس (الذي كان ستيفان المتوّج أوّلا متزوجاً من ابنته) بطلب تجديد هذا الدير ليكون صربياً، فلقي هذا الطلب دعم جميع أديرة الجبل المقدس (ما عدا فاتوبيذي) ورئيس المجلس التنفيذي للجبل. ففي النصف الثاني من عام 1198 أصدر الإمبراطور مرسوماً مختوماً بالذهب بشأن نقل دير خيلانداري إلى سمعان وسابا وترفيع الدير إلى رتبة دير ملكيّ وإعفائه عن كل سلطة بما فيها سلطة رئيس المجلس التنفيذي (Πρωτεπιστάτης) وإعادة كافة الأملاك والأراضي الخاصة بالدير له. كان تأسيس دير صربي في الجبل المقدس مرحلة مهمّة في طريق الكنيسة الصربية نحو الاستقلال، وقد تمّ التمهيد لهذا الأمر في عهد الأمير ستيفان نيماني، أمّا إنجاز هذه المهمّة فتولاها ابناه القدّيسان سابا وستيفان بعد رقاد والدهما.

في عام 1199 أهدى الإمبراطور لدير خيلانداري دير زيغ (يوفانيتسا) ليكون منشأة تابعة له، وفي نفس السنة اقتنى القديس سابا قطعة أرض في كارييس حيث أسّس قلاية فيها كنيسة على اسم القديس سابا المتقدّس ليتوّحد فيها من أجل الجهاد الرهباني وأدخل نظاماً خاصّاً هناك ("نظام قلاية كارييس")، فأصبحت مركزاً ثانياً للرهبنة الصربية في آثوس. من الأرجح أنه في نفس الفترة تم وضع النظام الرهباني لدير خيلانداري. أعطى القديس سمعان قبل موته بقليل (رقد في 13 فبراير 1200) شهادة مُلكية لدير خيلانداري (هلكت النسخة الأصلية في بلغراد عام 1941) تؤكّد إهداء أراضٍ واسعة له بجوار بريزرن. إضافة إلى ذلك، اقتنى القديسان سمعان وسابا 14 ديراً صغيراً لتكون ملكاً لخيلانداري، كما اشترى الأخير لاحقاً المزيد من الأراضي في منطقة البرزخ. كانت أملاك الدير في تلك الفترة تسمح له بأن يتسع لمائتيْ راهب، إلا أن عددهم في أوائل القرن الثالث عشر لم يتجاوز 90 شخصاً. كما تبرّع ستيفان المتوّج أوّلاً بأملاك كثيرة لدير خيلانداري في صربيا.

Hilandar View 100x52     كان الدير على مدى تاريخ الدولة الصربية يتمتّع برعاية حكّامها، ابتداء من سلالة نيمانيتش، ثمّ سلالتيْ خريبيلانوفيتش وبرانكوفيتش. كما كان الدير يحظى برعاية الأباطرة الروم (وذلك حتى فترة الحملات العسكرية لستيفان دوشان في النصف الثاني من القرن الرابع عشر)، وقد حُفظ في أرشيف الدير الشهادات الإمبراطورية الصادرة عن كل من ميخائيل الثامن باليولوج وأندرونيك الثاني وأندرونيك الثالث إضافة إلى عدد من الشهادات المذكورة في الوثائق التاريخية في العصور اللاحقة.

منذ بداية إعادة إعمار دير خيلانداري على أيدي الرهبان ذوي الأصل الملوكي احتلّ مكانة خاصة في الجبل المقدس إذ أنه كان ديراً رئيسياً لصربيا بل ديراً ملكياً مرعياً من حكّامها وأحد أهمّ مراكز الحياة الكنسية والثقافية للدولة وهو واقع على مسافة بعيدة عن حدودها. لم يكن يتمتع بمثل هذه المكانة دير زوغرافو البلغاري ولا دير بندلايمون الروسي ولا أي من الأديرة اليونانية المجيدة لشبه الجزيرة الرهبانية. يحتلّ خيلانداري المكانة الرابعة في ترتيب الأديرة (بعد اللافرا الكبيرة وفاتوبيذي ودير إيفيرون) ويدخل في عدد الأديرة الخمسة التي يمكن أن يتمّ انتخاب رئيس المجلس التنفيذي للجبل المقدس من رهبانها. وحتى أواسط القرن الرابع عشر رُسم العديد من رؤساء خيلانداري ورهبانه كرؤساء الكهنة في صربيا.

