التراث السلافي الأرثوذكسي باللغة العربية

 

 

القدّيسان المعادلان للرسل كيرلس وميثوديوس شفيعي الموقع

Text Size

السبت, كانون1/ديسمبر 15, 2018

 

Jicha1 100x148 نصّ الفلم الوثائقي (+ الفيديو)

المطران إيلاريون: "هذا الفلم مكرّس للأرثوذكسية في الأراضي الصربية، وسأتحدّث فيه عن تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية الصربية ووضعها الحالي وحياة الرهبان في الأديرة الصربية والرعايا الأرثوذكسية في صربيا وغيرها من الأماكن حيث يعيش الصرب.

وإضافة إلى بلغراد حيث نتواجد مع قداسة البطريرك كيريل بطريرك موسكو وسائر روسيا الذي يقوم بزيارة رسمية إلى الكنيسة الأرثوذكسية الصربية سنزور المدن الأخرى في صربيا وكوسوفو وسنتعرّف على حياة الصرب الأرثوذكس في كرواتيا والجبل الأسود والأراضي الأخرى التي كانت في الماضي جزءاً من جمهورية يوغوسلافيا وقبل ذلك كانت تدخل في ممكلة صربيا، كرواتيا وسلوفينيا".

صربيا هي إحدى الدول الأوروبية حيث تـُعتبر المسيحية الأرثوذكسية ديانة رئيسية. يسمّي 80 في المئة من سكانها أنفسهم مسيحيين أرثوذكسيين.

قداسة البطريرك كيريل: "عندما يجد روسي نفسه في صربيا يشعر بأنه في بيته. تربط بين شعبينا وحدة الإيمان والثقافة المشتركة والعلاقات التاريخية الوثيقة جداً، وكذلك الدماء التي تمّ سفكها في سبيل الانتصارات المشتركة."

اعتنق الصرب المسيحية في القرن السابع. ولكن المسيحية لم تترسّخ في هذه الأراضي إلا في القرن التاسع بعد أن جاء القديسان كيرلس وميثوديوس بالكرازة باللغة السلافية. القديس الأعظم في تاريخ صربيا ومنوّر شعبها هو القديس سابا، أول رئيس أساقفة صربيا وابن حاكمها ستيفان نيماني.

البطريرك الصربي إيريناوس: "تعرّف القديس سابا على الرهبان الروس وعمره 16-17 سنة، فتأثر كثيراً بالرهبنة، إلى درجة أنه ترك بيت أهله سراً وتوجّه مع الرهبان إلى الدير الروسي في آثوس. كان يعرف أنه سيُلاحق، فسلـّم أغراضه لرئيس الدير، وفي نفس اليوم قبل الرسامة الرهبانية ممّا أحزن والديه جداً. كان أحبّ الأبناء لهما، ولكنهما أطاعا للمشيئة الإلهية. حذا الأمير ستيفان قبل موته بقليل حذو ابنه وترهبن في آثوس آخذاً اسم سمعان. أسّس مع ابنه سابا دير خلندار الشهير في الجبل المقدس. بعد رقاده المغبوط ابتدأت الفتنة في صربيا، فرجع سابا إلى الوطن وتمكن من المصالحة بين إخوته بعد أن نقل رفات أبيه من خلندار إلى دير "ستودينيتسا" الصربي، ولا تزال هناك حتى اليوم. في عام 1219 رسم البطريرك القسطنطيني القديس سابا أسقفاً، وصار كرسيه في دير "جيتشا".

ميلا بوسيتش، الدليل السياحي: "توّج القديس سابا أول رئيس أساقفة صربيا أخاه الأكبر ستيفان نيمانيتش في هذه الكنيسة، ومنذ ذلك الحين سُمّي "ستيفان المتوّج أولاً". يمكن تسمية "جيتشا" منبراً لكنيستنا ولدولتنا. كان يتمّ فيها تتويج ملوك صربيا ورسامة رؤساء كهنتها. لقد تم تتويج سبعة ملوك فيها، وكلهم من أسرة نيمانيتش. كانت "جيتشا" من أغنى وأعظم الأديرة في البلقان. بعد مرور وقت نقل ستيفان المتوّج أولاً مقرّ رئيس الأساقفة إلى كوسوفو. كانت كوسوفو تعتبر آنذاك أكثر المناطق أمناً وكانت تقع في مركز البلد، خلافاً لوضعها الحالي. كم تتغير الأمور مع الوقت، وكم تتحوّل الأوضاع في التاريخ!"

