Text Size

الأحد, نيسان/أبريل 22, 2018

 

Serb Ikona 100x78يقول التقليد إنّ البذور الأولى للإيمان المسيحي في البلقان زرعها الرسل القدّيسون، من بينهم الرسول تيطس الذي كان يبشّر في دالماسيا. بحسب المصادر الوثائقية فإنّ المعمودية الأولى للشعب الصربي تمّت على عهد الإمبراطور البيزنطي هرقل (610-641).

انتشرت المسيحية الشرقية بين الصربيين في القرن التاسع عندما أرسل لهم الإمبراطور باسيليوس المقدوني كهنة روم في عام 869 وذلك بطلب من الأمير مونتيمير. ولعب نشاط القديسين كيرلس ومثوديوس منوّري الشعوب السلافية دوراً حاسماً في تثبيت المسيحية عند الشعب الصربي، وازداد تأثير رسالتهما على الشعوب السلافية بعد انتقال تلاميذهما (ومن بينهم القدّيسان كليمنت وناحوم) من مورافيا إلى مقدونيا. ومنذ عهد القديسين كيرسل ومثوديوس انتشرت في الأراضي الصربية مؤلفات الكتاب البيزنطيين المترجمة إلى اللغة السلافية وبالدرجة الأولى سيَر القدّيسين.

بعد كرازة القدّيسين كيرلس وميثوديوس باللغة السلافية توجّه بعض الصربيين إلى الجبل المقدّس طلباً للرهبنة. ولكن نقطة التحوّل المهمّة في تاريخ الرهبنة الصربية هي مجيء "راستكو" ابن أمير صربيا إلى دير القدّيس بندلايمون في جبل آثوس في عام 1191.

إنّ أعظم شخصية في تاريخ الكنيسة الصربية والشعب الصربي هو القدّيس سابا أوّل رئيس أساقفة صربيا (ولهذا السبب الاسم الثاني للكنيسة الصربية المتداول بين الصربيين هو "كنيسة القدّيس سابا"). كان اسمه في العالم "راستكو" وكان هو الابن الأصغر للأمير ستيفان نيماني. وُلد حوالي عام 1175 ومنذ طفولته أبدى ميلاً لحياة الصلاة. ترك بيته سرّاً وهو في السابعة عشرة من عمره ليذهب إلى جبل آثوس مع أحد الرهبان الروس. قضى فترة من الوقت في دير القدّيس بندلايمون الروسي حيث قبل الرسامة الرهبانية وحصل على اسم سابا، وثمّ تابع جهاده الرهباني في دير فاتوبيدي. ولقد فاق رهباناً كثيرين في النسك والاتضاع.

في عام 1196 تخلّى والد سابا عن العرش لصالح ابنه ستيفان وبعد قليل قبل الرسامة الرهبانية في دير "ستودينيتسا" الصربي وحصل على اسم سمعان. وفي السنة التالية انتقل الراهب سمعان إلى الجبل المقدس حيث كان ابنه وعاش معه في قلايته حتى رقاده المغبوط.

    وبفضل حياتهما المرضية لله وعملهما على تزيين الكنائس سُمح لهما بتأسيس دير صربي في الجبل المقدّس في عام Savva Simeon 100x1241198 وهو دير "خلندار"، وتولّى سابا رئاسته بطلب من الإخوة الرهبان. أصبح تأسيس الدير الصربي في الجبل المقدّس مرحلة مهمّة في طريق الكنيسة الصربية إلى استقلالها.

وبعد قليل أرسل إلى سابا أخوه ستيفان يطلب معونته لأنه كانت قد بدأت في صربيا اضطرابات. كان أخوهما الأكبر فوكان قد استولى على جزء من أراضي صربيا بمساعدة المجريين وأعلن نفسه ملكاً. ولكنه كان مرغماً على الخضوع لبابا روما وإدخال بعض القوانين الكاثوليكية في الأراضي التابعة له. فوصل القديس سابا إلى صربيا ونقل رفات أبيه القديس سمعان المفيض الطيب إلى دير "ستودينيتسا" وبقي فيه أيضاً. وبعد ذلك انطلق ليبشّر في بلاده فتمكّن من المصالحة بين أخويه وساد السلام في صربيا.

في عام 1219 بناء على طلب القديس سابا مُنح للكنيسة الصربية استقلال من قبل بطريرك القسطنطينية مانوئيل الذي صيّر القديس سابا رئيساً للأساقفة. وبعد رجوعه إلى الوطن اشتغل القديس بتدبير شؤون كنيسته فأسّس ثماني أبرشيات جديدة عيّن على كراسيها تلاميذه من نسّاك ديريْ خلندار وستودينيتسا، وأرسل إلى كل نواحي صربيا الكهنة المبشّرين وأدخل الأنظمة الرهبانية للجبل المقدّس وأديرة فلسطين وآسيا الصغرى في الأديرة الصربية.