Hilan2 100x98من الناحية الاقتصادية والإدارية والدفاعية كان خيلانداري عبارة عن منظومة معقدة متفرّعة لا تزال آثارها موجودة حتى يومنا هذا. كان التهديد الدائم من هجمات اللصوص في البرّ وخاصة غارات القراصنة من جهة البحر يجعل الرهبان يهتمّون ليس بإنشاء الكنائس والمنازل فحسب، بل بتحصين الدير بما في ذلك الأساقيط والقلالي الكبيرة والمرافئ. بلغ الدير أوج ازدهاره (بعد أن تضرّر كباقي أديرة الجبل المقدّس من غارات الكتالانيين عام 1308) في عهد الملك ستيفان أوروش الثاني ميلوتين (1282-1321)، حيث تم إنشاء كنيسة جديدة زُيّنت برسومات جدارية (1317-1321) لا تزال موجودة حتى اليوم، وتم تجديد مباني الدير الكثيرة، فتحوّل خيلانداري إلى حصن متين قادر على تحمّل حصار طويل الأمد. أكّد الملك ميلوتين بشهادته الصادرة عام 1299 جميع أملاك الدير السابقة وخصّص له تبرّعات غنية جديدة.

منذ أواسط القرن الرابع عشر حصل الدير على ذخائر جديدة إضافة إلى تلك المقدّسات الكثيرة التي كان القديس سابا قد جاء بها من الشرق، فأصبحت مع الوقت رموزاً خاصة بخيلانداري. أثناء زيارته إلى الدير عام 1348 تبرّع الملك ستيفان دوشان من بين التقدمات الأخرى بأيقونة والدة الإله العجائبية التي بشفاعتها استولى على مدينة سيرّس عام 1346. الأيقونة موجودة في الدير حتى الآن، ولكن في العصور اللاحقة أصبحت الكثير من العجائب التي تمّت بشفاعتها تُنسب إلى أيقونة والدة الإله ذات الثلاث أيدي التي تم إحضارها من مدينة سكوبيه (من الأرجح في أواخر القرن الرابع عشر) والتي تُكرم اليوم كرئيسة ديرTroeruchitsa 100x126 خيلانداري (ولغاية القرن السابع عشر قد تشكّل في الدير التقليد الذي طابق هذه الأيقونة العجائبية بتلك التي جاء بها القديس سابا من فلسطين والتي كانت خاصة بالقديس يوحنا الدمشقي بحسب التقليد).

خلال ربع القرن في الفترة ما بين 1345-1371 عندما كان الجبل المقدس يدخل في "مملكة الصرب والروم" إثر النجاحات العسكرية للملك ستيفان دوشان كان الصرب يتمتعون بمكانة رائدة في آثوس، حيث أنّ أوّل عضو للمجلس التنفيذي كان يُنتخب من الصربيين. وكاد دير القديس بندلايمون الذي قد شكّل فيه الصرب منذ وقت طويل الأغلبية الساحقة من الرهبان أن يتحوّل إلى دير صربي ثانٍ بشكل رسمي. ولكن الحكّام الجدد الذين كان هدفهم إقامة مملكة صربية - يونانية لم يكونوا ينتهجون سياسة اضطهاد الأديرة اليونانية، بل حصلت كل الأديرة الآثوسية تقريباً على تبرّعات سخية من الحكام الصرب وشهادات تؤكّد أملاكها وامتيازاتها، كما أصدر الملك دوشان عدداً من مراسيمه باللغة اليونانية.

Mon Pavla 100x80في عهد خلفاء الملك دوشان أصبح دير القديس بولس المؤسَّس من قبل القديس بولس الذي من دير كسيروبوتامو في القرن العاشر والواقع في جنوب آثوس ديراً صربياً. في بداية القرن الرابع عشر هُجر هذا الدير وفقد استقلاله فصار قلاية لدير كسيروبوتامو. وفي الثلث الأخير من القرن الرابع عشر تم تجديده من قبل الراهبيْن الصربييْن ذوي الأصل النبيل جيراسيم (برانكوفيتش) وأنطونيوس (باغاش). صار ديرا كسيروبوتام والقديس بولس متحديْن بحسب الاتفاق بينهما. كان لدير القديس بولس رعاة نبلاء وأغنياء فاكتسب مكانة "اللافرا الصربية الثانية" بسرعة، وحتى القرن السادس عشر بقي مرعياً من عائلة "برانكوفيتش". تدلّ مكتبته الغنية والشهادات حول نشاط الترجمة فيه على أن الدير كان منذ وجوده مركزاً مهمّاً للحياة الروحية السلافية في آثوس. كان دير ديونيسيو صربياً في البداية أيضاً وقد أسّس في نفس الفترة تقريباً (في عام 1362 على أبعد تقدير) وسُمّي على اسم مؤسّسه الذي كان مرشداً روحياً للشيخ إشعياء الناسك في برية القديس بولس قبل تحويلها إلى دير. كما ينسب التقليد تأسيس دير سيمونوس بيتراس إلى الأمير الصربي أوغليشا.