تحظى الكنيسة الأرثوذكسية الصربية بالاستقلالية منذ أواسط القرن الرابع عشر. تم إنشاء أول بطريركية صربية في مدينة "بيتش" على أرض كوسوفو. لم تعترف بها البطريركية القسطنطينية بسرعة، وتمّ سحب الاعتراف بها مرتين في التاريخ. في النصف الثاني من القرن 15 صارت صربيا تابعة للإمبراطورية العثمانية وكانت تسمّى ولاية سميديريفو. كانت السلطات التركية تسلب الكنائس لتحويلها إلى مساجد. لم يُسمح بإنشاء كنائس جديدة، ومُنع استخدام النواقيس.

في النصف الثاني من القرن 18 انطلقت حركة التحرير الصربي. كان الروس متعاطفين مع إخوتهم السلافيين، وكانوا يجمعون لهم تبرّعات في كل الكنائس. توّجه آلاف الروس إلى صربيا متطوعين. أعلنت روسيا الحرب على تركيا من أجل تحرير السلافيين البلقانيين وفقدت فيها أكثر من 20 ألف جندي. في عام 1878 انتصرت روسيا على الإمبراطورية العثمانية، وتم الاعتراف باستقلال إمارة صربيا. اعترفت البطريركية القسطنطينية للمرة الثالثة باستقلالية الكنيسة الصربية بعد أن تخلصت صربيا من النير العثماني. بعد إنشاء ممكلة صربيا، كرواتيا وسلوفينيا في عام 1918 تم تأسيس الكنيسة المستقلة على أرضها من جديد، فصارت منذ عام 1920 بطريركية.

مدينة بلغراد هي مقرّ البطريركية الصربية. يقع هنا مقرّ البطريرك وتنعقد جلسات السنودس المقدس للكنيسة الصربية. المملكة التي وحّدت بين جميع أجزاء الكنيسة الصربية تم إنشاؤها بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى مباشرة. يُطلق على هذه الحرب الدامية "الجلجثة الصربية". لم تشهد أية دولة أوروبية ما تحمّلته صربيا من خسائر. كانت القرى الصربية بكاملها يُطرد سكانها إلى كرواتيا والمجر، ويُرسل السكان المدنيون إلى معسكرات الاعتقال حيث كان الناس يموتون جوعاً. قد هلك في هذه الحرب ثلث سكان صربيا، بما في ذلك أكثر من ألف كاهن. صارت المقبرة الروسية في بلغراد أكبر مدفن في أوروبا للجنود الروس المقتولين على جبهات الحرب العالمية الأولى. دُفن في المقبرة الروسية في بلغراد كثير من المهاجرين الروس البارزين. كما يرقد هنا الجنود الذين قـُتلوا في الحرب العالمية الأولى. صارت تلك الحرب تجربة رهيبة للشعبين الروسي والصربي وللشعوب الأخرى التي تورطت فيها. انخرطت روسيا في هذه الحرب من أجل صربيا وتضامنها مع الشعب الصربي. أعلنت أولاً الإمبراطورية النمساوية المجرية الحرب على صربيا، فرداً على ذلك أعلن القيصر نيقولا الثاني التعبئة العامة في روسيا. أعلنت ألمانيا الحرب على روسيا بدورها. نتيجة لهذه الحرب اختفت أربع إمبراطوريات عظيمة من الوجود، وقـُتل أكثر من 10 ملايين نسمة. لم تسفر الحرب عن حل قضية واحدة من القضايا التي اندلعت بسببها، بل أنذرت بحرب أخرى، حرب أكثر رعباً ودموية اندلعت بعد مرور 20 سنة على انتهاء الحرب الأولى.

أقام قداسة البطريرك كيريل صلاة لأجل الراقدين في المقبرة الروسية في بلغراد وصلاة لتكريس الكنيسة على اسم أيقونة والدة الإله "البوّابة". بنى هذه الكنيسة في عام 1931 المهاجرون الروس تذكاراً للكنيسة ذات نفس الاسم التي تقع عند مدخل الساحة الحمراء في موسكو. بعد ثورة 1917 وصل إلى صربيا آلاف اللاجئين الروس. كانت صربيا بالنسبة للكثيرين نقطة انتقال إلى فرنسا وبلجيكا، ولكن أكثر من 40 ألف من مواطني الإمبراطورية الروسية السابقة استقرّوا هنا.