Jicha3 100x75بعد تأسيس دير "جيتشا" تم نقل مقرّ رئيس الأساقفة إليه، فأصبح مكاناً لانعقاد المجامع المحلية للكنيسة الصربية التي اشترك فيها كل الأساقفة ورؤساء الأديرة وكهنة كثيرون. كما أسّس القديس سابا دير "بيتش" الشهير الذي أصبح في القرن الرابع عشر مقرّاً للبطاركة الصربيين. إضافة إلى هذا كله لعب القديس سابا دوراً كبيراًً في تثبيت نظام الحكم في بلاده حيث توّج شقيقه ستيفان بأوّل إكليل ملكي في عام 1221 في عيد صعود الرب، وأصبح اللقب الرسمي للملك الصربي هو "ستيفان المتوّج أوّلا". وأثناء هذه المراسم ألقى القدّيس سابا خطابه الشهير حول الإيمان الأرثوذكسي.

زار القديس سابا الأراضي المقدّسة مرّتين بعد أن أصبح رئيساً للكنيسة الصربية (في عام 1229 و1234). قبل رحلته الثانية نقل رئاسة الكنيسة إلى تلميذه أرسانيوس وفي طريق العودة منها انتقل القديس الصربي العظيم إلى الرب في 14(24) يناير في مدينة تيرنوفو البلغارية. وفي عام 1237 تمّ نقل جسده إلى دير "ميليشيفا".

تابع خلفاء القديس سابا رسالته محتفظين دائماً في ذاكرتهم بصورة القديس العظيم ووصاياه وكانوا يفتخرون بجلوسهم على كرسيه. في القرن الثالث عشر أصبح الوضع في "جيتشا" خطراً بسبب غارات التتار فتمّ نقل مقرّ رئيس الأساقفة إلى "بيتش"، وحتى أواخر القرن كان مقرّ رؤساء الأساقفة ينتقل من جيتشا إلى بيتش أكثر من مرة انطلاقاً من الظروف السياسية، وأخيراً تمّ اختيار مدينة بيتش مقرّاً لرئيس الأساقفة نهائياً.

كان الأغلبية الساحقة من رؤساء الأساقفة الصربيين منحدرين من دير خلندار الذي أصبح نموذجاً للمدرسة الروحية والثقافية العليا بحسب معايير تلك الفترة من التاريخ. وكان من بينهم كثير من الكتاب الكنسيين الموهوبين مثل القديسيْن نيقوديموس صاحب التيبيكون الثاني ودانيال الثاني مؤلف "سيرة ملوك ورؤساء أساقفة صربيا".

Pech1 100x75    في عام 1346 عقد الملك الصربي ستيفان دوشان المجمع الكنسي الذي منح للكنيسة الصربية رتبة البطريركية ومقرّها مدينة بيتش. اعترفت بطريركية القسطنطينية بها في عام 1375. أوّل بطاركة صربيا هو القدّيس يوانيكيوس الذي كان من مدينة بريزرين وعمل في البداية سكريتيراً عند الملك كارل الصربي. أصبح رئيساً للأساقفة في عام 1339 واشتهر كذلك بمساهمته في تأليف مجموعة قوانين الملك دوشان المعروفة في صربيا. تعيّد له الكنيسة الصربية في 30 أغسطس.

في تلك الفترة كان لصربيا نفوذ كبير جداً، ونتيجة لاتساع حدودها على عهد الملك ستيفان دوشان كان الجبل المقدّس يدخل في دائرة سلطتها في فترة 1345-1371 وأصبح لقب الملك الصربي "ملك الصرب والروم". كان الصربيون في أواخر القرن الرابع عشر يتمتعون بمكانة مرموقة في الجبل المقدّس، حيث أنّ أوّل عضو للمجلس التنفيذي كان من الصربيين، ومعظم رهبان دير القديس بندلايمون كانوا من صربيا. كان دير خلندار حتى أواخر القرن السابع عشر يُعتبر أهمّ مركز للثقافة السلافية في البلقان وكان له تأثير كبير جداً على الثقافة الروحية لصربيا والشعوب السلافية كلها.

في عام 1459 احتلّ الأتراك العثمانيون الأراضي الصربية، وأصبح البطاركة الصربيون رمزاً لوحدة الشعب، وهم الذين كانوا يتوجّهون إلى حكام البلاد الأوروبية بطلب محاربة المحتلّين. من أهمّ مراكز حركة التحرير كان دير ميليشيفا حيث كانت تُحفظ رفات القدّيس سابا. كان الأتراك يرون تدفّق الناس بأعداد كبيرة إلى ذلك المكان وخافوا من هذا الأمر، فأحرقوا رفات القديس سابا بالقرب من بلغراد في 27/4/1595. وبعد تحرير صربيا من النير العثماني بنى الشعب كنيسة مكرّسة للقدّيس العظيم على التلة التي أُحرقت فيها رفاته.

في فترة الحكم العثماني تمّ إلغاء البطريركية الصربية مرّتين (بعد الاحتلال وفي عام 1766) وإخضاعها لبطريركية القسطنطينية من جديد. في ذلك الوقت وحتى حصول صربيا على الاستقلال السياسي كانت القسطنطينية تعيّن أساقفة من الفنار لإدارة الشؤون الداخلية لرعية صربيا الأرثوذكسية، ممّا أثار مقاومة الصربيين لسيطرة البطريركية القسطنطينية على كنيستهم وزاد من شعورهم القومي.

أدّت تلك الظروف السياسية إلى انقسام الأراضي الصربية إلى عدة أجزاء ممّا انعكس على الحياة الكنسية. ولغاية القرن التاسع عشر كانت الكنيسة الصربية ممثلة في خمسة أجزاء مستقلة:

1) كنيسة الجبل الأسود. لم يتمكن الأتراك من الاستيلاء على أراضي إمارة الجبل الأسود كلّياً وكان يحكمها المطارنة الذين كانوا يمثلون السلطة الكنسية والمدنية على حد سواء. من أبرز حكّامها كان الأسقف بطرس الأول بيتروفيتش نيغوش (1782-1830) الذي حصلت الإمارة على عهده على استقلالها كلياً عن الباب العالي. لقد ترجم العهد الجديد إلى اللغة الصربية وقام بتشريع قوانين بلاده وأسّس مدارس كثيرة. وبعد موته أعلنت كنيسة الجبل الأسود قداسته. أما خلفه بطرس الثاني بيتروفيتش نيغوش فيُعتبر مؤسساً للأدب الصربي الحديث ولا يزال شعره نموذجاً للأدب الراقي.

2) كنيسة صربيا. بعد حصول صربيا على الحكم الذاتي في عام 1815 تمّ منح الكنيسة (المطرانية) الصربية شبه استقلال عن القسطنطينية وذلك في عام 1832. فاستعادت الكنيسة رتبة البطريركية المعترف بها نهائياً في عام 1879.

3) مطرانية كارلوفتسي. لقد هرب الكثير من الصربيين إلى الإمبراطورية النمساوية المجرية خوفاً من الاضطهاد العثماني وأسّسوا هناك أبرشيات جديدة تابعة للبطريركية في بيتش. كان هناك موجتان من هجرة الصربيين إلى النمسا: في عام 1690 ترأسها المطران أرسانيوس الأوّل، وفي عام 1737 انتقل المطران أرسانيوس الرابع مع عدد من أبناء وطنه إلى هناك، الأمر الذي أدّى إلى تأسيس مطرانية صربية مستقلة. في عام 1848 أعلن الصربيون تأسيس بطريركية في حدود المملكة المجرية بموافقة الحكومة، ولكن بعد قليل نُزعت عن كنيستهم هذه الرتبة. كانت كل الأمور الكنسية مثل انتخاب المطران واتخاذ القرارات الكنسية والمدنية يبتّ فيها المجمع الكنسي الشعبي الذي كان يضمّ النوّاب من الإكليروس والشعب وينعقد مرة في ثلاث سنوات بموافقة الحكومة.

4) أبرشية دالماسيا. كان الصربيون في دالماسيا تحت حكم جمهورية البندقية لمدة طويلة ولم يُسمح للأرثوذكس بأن يكون لهم أسقف وكانوا مضطرّين إلى التوجّه إلى الأساقفة في صربيا والبوسنا. ولم يتمّ تأسيس كرسي أسقفي في دالماسيا إلا في عام 1810 بعد أن تولّى الفرنسيون الحكم عليها.

5) مطرانية البوسنا والهرسك. كانت تقع على الأراضي المحتلة من قبل الإمبراطورية النمساوية المجرية في عام 1878. أما الكنيسة فيها فكانت لا تزال تتبع لبطريركية القسطنطينية.

ومن بين هذه الأجزاء الخمسة أصبحت كنيسة صربيا هي التي اتحدت حولها باقي الأجزاء في أوائل القرن العشرين فصارت نواة للكنيسة الصربية القومية المستقلة – "كنيسة القدّيس سابا".

المجموعة: الكنيسة الصربية