التراث السلافي الأرثوذكسي باللغة العربية

 

 

القدّيسان المعادلان للرسل كيرلس وميثوديوس شفيعي الموقع

Text Size

السبت, كانون1/ديسمبر 15, 2018

 

50225 100x139ما هي الخسائر التي يبكي عليها الناس؟ إنهم يبكون على الوطن المفقود والأحبّاء الراحلين والمال المسروق. ولكن هل يمكن مقارنة كل ذلك بفقدان الفردوس؟

لو حاولنا أن نقارن هذا الفقدان برجل غني تحوّل إلى فقير مسكين لعجز هذا التشبيه الضعيف عن إعطاء صورة للتغير الذي طرأ على جدّينا الأولين. الهبوط من العلى سهل ولكن ما أصعب الصعود! وقد تشبّه جدّانا بعد السقوط وفقدان النعمة بالعصافير المسكينة التعيسة التي وقعت على الأرض من العش.

ولم يعرفا آنذاك أن سقوطهما إلى الأرض ليس آخر نقطة بل ينتظرهما هبوط أعمق فأعمق إلى هاوية الجحيم. وأخيراً انتهت حياتهما الطويلة التي مضت في انتظار الخلاص، فانفصلت نفساهما عن جسديهما ونزلتا إلى مكان مظلم لا فرح فيه.

إنها الهاوية. هكذا كان اليهود يطلقون على مملكة الظلال حيث كانت النفوس الفاقدة الجسد ولكن المحتفظة بالذاكرة والإيمان تنتظر مسّيا. لم يكن هناك فرح ولا تراتيل ولا مزامير، بل كان يسود الظلام والانتظار الطويل الصعب. وكان أفضل الناس ينزلون إلى هناك أيضاً، منهم موسى الذي تكلم معه الله وجهاً لوجه وصموئيل وداود مع أولاده. وكل قادمٍ جديد كانوا يقابلونه بسؤال: هل جاء؟ هل رأيته؟ وكان الجواب "لا" لينضمّ كل واحد إلى جماعة المنتظرين.

يقال في آخر المزمور 90: "من طول الأيام أشبعه، وأريه خلاصي". وقد تحقق هذا الكلام على البار سمعان قابل الإله إذ رأى المخلّص ولم يمت قبل مجيئه المبارك، وقد مات بسلام على حسب النبوءة ونزل إلى الجحيم ليكون هو الأول من يقول: "إنني رأيته". كانت يداه تذكر دفء جسد يسوع وكانت عيناه قد أبصرتا ابن الله، وقد أراه الله خلاصه.  فعرف المحبوسون في الجحيم هذا الخبر وأصبح الانتظار منذ ذلك الوقت أسهل.

ولكن سير الوقت في الهاوية كان غير سيره على الأرض. إنه بالنسبة للمتواجدين في مكان لا توجد فيه أي تعزية يتحوّل الانتظار إلى عذاب حقيقي. وبعد قدوم سمعان مضت ثلاثون سنة طويلة قبل أن تنزل إلى الجحيم روح يوحنا الطاهرة المغسولة بدم الاستشهاد لتأتي بخبر أعظم: إنّ المسيا يكرز ويشفي ويقيم الموتى، ويتحقق ما قال عنه الأنبياء. إنّ الخلاص قريب.

عند ذلك قال إشعياء: "سوف يقتلونه، قد انكشف لي هذا الأمر وقد قلت عنه إنه رجل الأحزان ومختبر الآلام".

"وأنا رتـّلت في مزاميري أنه سيثقبون يديه ورجليه ويقسمون ثيابه بينهم وعلى لباسه يقترعون" - قال داود.

وأضاف موسى: "ونحن قد رأيناه على جبل ثابور أنا وإيليا وتحدثنا معه عن آلامه."

كانت أصوات الأنبياء ترتفع أعلى فأعلى، وكان كل منهم يعرف شيئاً عن المسيح، إذ كشف الروح القدس لكل واحد منهم جزءاً من عمله العظيم.

إنه يولد في بيت لحم من أمّ طاهرة ويدخل أورشليم راكباً جحشاً ويُسلـّم مقابل مبلغ ضئيل من النقود... لم ترَ الهاوية مثل هذه الحركة أبداً. وفجأة فرقعت أقفال الجحيم وسُمع صوت يقول: "ارتفعن أيتها الأبواب ويدخل ملك المجد". وسأل حرّاس الجحيم بخوف: "من هو ملك المجد هذا؟" فدوى الجواب: "ربّ الجنود هو ملك المجد" (مز 23). فأشرق نور ساطع على الظلمة الدهرية. قد نزل إلى هناك الربّ المنتصر وهو مخيف ورحوم في آن واحد.

كما يبقر سكّين الطبّاخ بطن السمكة هكذا شقّ نزوله أبواب الجحيم ليصبح كل من كان في انتظاره أحراراً. ولكن لم تكن حركتهم نحو مخلّصهم عشوائية. في البداية انشقـّت صفوفهم لتفسح الطريق، فنطق المسيح وهو ينظر بإمعان إلى العمق بقوله الذي كان قد سُمع من قبل: "يا آدم، أين أنت؟"

"أنا هنا يا ملكي وإلهي" - أجاب ذلك الذي كان قد قال مرّة: "أنا عريان فاختبأت". كان الجدّان الأوّلان ينظران إلى وجه المسيح بهلع مستعدّين لأن يغضّا الطرف .إنهما السبب في مأساة العالم.

ولكن الربّ مدّ يديه إليهما، فعند التقاء كفوفهم شدّهما بقوة إلى الأعلى حيث كان الفردوس السماوي الأبدي ينتظرهما وأولادهما. ولكنه لم يعد فارغاً في تلك اللحظة. قد دخله لصّ فتح بتوبته أبواب ملكوت النعمة.

 

  الأب أندراوس تكاتشوف

     (الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية)

عن شبكة القديس سيرافيم ساروف الأرثوذكسية