ديان جورجيف، المؤرّخ: "عندما حدثت الثورة والحرب الأهلية في روسيا لم ينسَ الملك الصربي ألكسندر كل ما فعله القيصر الروسي القديس من أجل الصرب وسمح للروس بالوصول إلى مملكة يوغوسلافيا. بقبول اللاجئين الروس أبدى الصرب امتنانهم للدعم الذي قدّمته روسيا لهم في الحرب."

إن الأحداث المأساوية في روسيا التي أدّت إلى الحرب الأهلية والانقسام في الكنيسة الأرثوذكسية الروسية وصلت أصداؤها إلى مدينة "سريمسكي كارلوفتسي" الصربية. لهذه المدينة صلة خاصة بتاريخ العلاقات الكنسية الصربية الروسية. في عشرينات القرن العشرين كان يقع هنا مقرّ الجيش الأبيض الذي ترأسه الجنرال فرانغيل، ومنذ عام 1921 كان هنا مقرّ الإدارة الكنسية للجاليات الروسية في الخارج التي ترأسها المطران أنطوني (خرابوفيتسكي)، فسُمّيت على اسم المدينة "سينودس كارلوفتسي"، إلا أنّ التسمية الرسمية لها كانت "الكنيسة الأرثوذكسية الروسية خارج الحدود".

جاركو ديميتش، المؤرخ: "هذا هو مستشفى كارلوفتسي الشهير حيث كان مقرّ الجنرال فرانغيل، وفي آخر الشارع كانت كتيبة خيّالته. قد أنشأ المهندسون الروس هنا بئرين لسقي الخيول، ممّا أثار دهشة أهل المدينة، لأن الروس كانوا مهتمّين بخيولهم أكثر من اهتمامهم بأنفسهم، وذلك أملاً منهم في العودة إلى روسيا قريباً. كانوا يسكنون هنا، عدة أفراد في غرفة واحدة".

في عام 1927 بعد أن أصدر المطران سيرجي نائب القائمقام البطريركي في روسيا بياناً حول ولاء الكنيسة للسلطات السوفييتية قرّر إكليروس الكنيسة الروسية في الخارج، وعلى رأسه المطران أنطوني، فسخ العلاقة مع الكنيسة في موسكو. وهكذا نشأ الانفصال داخل الكنيسة الأرثوذكسية الروسية واستمرّ 80 سنة حتى عام 2007، عندما وقـّع بطريرك موسكو ألكسي الثاني والمطران لافروس رئيس الكنيسة الروسية في الخارج المحضر التاريخي حول إعادة الوحدة.

أثناء زيارة البطريرك كيريل إلى صربيا تم تكريس اللوحة التذكارية على شرف رئيس الكنيسة الروسية خارج الحدود المطران أنطوني (خرابوفيتسكي). قد صار هذا الباحث اللاهوتي والمنوّر شخصية كنسية بارزة قبل وقوع الثورة. كان أصغر الأساقفة سناً في روسيا وأصبح رئيساً لأكاديمية موسكو اللاهوتية في 27 من عمره. وُجد لشخصيته مكان في رواية "الإخوة كارامازوف" لدوستويفسكي. كان دوستويفسكي مُلهماً بشخصية اللاهوتي الشاب، وكان قد تعرّف عليه عندما كان يعمل على روايته الأخيرة، فاتخذ صورة أليوشا كارامازوف من شخصية أنطوني (خرابوفيتسكي). هذا شيء معروف ومثبت.

في سنوات الحرب العالمية الثانية تعرّضت الكنيسة الصربية لاضطهادات قاسية وتحمّلت خسائر فادحة. وقف البطريرك جبرائيل دون تردّد إلى جانب حركة التحرير، فاعتقلته السلطات الفاشية. تم نقله إلى معتقل الإبادة "داخاو" مع أسقف جيتشا نيقولاوس (فيليميروفيتش) الذي يعرفه حالياً كل العالم الأرثوذكسي كالقديس نيقولاوس الصربي.

ميلا بوسيتش، الدليل السياحي: "تم اعتقال سيدنا نيقولاوس في عام 1941 وفي عام 1944 تم نقله إلى "داخاو" حيث أقام حتى نهاية الحرب. عندما سمع أن الألمان قصفوا جيتشا قصفاً شديداً دمعت عيناه. كان يقول دائماً: "جيتشا هي تاريخ صربيا". بعد قصف جيتشا تم إعدام أكثر من ألفيْ شخص رمياً بالرصاص في مدينة كراليفو المجاورة. أي أنه كان من المستحيل أن تكون جيتشا بخير والشعب يتألم. كان لا بد من أن تتألم جيتشا مع الشعب الصربي."

