Error
  • JLIB_APPLICATION_ERROR_COMPONENT_NOT_LOADING
  • Error loading component: com_finder, 1
Tuesday, November 20, 2018

Text Size

 

PP 2013 100x130إنه من الصعب أن نجد شخصين أكثر اختلافاً فيما بينهما من بطرس وبولس. كان بطرس متزوّجاً (يذكر الإنجيل حماته وتذكر الرسائل زوجته المرافقة له)، أمّا بولس فكان بتولاً. كان بطرس يعرف المسيح منذ الأيام الأولى من خدمته الخلاصية، أما بولس فلم يتعرف على المسيح إلا بعد قيامته.

بطرس هو صيّاد جليلي، بينما بولس هو تلميذ الكتبة الكبار وفرّيسي من حيث التربية. كلاهما يهوديان، لكن بولس كان يكرز بكلمة الله للأمم بالدرجة الأولى وهو يجدّدهم بالروح ويشكّل الكنيسة منهم. أمّا بطرس فكان يكرز بالإنجيل للختان قبل غيرهم، أيْ لأهل قومه.

إنّ بطرس هو أكبر التلاميذ المقرّبين سنّاً، لكن بولس هو الذي تعب أكثر منهم جميعهم، بالرغم من قوله: "لا أنا، بل نعمة الله التي معي". كما كان موت كل واحد منهما مختلفاً.

بولس تم قطع رأسه كونه مواطن روماني. وتدحرج رأسه وارتطم بالارض ثلاث مرات وفي كل مرة خرج من الأرض ينبوع ماء. لذلك يُدعى مكان استشهاده حتى الآن "ثلاث نوافير". أمّا بطرس فصلبوه مقلوباً رأساً على عقب، وقبل ذلك تم إعدام زوجته. هتف بطرس لزوجته: "يا امرأة، اذكري الرب!" فعُلّق على خشبة الصليب مشيراً للكنيسة بقدميه إلى السماء إلى حيث لا بدّ لنا جميعاً من الصعود.

فما المقصود بالاختلاف بين هذين الرسولين الذين نعيّد لهما في نفس اليوم؟ المقصود أنّ جميع الناس في الكنيسة غير متشابهين. وإن عدم التشابه هذا هو بركة حقيقية شريطة أن تكون بين الناس وحدة الإيمان واتحاد المحبّة. لا بدّ من أن يختلف الناس عن بعضهم البعض ويكونوا غير متشابهين وغير متطابقين. الطواغي الديكتاتوريون هم الذين يعتقدون أنه "ليس هناك شخص لا يُعوّض"، أما الله فكل إنسان عنده فريد وليس له بديل. والأهمّ هو وجود إيمان مشترك.

هكذا بطرس وبولس بعد أن اجتهدا في أنحاء المسكونة المختلفة وجدا نفسيهما في روما إلى حيث كانت كل الطرق تؤدّي في ذلك العصر. هناك انتهى تعبهما وطريقهما الأرضي بنيْل إكليل الشهادة، وقد أثبتا بموتهما الشجاع صدق كرازتهما. والآن هما موجودان معاً كوارثين لملكوت الله ولإكليل المكافأة وكمعلّمين للكنيسة، وهما محبوبان من جميع الذين يحبّون الرب يسوع المسيح.

من أهمّ مكوّنات الحياة الروحية تغيير الاسم. ليس الاسم لقباً أو مجرّد صوت، بل هو جوهر الإنسان الذي يتجلّى في كلمة. كان إبراهيم يُدعى أبرام قبل أن يصير إبراهيم. بعد أن وجده الله واختبره غيّر اسمه ممّا له دلالة عميقة.

هكذا موسى قبل أن يموت عند تخوم أرض الميعاد نقل صلاحياته وسلطته إلى معاونه هوشع الذي كان عليه أن يدخل بالشعب إلى أرض الميعاد ولكن قبل قيامه بذلك غيّر موسى اسمه إلى يشوع.

من وعود المسيح في سفر الرؤيا قوله إنه سيعطي لمن يغلب حصاة بيضاء وعلى الحصاة اسم جديد مكتوب (رؤ 2: 17). أيْ أنّ الذين يخلصون ويدخلون ملكوت الله سيتمّ تغيير أسمائهم مثلما يحصل المسيحيون على اسم جديد عند الرسامة الرهبانية.

وهكذا بطرس وبولس لم يكونا في البداية يحملان اسميهما المعروفين للجميع. كان بطرس يُدعى سمعان، أما بولس فشاول. كان المسيح يعطي لتلاميذه أسماء جديدة وهو يعرف مسبقاً خدمتهم المستقبلية وصفاتهم الداخلية. على سبيل المثال دعا الرب ابنيْ زبدي يعقوب ويوحنا بابنيْ الرعد. أما سمعان بن يونا فحصل على اسم "صفا" (الصخرة) أيْ بطرس. وهذه الصخرة هي الاعتراف الصالح بيسوع المسيحابناً لله الحي. وعلى هذا الاعتراف تبقى الكنيسة قائمة حتى انقضاء الدهر.