ابتداء من القرن الخامس عشر بعد استيلاء الأتراك على مقدونيا وسقوط المملكة الصربية وخاصة بعد مصادرة أملاك الأديرة من قبل السلطات العثمانية في عام 1569 (مع حفظ الحق في إعادة شرائها) تدهورت الحالة الاقتصادية للأديرة الآثوسية بشكل ملحوظ (حتى الربع الأخير من القرن الخامس عشر ساهم في تخفيف هذا الوضع الدعم من طرف مارا برانكوفيتش أرملة السلطان الصربية الأصل المتوفية عام 1487). ومع ذلك احتفظ خيلانداري بمنشآته الكثيرة داخل الإمبراطورية العثمانية، بل اقتنى أملاكاً جديدة هناك.

منذ أواخر القرن الخامس عشر صار أمراء فالاشيا ومولدافيا هم المحسنين إلى ديريْ خيلانداري والقديس بولس من الناحية المادية. وفي القرن السادس عشر ابتدأت المساعدات تأتي من القياصرة الروس حيث صار خيلانداري يلعب دوراً كبيراً في علاقة روسيا بالجبل المقدس في القرنين 17-18. وحتى نهاية القرن السابع عشر بقي الدير أكبر مركز للثقافة السلافية في البلقان وقد أثر تأثيراًً كبيراً على الحياة الروحية في صربيا.

أمّا المعلومات الموثوق بها حول عدد رهبان الأديرة الصربية فترجع إلى أواخر القرن الخامس عشر. في الفترة 1518-1519 كان عددهم 170 في خيلانداري و190 في دير القديس بولس، وصولاً إلى 220 راهب في خيلانداري و90 راهب في دير القديس بولس عام 1765.

مع بدء هجرة الصرب الكبيرة على رأسهم البطريرك إلى الأراضي النمساوية عبر الدانوب منذ عام 1691 وخاصة بعد عقد صلح بلغراد عام 1717، ضعفت صلة الأديرة الصربية بصربيا إلى حد كبير وتقلّص عدد الرهبان الصربيين في الجبل المقدّس ليحلّ محلّهم البلغار تدريجياً (بما في ذلك من مقدونيا). أصبح دير القديس بولس في القرن الثامن عشر ديراً يونانياً، أمّا خيلانداري فلغاية أواخر ذلك القرن تحوّل إلى دير بلغاري بل إلى أحد أهمّ مراكز النهضة القومية البلغارية.

عاد تدفق الرهبان الصربيين إلى خيلانداري بعد زيارة الملك الصربي ألكساندر الأوّل للجبل المقدس عام 1896. بعد الحرب العالمية الثانية كانت إعادة إعمار الدير المقفر تتمّ بفضل المهاجرين الصربيين الساكنين خارج يوغوسلافيا. لم يكن عدد الرهبان الصربيين كبيراً في آثوس في القرن العشرين: حوالي 16 شخصاً في عام 1903، 28 شخصاً في عام 1965، وحالياً يسكن في خيلانداري حوالي 30 راهباً صربياً*. في النصف الثاني من ستينات القرن العشرين تمّ إنشاء "جمعية خيلانداري" في يوغوسلافيا وذلك لتنظيم الدعم للدير وتقوية العلاقات معه ودراسة آثاره الكثيرة. في خريف 1998 أقيم الاحتفال باليوبيل الثمانمائة لتأسيس الدير الذي حظي بمكانة عالية عند الصرب كعيد وطني عام.


Savva Serb 100x145   إضافة إلى القديس سابا ووالده سمعان المفيض الطيب (تذكارهما في 14 يناير و13 فبراير) قد تمّ إعلان قداسة رؤساء الكهنة الآتي ذكرهم من الصرب الذين تنسّكوا في الجبل المقدس: رئيس أساقفة صربيا سابا الثاني، تلميذه وخليفه يوانيكيوس الأول، إفستافيوس، نيقوديموس، دانيال، والبطريرك الصربي أفرام الثاني.

 

النص الأصلي:

 المقالة "آثوس" في الموسوعة الأرثوذكسية (تحت مراجعة بطريرك موسكو وسائر روسيا كيريل)،

المجلّد الرابع، ص. 167-170

Афон и Сербия // Афон // Православная Энциклопедия (под редакцией Патриарха Московского и всея Руси Кирилла). – Т. IV, с. 167–170. – 2002

 

----------------------------

* المعلومات لغاية عام 2002.