الأرشمندريت يوفان (رادوسلافليفيتش): "بما أن السلطات الجديدة (أيْ تيتو) منعت سيدنا نيقولاوس من الرجوع إلى يوغوسلافيا سافر إلى أمريكا. قضى فترة في شيكاغو، ثم استقرّ في الدير الروسي في جوردانفيل. توفي هناك ودُفن في دير القديس سابا بمدينة ليبيرتيفيل. وفي عام 1991 سمحت السلطات بنقل رفاته إلى هنا. والآن يرقد جسده في قرية ليليتش التي وُلد فيها."

نشأت مدينة بلغراد منذ آلاف السنوات، وقد تعرضت أكثر من مرّة في تاريخها الطويل للنهب والتدمير بكاملها. ابتدأت الحرب العالمية الأولى من قصف بلغراد، وشهدت المدينة آخر قصف لها منذ وقت ليس ببعيد، في عام 1999. أتذكر تلك الأيام جيداً، لأنني كنت مرافقاً لقداسة البطريرك كيريل الذي كان آنذاك مطراناً ورئيساً لقسم العلاقات الكنسية الخارجية في زيارته إلى بلغراد. لم يكن من الممكن الوصول إلى هنا جواً، لأن المطار الوحيد للمدينة كان مغلقاً والتيار الكهربائي مقطوع عنه. كان يجب الوصول من طرف المجر. كل خمس دقائق كانت قاذفات القنابل تقلع من المطارات المجرية تاركة في السماء آثاراً من دخان أبيض تشبه في تقسيمها لوح الشطرنج. كانت بلغراد تعيش حياتها العادية والناس يتمشون على الكورنيشات، وإذا بصفارات الإنذار تدوي كل بضع دقائق، وتسقط القنابل واحدة تلو الأخرى على المدينة.

تركت هذه الحرب أثراً لا يُمحى في حياة كل صربي. صارت أيام القصف في 1999 بالنسبة للزوجين زلاتا وسيرجي بوبوف أياماً مذكورة، لأن زواجهما تم آنذاك.

زلاتا بوبوفا، المدرّسة في مدارس الأحد: "تعارفنا قبل أيام القصف بقليل وقرّرنا أن نتزوج بسرعة. كان هذا شيئاً وحيداً ذا معنى وسط كل ذلك الجنون. كانت الجسور كلها مدمّرة، وأخذوني أنا العروس من البيت في زورق. عندما بلغنا وسط الدانوب وبلت السماء ولم تكن معنا حتى مظلات. كان هذا يشبه أفلام المخرج كوستوريتسا! عندما ابتدأ سرّ الإكليل سقطت قنبلة قريباً من الكنيسة، وتزعزع كل شيء. كان الناس مرعوبين، وبعض الذين وصلوا من مدينة برنيافور أغمي عليهم، لأنهم لم يشهدوا هناك قصفاً مثل الذي كان هنا في نوفي ساد."

عند الزوجين بوبوف خمسة أطفال الآن، وكلهم من رعية كنيسة دخول والدة الإله إلى الهيكل. يشتغل سيرجي بالرسم للأطفال، وتشرف زلاتا على مدرسة التمثيل التابعة للكنيسة.

جرح الشعب الصربي هو كوسوفو. يبقى فيها اليوم قليل جداً من الصرب، وكانت أرضاً صربية مزدهرة في الماضي. لا تزال روائع فن العمارة الكنسية تزيّن هذه الأرض. قد زرتُ كوسوفو مرات كثيرة، ورأيت القرى التي تركها الصرب، والبيوت المحرقة والكنائس الأرثوذكسية التي تم تدنيسها وتدميرها بالكامل. رأيت قرية تسكن فيها عدة نساء صربيات تحت الحراسة على أرض إحدى الكنائس المتبقية المعدودة. يقع بيت إحداهنّ في الطرف المقابل عبر الطريق. ولكنها لا تستطيع أن تعبره منذ 4 سنوات، لأنها إذا اجتازت حدود أرض الكنيسة قد يطلقون الرصاص عليها. يتناقص عدد الصرب المقيمين في كوسوفو حالياً. ولكن من المهم جداً بالنسبة لكل صربي أن تبقى هنا الأديرة والكنائس الأرثوذكسية، لأن كوسوفو هي مهد الكنيسة الصربية، وتقع على أرضها أقدم أديرتها.