معنى اسم "بولس" هو "الصغير" باللاتينية. كان لا بدّ لبولس وهو يكرز بالإنجيل للأمم من أن يحمل اسماًً لا يجرح سمع الوثنيين بصيغة غريبة. قد دعا بولس نفسه بالصغير لأنه كان يعتبر نفسه "سقطاً" (1كو 15: 8) أيْ كائناً لا قيمة له لأنه كان يضطهد كنيسة الله في الماضي. أليس تغيير الاسم هذا له دلالة رمزية؟ فأي درس في ذلك لنا؟

إنه يجمع بين الشيئين الأهمّين وهما ثبات الإيمان والاتضاع الشخصي. اسم بطرس هو صلابة الصخرة التي تتكسّر عليها كل الأمواج. أما اسم بولس فنجد فيه التذلل الاختياري والشفاء من الكبرياء الذي يهدّد كل إنسان بموت روحي.

ليس من باب الصدفة يقام تذكار بطرس وبولس في يوم واحد. الإنسان بحاجة إلى هاتين الفضيلتين في نفس الوقت وليس إلى فضيلة واحدة فقط. الإيمان القوي بدون الاتضاع مهدَّد بالانهيار، أما الاتضاع بدون الإيمان فهو تذليل الذات بلا فائدة. فهذا هو الدرس الجديد لنا الذي يتعلّق بموضوع تغيير اسميْ هامتيْ الرسل.

كل عيد كنسي مهمّ له تقدمة والأيام التي تليه، أيْ فترة الاستعداد للعيد وأيام الفرح لمعاني العيد الذي قد تم التعييد له. وهكذا نحن أيضاًً وكأننا نتكلم عن هامتيْ الرسل ثلاث مرّات: قبل العيد وأثناءه وبعده.

كلّما نتناول من الأسرار المقدّسة نردّد كلمات الرسل. بالمناسبة، يجب أن لا ننسى بأنه لا يمكننا أن نتناول دون أن نذكر يهوذا الخائن واللص اليمين، حيث أننا نصلّي أمام الكأس المقدّسة: "ولا أعطيك قبلة غاشة مثل يهوذا لكن كاللص أعترف لك هاتفاً: اذكرني يا ربّ متى أتيت في ملكوتك". قد يكون هذا لأن كل خاطئ أمام الله هو لصّ، وأسوأ خطيئة بالنسبة للإيمان هي الخيانة.

وتتضمن هذه الصلاة قبل المناولة كلمات بطرس وبولس أيضاً. ما هو أهمّ ما قاله بطرس؟ إنه الاعتراف الذي نطقه في نواحي قيصرية فيلبس ردّاً على السؤال: "من يقول الناس إني أنا؟" فأجاب بطرس آنذاك بإيحاء من الآب: "أنت هو المسيح ابن الله الحي". فهذه الكلمات بالذات نردّدها قبل المناولة الإلهية: "إني أؤمن يا ربّ وأعترف بأنك أنت في الحقيقة المسيح ابن الله الحي".

وما الذي يقوله بولس؟ لقد قال كثيراً جداً. ولكن من بين كلامه الكلمات التالية: "إن المسيح يسوع جاء إلى العالم ليخلّص الخطاة الذين أوّلهم أنا" (1تي 1: 15). وهذه الكلمات أيضاً نردّدها واقفين أمام الكأس المقدّسة.

بالتالي، بعد كلمات بطرس "أنت هو المسيح ابن الله الحي" نضيف: "وأنك أتيت إلى العالم لتخلّص الخطاة الذين أنا أوّلهم". إذاً، نصلّي عند المناولة بكلمات بطرس وبولس التي تتضمن الاعتراف النقي بالمسيح من ناحية والاعتراف المتضع بخطايانا من ناحية أخرى.

قد ذكرنا آنفاً أن اسميْ هامتيْ الرسل يعلّماننا ثبات الإيمان والتوبة. بطرس هو الصخرة وبولس هو من ذلل نفسه اختيارياً. الإنسان لا بدّ له من الإيمان والاتضاع معاً حتى لا يؤدّي الاتضاع بدون الإيمان إلى كآبة قاتلة. وخاصّة نكون في أمسّ الحاجة إلى جمع الإيمان مع الاتضاع أمام الكأس المقدّسة. فإنه في هذه اللحظات نشعر بأقصى توتّر للقوى الداخلية وضبط العقل والقلب. هذا هو وقت الشركة الحقيقية في قوة الإيمان الرسولي، وقرابتنا ببطرس وبولس وأندراوس ويعقوب وتوما ومتى، بل اتحادنا بالكلمة المتجسّد المعطي الحياة والمطهّر من كل خطيئة.

فهذه هي الدروس الثلاثة من هامتيْ الرسل: أولاً: وحدة الإيمان في تنوّع حيّ؛ ثانياً: جمع الإيمان القوي مع الاتضاع الفعّال؛ ثالثاً: الشركة في روح الرسولية عند الكأس المقدّسة. فلنقبل كل هذا بصلوات الصيّاد الجليلي السابق وتلميذ غمالائيل السابق.

 

الأب أندراوس تكاتشوف

(الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية)