التراث السلافي الأرثوذكسي باللغة العربية

 

 

القدّيسان المعادلان للرسل كيرلس وميثوديوس شفيعي الموقع

Text Size

الخميس, كانون1/ديسمبر 13, 2018

 

Belgrad 100x66إنّ القرن العشرين هو صفحة الآلام في تاريخ الكنيسة الصربية والشعب الصربي، وخاصة الفترة ما بين 1941 و1991. خلال الحرب العالمية الأولى فقدت الكنيسة الصربية حوالي ثلث كهنتها (أكثر من ألف كاهن).

بعد انتهاء الحرب تمّ إقامة مملكة الصرب والكروات والسلوفينيين (وهي يوغوسلافيا منذ 1929) التي جمعت بين الصرب والمقدونيين والألبانيين وأهل الجبل الأسود والبوسنا والهرسك وكرواتيا وسلوفينيا، فدخلت في حدودها كل أجزاء الكنيسة الصربية المقسّمة. فأعرب ممثلو جميع أجزاء الكنيسة الصربية عن استعدادهم لإعادة الاتحاد.

المسألة التي كانت تشكّل عقبة في توحيد جميع أجزاء الكنيسة الصربية هي تبعية أبرشية دالماسيا وبعض الأبرشيات التابعة لكنيسة القسطنطينية. تمّ تشكيل لجنة خاصّة للعمل على التمهيد لإعادة اتحاد الكنيسة وهي "مجمع الأساقفة المركزي لتوحيد الكنيسة الصربية" وترأسها المطران ميتروفان بان. كانت المفاوضات مع مطران دالماسيا صعبة، ولكن بالرغم من كل الصعوبات أصبح من الممكن ضمّ أبرشياته إلى مطرانية كارلوفتسي. في 18/3/1920 تكللت المفاوضات مع بطريركية القسطنطينية بالنجاح، وتمّ الإعلان في مرسوم ملكي عن قرار أساقفة الكنيسة الصربية بشأن الاتحاد بتاريخ 17/6/1920. وأقيمت مراسم الاتحاد نفسه وإعلان البطريركية في 12/9/1920 الموافق لعيد جميع قدّيسي صربيا. في 28/9/1920 انتخب مجمع الأساقفة أوّل بطريرك للكنيسة الصربية الموحّدة وهو رئيس أساقفة بلغراد ديميتريوس (بافلوفيتش). وصادق الملك ألكساندر على انتخاب البطريرك وأهداه إنكولبيون (قلادة أسقفية) ثمين كان بعد ذلك يُنقل من بطريرك صربي إلى آخر.

بعد ذلك جلس على كرسي البطريرك في عام 1930 مطران سارايفو برنابا الذي كان قد عاش ودرس في روسيا. وعلى عهده تمّ إنشاء مقرّ جديد للبطريركية في بلغراد. البطريرك الثالث للكنيسة الصربية هو مطران الجبل الأسود جبرائيل (دوجيتش). كان تنصيب البطاركة يقام في دير بيتش القديم.

مرّت الكنيسة الصربية بتجارب لا توصف أثناء الحرب العالمية الثانية. كان هتلر يهدف إلى القضاء على المثقفين الصربيين وعلى رئاسة الكنيسة الصربية المتمثلة في البطريرك جبرائيل والمطران بطرس زيمونيتش والأسقف نيقولاوس فيليميروفيتش. بعد احتلال يوغوسلافيا في عام 1941 قبض الألمان على البطريرك جبرائيل. اختبر رئيس الكنيسة سجون سارايفو وبلغراد وبعد ذلك تمّ نقله مع أسقف جيتشا القدّيس نيقولاوس (فيليميروفيتش) إلى معتقل الإبادة "داخاو" في ألمانيا، وذلك لأنهما رفضا تنفيذ أمر السلطات الفاشية بتوجيه الدعوة إلى الشعب الصربي لمحاربة الفدائيين الشيوعيين.

تعرّضت الكنيسة في أراضي يوغوسلافيا المحتلة إلى اضطهاد بشع وخاصّة في كرواتيا، حيث تم إعلان دولة كرواتيا المستقلة الموالية للفاشية في عام 1941، والتي دعمت خطة هتلر للقضاء على الصرب الأرثوذكس. قُتل المئات من الكهنة الصربيين، أما الآخرون فوجدوا أنفسهم في معتقلات أو طُردوا مع رعيتهم الكثيرة العدد. المكان الأكثر بشاعة كان معسكر الاعتقال "ياسينوفاتس" حيث تمّ قتل 700 ألف صربي بطرق تعذيب وحشية. إضافة إلى ذلك كان كثير من الأرثوذكس في كرواتيا مُرغمين على اعتناق الكاثوليكية بالعنف. فقدت الكنيسة الأرثوذكسية الصربية على يد الفاشيين وأنصارهم الكروات ("الأوستاشي") في سنوات الحرب تسعة من رؤساء أساقفتها. في أثناء غياب البطريرك جبرائيل كانت الكنيسة تدار من قبل المطران يوسف. أما في الجبل الأسود فعانى حوالي ثلثيْ كهنته في تلك الفترة من الاضطهاد الشيوعي.