في 15 يونيو 1389 الموافق لتذكار القديس فيتوس جرت على حقل كوسوفو المعركة التي صارت من أهمّ الأحداث في التاريخ الروحي للشعب الصربي.

البطريرك الصربي إيريناوس: "يوم القديس فيتوس بالنسبة لنا يوم عظيم. كان الملك لعازر يدرك مدى صعوبة مقاومة الاحتلال العثماني. انطلق الصرب ليضحّوا بأرواحهم طوعاً من أجل إيمانهم وكنيستهم ومقدّساتهم وبيوتهم. كانوا يعرفون أنهم سيُقتلون. بحسب التقليد الشعبي، تناول العساكر كلهم الأسرار المقدسة قبل المعركة كما يفعل الإنسان الذي على وشك الموت، حتى لا يموت دون أن يتناول. أهمية معركة كوسوفو هي أنها كانت معركة من أجل الملكوت السماوي وليس من أجل المملكة الأرضية. كما قال الشاعر: "المملكة الأرضية مؤقتة، والسماوية مؤبّدة". لذلك كانوا يحاربون في سبيل الملكوت السماوي وهم يدافعون عن إيمانهم ومقدساتهم. نحن لا نقيم تذكاراً للهزيمة، بل تذكاراً لانتصار الخير على الشر وللتضحية لأجل الخير وملكوت الله."

كانت كوسوفو وميتوخيا نواة للدولة الصربية في القرون الوسطى. تم تأسيس العديد من الأديرة حول المدن الكبيرة مثل بيتش وبريشتينا.

الراهب الكاهن بيتر: "كانت هذه المنطقة كلها تابعة للأديرة. تقع على بعد 25 كم من دير فيسوكي ديتشاني بطريركية بيتش التي لا تزال حتى اليوم مركزاً للكنيسة الأرثوذكسية الصربية."

بموجب الدستور الصربي، تعتبر كوسوفو وميتوخيا ذات الحكم الذاتي جزءاً من جمهورية صربيا. ولكن جمهورية كوسوفو اليوم هي دولة معترف بها جزئياً لا تتبع للسلطات الصربية. أهمّ دير صربي في كوسوفو هو دير فيسوكي ديتشاني. توجد في كنيسته القديمة أكبر مجموعة من الرسومات الجدارية البيزنطية.

الراهب الكاهن بيتر: "هذه كنيسة وحيدة في البلقان احتفظت بالرسومات الأصلية، لأنها لم تتعرض أبداً للتدمير ولم تحوّل إلى مسجد، فكل شيء فيها أصلي. كل البنايات المحيطة بها دُمّرت مرات عديدة وأعيد بناؤها، لكن الكنيسة بقيت في شكلها الأصلي."

في بداية التسعينات بقي في الدير 4 رهبان مسنين فقط. لكن منذ ذلك الحين صار عدد الإخوة يزداد، ويتنسك في الدير الآن 25 راهباً.

الراهب الكاهن إشعياء: "في عام 1999 هرب أكثر من 20 ألف صربي من كوسوفو. عاد بعضهم لاحقاً إلى ميتوخيا، والآن يعيش هنا حوالي 3 آلاف صربي. حياتهم صعبة، لأنهم لا يستطيعون الحصول على عمل في مؤسسات كوسوفو، فيعيشون على حساب الدعم الاجتماعي من الدولة الصربية ومساعدة المنظمات الإنسانية ويقتاتون على مزروعاتهم."

منذ عدة سنوات تم تأسيس منظمة اجتماعية اسمها "الصرب للصرب" تقوم بجمع التبرّعات في كل أنحاء الدولة لمساعدة الصرب المقيمين في كوسوفو.

ميخايلو ماخانييتش: "نقدّم المساعدة للعائلات في كوسوفو وميتوخيا، نزوّد بعضهم بالأجهزة المنزلية ونرمّم بيوتهم، وقد تمكنـّا من تزويد عدة عشرات البيوت بأنابيب المياه. هناك مطابخ متنقلة يقتات عليها يومياً أكثر من ألفيْ صربي محتاج من الذين بقيوا في كوسوفو وميتوخيا."

أثناء الحرب الأهلية في الفترة 1991-1995 وأثناء انتفاضة الألبانيين وقصف الناتو في عام 1999 كان البطريرك الصربي بافل يقيم القداس الإلهي كل يوم تقريباً.

ميخايلو ماخانييتش: "كان البطريرك بافل يترأس الكنيسة الصربية في فترة أكبر الصدمات في تاريخنا الجديد. يعتبره الناس قديساً، ويلتجئ إليه الكثيرون في صلواتهم طالبين شفاعته لكي يصلي إلى الرب لأجلنا كما كان يفعل وهو معنا."

كان البطريرك بافل يفتقد دائماً المتألمين في المستشفيات ومخيمات اللاجئين والجرحى والمسجونين، وكان يأتي بتعزية كبيرة للجميع. في أكثر أيام الحرب صعوبة كان يدعو إلى السلام واستنكر تدمير المقدسات. كان يقول للجميع في كل حين: "لنكن بشراً!"

مطران الجبل الأسود أمفيلوخيوس: "كان يقول إنه عندما يولد إنسان حقيقي يفرح الجميع وهو وحده يبكي كونه طفل. وإذا كان إنساناً حقيقياً فعند موته يبكي الجميع وهو وحده يفرح. هذا ما حدث لبطريركنا بافل. أنا أسكن في بلغراد منذ عام 1954 ولم يسبق أن رأيت أبداً مثل هذا الحشد من الناس وكلهم ينتظرون ساعات لكي يتباركوا من جسد البطريرك بافل."

بعد حروب ونزاعات القرن العشرين وُجدت كثير من مقدسات الكنيسة الصربية خارج حدود صربيا. تقع على أرض الجبل الأسود اليوم الأديرة المشهورة ذات التاريخ الغني مثل دير أوستروغ ودير ستنيي. يزور دير ستنيي سنوياً آلاف الحجاج من كل العالم. تـُحفظ هنا يمين القديس يوحنا المعمدان وذخائر خشبة الصليب المحيي.

مطران الجبل الأسود أمفيلوخيوس: "جاء في الثمانينات أحد رجال الشرطة إلى المطران السابق دانيال وقال إنّ الحكومة تمتلك مقدسات كنسية. قد ابتدأت العلاقة بين الكنيسة والسلطات تتحسن آنذاك. فسُلمت إلى دير ستنيي يمين يوحنا المعمدان وذخائر صليب المسيح."

دير أوستروغ منحوت في صخرة على ارتفاع 900 متراً فوق مستوى سطح البحر، وهو رمز لقوة الروح والإيمان. كان يتنسك هنا القديس باسيليوس أوستروجسكي وهو من أكثر القديسين إكراماً في الكنيسة الصربية. سُمي الدير على اسمه في القرن 17 والقديس لا يزال عائشاً. تـُحفظ رفاته غير المتحللة في إحدى كنائس الدير. يجتاز الحجاج 3 كيلومترات ماشيين في منحدر شديد من الدير السفلي إلى الدير العلوي لأخذ البركة من رفاته المقدسة.

الراهب الكاهن سيرجي: "منذ 8 سنوات شهدتُ في الدير العلوي لحظة عجيبة عندما شفيت امرأة ذات 40 عاماً كانت تعاني من الشلل الدماغي منذ الطفولة. كانت مقوّسة الرِجلين، ولم تكن تستطيع السير أبداً. بعد دقيقتين من الصلاة عند رفات القديس باسيليوس استقامت رجلاها، فخرجت على قدميها إلى الخارج صارخة: "أنا أمشي!" وجميعنا شعرنا بنعمة كبيرة فبكينا من الفرح."

كثير من كنائس وأديرة الكنيسة الصربية تدخل في قائمة اليونسكو للتراث العالمي، ممّا أنقذها من التدمير أثناء القصف في عام 1999. منها دير "ستودينيتسا" الأقدم، ودير "سوبوتشاني" حيث حُفظت الرسومات الجدارية التي تعتبر من روائع الفن البيزنطي.

الراهب الكاهن زوسيما: "للأسف، في أواخر القرن 17 أثناء هجرة الصرب دمّر الأتراك الدير، وتضرّرت كنيسته جداً. دُمّرت أجزاؤها العلوية وقبابها وبعض حيطانها، وبقيت الكنيسة بلا سقف في الفترة من 1689 حتى 1926. يمكن القول إن الرسومات حُفظت برحمة الله لأنها كانت باقية لسنوات عديدة في العراء. هذه الرسومات عبارة عن تركيب عجيب يجمع بين الروح اليونانية القديمة والنظرة الأرثوذكسية إلى الله والعالم والإنسان".