Patr Gavriil 100x150    بعد الحرب العالمية الثانية تولّى الشيوعيون الحكم في يوغيوسلافيا على رأسهم جوزيف بروز تيتو، ممّا زاد من معاناة الكنيسة الصربية. سمحت السلطات بعودة البطريرك جبرائيل في نوفمبر 1946، فواجه رئيس الرعاة كنيسته في حالة يُرثى لها. كان الأساقفة والكهنة يُسجنون لفترات طويلة حتى دون محاكمة وتحقيق وقُتل عدد كبير منهم. كانت الدولة تتدخّل بقسوة في حياة الكنيسة، حيث منعت تدريس أسس التعليم المسيحي في المدارس والزواج الكنسي وحرمت الكهنة من أي حماية اجتماعية وكانت تعرقلهم في إتمام خدمتهم. وبموجب القانون حول الإصلاح الزراعي صادرت الدولة 70 ألف هكتار من الأراضي الزراعية التابعة للكنيسة وعدداً كبيراً من الكنائس ومقرّات أسقفية. وتمّ هدم كنائس وأديرة كثيرة.

انعقد في عام 1948 مجمع الأساقفة الذي قرّر إحالة أبرشية تشيك ومورافيا للكنيسة الصربية إلى الكنيسة الأرثوذكسية الروسية.

واجهت المدارس الإكليريكية عراقيل كبيرة أيضاً في عملها لأن السلطات استغلّت كل الوسائل لعدم منح الموافقة على افتتاحها بعد الحرب، ومع ذلك أعادت الكلية اللاهوتية لجامعة بلغراد عملها إضافة إلى مدرسة بريزرين الإكليريكية في عام 1947 ومدرسة القدّيس سابا الإكليريكية في عام 1949.

Patr Vikentiy 100x138رقد البطريرك جبرائيل في الربّ في 6/5/1950، وخلفه البطريرك فيكينتيوس (برودانوف) الذي كان من رؤساء الأساقفة البارزين في الكنيسة الصربية. تمكّن رئيس الرعاة هذا من الحيلولة دون الانشقاق الكنسي في مقدونيا في ذلك الوقت، كما نجح في تأمين الرعاية الاجتماعية والطبّية للكهنة الصربيين. ساهم البطريرك فيكينتيوس في إعادة العلاقات الأخوية مع الكنائس الأرثوذكسية الأخرى التي ضعفت إثر الحرب، كما عمل على نشر التنوير الأرثوذكسي من خلال تأسيس المجلات والجرائد الكنسية. رقد في الرب بتاريخ 5/7/1958.

Patr German 100x127   البطريرك التالي للكنيسة الصربية هو جرمان (جوريتش) أسقف جيتشا وقد جلس على كرسي البطاركة الصربيين أكثر من 30 سنة. وتميّز عهده بإعادة النهضة الروحية في الكنيسة الصربية وإنشاء وترميم عدد كبير من الكنائس إضافة إلى افتتاح مدارس إكليريكية جديدة وتأسيس نشرات كنسية جديدة. ولكن في نفس الفترة حصل انشقاقان في الكنيسة الصربية: الأول في أمريكا في عام 1963 والثاني هو انفصال كنيسة مقدونيا في عام 1967.

Patr Pavel 100x145تمّ إحالة البطريرك جرمان إلى التقاعد بسبب حالته الصحّية في سنة 1990 وترأس الكنيسة الصربية البطريرك بولس. أصبح رئيس الرعاة هذا أكبر البطاركة الصربيين سنّاً عند انتخابه وكان قد بلغ من العمر 86 عاماً. ولكن بالرغم من ذلك قام بزيارات كثيرة إلى أبرشيات الكنيسة الصربية في الخارج للقاء مع رعيته هناك. وكان شغله الشاغل في بداية خدمته البطريركية هو العمل على تسوية قضية الانشقاق في أمريكا وكندا، فتمكّنت الكنيسة من التغلب عليه وإعادة الوحدة القانونية المنشودة في سنة 1992.

في فترة التسعينات مرّ الشعب الصربي بتجربة جديدة إثر تفكّك يوغسلافيا والعمليات الحربية العنيفة على أرض كرواتيا والبوسنا والهرسك، فوجد عدد كبير من الصربيين أنفسهم مطرودين من أراضي تلك الجمهوريات مع كهنتهم وأساقفتهم. شملت منطقة الحرب عشر أبشريات الكنيسة الصربية، فتكرّرت التجربة المؤلمة كما في فترة الحرب العالمية الثانية عندما هُدّمت كنائس أرثوذكسية كثيرة جداً. لم تتضرّر الكنائس والأديرة والمقابر الأرثوذكسية بالهدم أثناء الحرب فحسب، بل تعرّضت للتدنيس أيضاً بعد طرد الصربيين من أماكن سكنهاهم وذلك للقضاء على آثار ثقافتهم القومية والروحية. وكل ذلك إضافة إلى معاناة الكنيسة الصربية في كوسوفو وميتوخيا بعد عدوان حلف شمال الأطلسي.

ومع ذلك تميّزت الحياة الروحية في الكنيسة الصربية على عهد البطريرك بولس بنهضة ملحوظة، حيث تمّ تأسيس أبرشيات جديدة وبناء عدد كبير من الكنائس، من بينها أكبر كنيسة أرثوذكسية في أوروبا وهي كاتدرائية القدّيس سابا في بلغراد. كما ترأس البطريرك بولس لجنة السنودس المقدّس المختصّة في ترجمة العهد الجديد إلى اللغة الصربية الحديثة، وهي أوّل ترجمة أقرّتها الكنيسة الصربية رسمياً وصدرت في عام 1984. وإضافة إلى ذلك كان البطريرك بولس يشتغل بالبحث العلمي والتدريس ونال درجة الدكتوراه في اللاهوت وهو صاحب عدّة كتب.

Patr Pavel Proshanie 100x75    انتقل البطريرك بولس إلى الرب في 15/11/2009، وأعلنت الدولة الحداد الرسمي على وفاته لمدة ثلاثة أيام. لم يتوقف ليلا ونهاراً تدفّق الناس الراغبين في تشييع راعيهم إلى كاتدرائية رئيس الملائكة ميخائيل ببلغراد حيث وُضع جسده. ترأس صلاة الجناز بطريرك القسطنطينية برثلماوس بتاريخ 19 نوفمبر.

بطريرك صربيا الحالي هو إيرينيوس (غافريلوفيتش) الذي تم انتخابه في 22/1/2010.

 

معلومات عامة:

يبلغ عدد المؤمنين الأرثوذكس في صربيا أكثر من 6 ملايين نسمة (بحسب تعداد السكان في عام 2002) مما يشكّل 86% من مجموع سكان صربيا، و1,2 مليون نسمة في البوسنا والهرسك و1,2 مليون نسمة في مقدونيا. أما عدد الصربيين الأرثوذكس في كوسوفو فلا يخضع لإحصاء دقيق بسبب الوضع المتوتّر في المنطقة. وبحسب الإحصائيات الأخيرة، فإنّ صربيا تحتلّ المرتبة الأولى في أوروبا من حيث عدد السكّان المتديّنين (95%).

الإقليم الكنسي للكنيسة الأرثوذكسية الصربية يشمل بلاد يوغوسلافيا السابقة (صربيا، البوسنا والهرسك، مقدونيا، سلوفينيا، كرواتيا، الجبل الأسود). كما يدخل في سلطتها الكنسية عدد من الأبرشيات في الخارج (في الدول الأروبية والولايات المتحدة وكندا وأستراليا).

لقب البطريرك الصربي هو: قداسة بطريرك صربيا، رئس أساقفة بيتش، مطران بلغراد وكارلوفتسي. يقع مقرّ البطريركية في بلغراد.

أهمّ المقدّسات للكنيسة الصربية:

- رفات كل من القدّيس سمعان المفيض الطيب والد القدّيس سابا والقدّيس ستيفان المتوّج أوّلاً شقيق القدّيس سابا والقدّيسة أناستاسيا والدة القدّيسين سابا وستيفان وكلها محفوظة في دير ستودينيتسا؛

- يد القدّيس سابا (التي أُنقذت من الإحراق بحسب التقليد) المحفوظة في دير "ميليشيفا؛

- رفات الملك القدّيس ستيفان دوشان؛

- رفات القدّيس باسيليوس أستروشسكي؛

- رفات القدّيس نيقولاوس فيليميروفيتش في قرية ليليتش في غرب صربيا.

أشهر الأديرة:

- دير خلندار في الجبل المقدّس (أُسّس في 1199)؛

- لافرا "ستودينيتسا" لرقاد والدة الإله – "أمّ الكنائس الصربية" (أسّست في 1183)؛

- دير جيتشا (أسّس في أوائل القرن الثالث عشر)؛

- دير بيتش – مقرّ البطريركية في الماضي (أسّس في أواسط القرن الثالث عشر)؛

- دير أوستروغ (أسّس في القرن السابع عشر)؛

- دير ميليشيفا (أسّس في القرن الثالث عشر).

المجموعة: الكنيسة الصربية