خلال عدة قرون كان دير "ليبافينا" للكنيسة الصربية حصناً للإيمان المستقيم على أرض دلماسيا العريقة (كرواتيا حالياً). تنعكس في تاريخ الدير كما في قطرة ماء التقلبات المأساوية لتاريخ الأرثوذكسية في كرواتيا. تم تأسيس الدير في أواسط القرن 16 وبعد تأسيسه بقليل قتل الأتراك راهبين وأسروا أربعة رهبان آخرين. نهض الدير بعد فترة من الوقت. عندما شارك الرهبان في الانتفاضة ضدّ الأتراك تم طردهم من الدير. في القرنين 18 و19 كان الدير مركزاً لمقاومة الاتحادية مع روما التي كانت تـُفرض على الصرب – أولاً من البنادقة وثمّ من سلطات الإمبراطورية النمساوية المجرية. قتل الوحدويون رئيس هذا الدير كوندرات في عام 1716. في بداية الحرب العالمية الثانية تم طرد جميع رهبانه. في عام 1943 قصفت طائرات هتلر الدير. انحرقت كنيسته ولم يبق منها إلا عدة كتب. ابتدأت إعادة إعمار الدير بعد الحرب العالمية الثانية ولا تزال تستمرّ حتى الآن. واليوم نقوم هنا بتكريس حامل الأيقونات الذي صنعه الفنان الروسي نيقولا موخين.

يوجد عند الصرب تقليد لم ينقطع في عصر النير العثماني ولا في فترات الحروب والتجارب، ولا في ظروف الحكم الشيوعي. هو تقليد الاحتفال الذي يسمّى "كريسنا سلافا"، وهو عيد شفيع العائلة. لكل عائلة شفيع قديس، واليوم الذي يُعيّد له فيه هو عيد "كريسنا سلافا".

البطريرك الصربي إيريناوس: "يفسّر المؤرخون هذه الظاهرة بأن الناس عند معموديتهم كانوا يتخذون قديس ذلك اليوم شفيعاً لبيتهم. والافتراض الثاني هو أنه كانت هناك أصنام منزلية كان يصعب على الناس التخلي عنها بسرعة، فقال المبشرون المسيحيون لهم: "اختاروا لكم أحد القديسين شفيعاً لبيتكم"، الأمر الذي ساعد الناس على رمي الأصنام وقبول القديسين كشفعاء لبيوتهم. وهذا ما يرثه الناس كما يرثون البيت والمال. هكذا يورث تقليد "السلافا" أيضاً، وقد لعب دوراً هاماً في تاريخنا. كنا خلال 500 سنة تحت النير التركي، حيث كان من الصعب الاعتراف بالإيمان وتم تدمير الكنائس وكان عدد الكهنة قليلاً، فصار البيت آنذاك كنيسة صغيرة لها أيقونتها الخاصة ومبخرة، فكانت كل عائلة تصلي للرب مساءً وصباحاً."

اليوم تعيّد أسرة الرسّام جورج كولاروفيتش لعيد "السلافا" للقديس ديمتريوس.

جورج كولاروفيتش، الرسام: "القديس ديمتريوس هو شفيع هذا البيت وشفيع أسرتنا عند الله، عند الرب يسوع المسيح، وهو يصلي لأجلنا، ونحن نصلي له لأنه شفيعنا أمام عرش الله".

قبيل العيد يخبزون كعكاً خاصاً، وفي يوم "السلافا" تذهب كل الأسرة إلى الكنيسة لتقديسه. ثم يستمرّ الاحتفال في البيت. الشعب الصربي وحده يقيم تذكار شفيع العائلة والبيت، ولا يوجد مثل هذا التقليد عند شعوب أخرى. لا بدّ من الضيافة والصدقة كجزء من العيد. يقولون إنه بفضل هذه العادة لم يكن أحد يعاني من الجوع في صربيا أبداً.

البطريرك الصربي إيريناوس: "هذا ما يميّز كنيستنا الأرثوذكسية الصربية. هنا لا يهتمّون كثيراً بعيد شفيع خاص، لكن الاحتفال بالسلافا هو ما نعتزّ به وما نستعدّ له طول السنة. ننتظر الضيوف في هذا اليوم، وقبل ذلك يأتي الكاهن لتكريس البيت وتقديس الماء وكسر كعك السلافا."

تعيّد للسلافا المدن والقرى، الكنائس والمدارس. في عيد القديس ديمتريوس تعيّد له كل الكنائس التي على اسمه.

ميلوش راديتش: "القديس ديمتريوس هو شفيع أهل والدتي، فقرّرت أن أكون مسؤولاً في الاحتفال بـ"سلافا" القديس ديمتريوس. هذا يعني أن التحضير بكامله يقع على عاتقي وأخبز مع أفراد أسرتي كعك العيد. في السنة الماضية اتخذتُ هذه المسؤولية، وخلال السنة نهتمّ بهذه الكنيسة ونستعدّ للاحتفال بالسلافا."

البطريرك الصربي إيريناوس: "في أغلب الأحيان يعيّدون للقديس نيقولاوس. كما يقال عندنا: "النصف يعيّد للسلافا، والنصف الآخر يذهب للزيارة". وأيضاً يعيّدون ليوحنا المعمدان والقديسين جاورجيوس وديمتريوس، أما أعياد السيد والسيدة فهي أعياد عامة ونادراً ما تكون مناسَبة للسلافا. وبالطبع، يعيّدون للقديسة باراسكيفي".

يعيّد كل الشعب الصربي للسلافا في عيد القديس سابا الصربي كأسرة واحدة. إنه قديس محبوب لدى عموم الشعب. قد قرّر الصرب بناء كنيسة ضخمة على اسمه في مركز بلغراد وذلك في بداية القرن العشرين. ابتدأ إنشاؤها في عام 1939 وتوقف مع بداية الحرب.

الأرشمندريت راديفوي بانيتش، راعي كنيسة القديس سابا في بلغراد: "لغاية عام 1941 تم تشييد حوالي 10 أمتار من الكنيسة - انظروا إلى هذه الطوبات التي تبرز في الحائط! عندما احتلت القوات الفاشية بلغراد أقامت مرأباً للسيارات داخل مبنى الكنيسة. للأسف، هذا ما فعلته سلطات يوغوسلافيا الشيوعية بعد سنة 1944 فاستخدمت الكنيسة كمرأب أيضاً".

كنيسة القديس سابا في بلغراد هي أضخم كنيسة أرثوذكسية في البلقان. استمرّ بناؤها طوال القرن العشرين وتوقف مرّات كثيرة بسبب العمليات الحربية، وقد اكتمل أخيراً منذ وقت قصير. يذكـّر طراز الكنيسة بالكاتدرائيات البيزنطية وخاصة كنيسة آيا صوفيا في القسطنطينية. ولكن حجمها يتجاوز حتى حجم كنيسة آيا صوفيا. لم يكتمل تزيين الكنيسة الداخلي بعد. لا بدّ من تغطية أكثر من 17 ألف متر مربع من الحيطان بالفسيفساء والرسومات. سيشارك في هذا العمل الفنانون من روسيا.

اختتمت زيارة البطريرك كيريل إلى صربيا بتكريس تمثال للقصير الشهيد، آخر إمبراطور روسي نيقولا الثاني في بلغراد. افتتحه البطريركان مع رئيس صربيا. اليوم يتجادل المؤرخون إذا كان نيقولا الثاني على حق عندما سمح بتوريط روسيا في الحرب العالمية الأولى. ولكن القيصر الروسي لم يستطع أن يتصرف بطريقة أخرى. ابتداءً من القيصر وانتهاءً بالجنود البسطاء بذل آلاف الروس أرواحهم من أجل الوحدة بين الشعبين الأرثوذكسيين الصربي والروسي. لا يزال هذا الإخاء المسيحي قائماً مع عبوره الاختبارات والتجارب عبر القرون. كل روسي يجد ترحيباً خاصاً في صربيا، ولا تزال هناك مقولة صربية تقول: "في السماء الله، وعلى الأرض روسيا".

 

تأليف المطران إيلاريون (ألفييف)

رئيس دائرة العلاقات الكنسية الخارجية لبطريركية موسكو

إنتاج ستوديو "نيوفيت"، 2014

 

الرابط للفيديو:

 https://www.youtube.com/watch?v=AXAJjL_jIAI

لإظهار العناوين الفرعية يرجى الضغط على رمز العجلة في أسفل شاشة اليوتيوب واختيار اللغة العربية.

المجموعة: الكنيسة الصربية