Text Size

الأحد, نيسان/أبريل 22, 2018

 

11868 100x67ينطبق على الكهنوت نفس الكلام الذي كان يقوله القدّيسون عن الرهبنة وهو: لو عرف الجميع كم هو جميل أن يكون الإنسان راهباً لترهبنوا كلهم في الدير، ولكن لو عرفوا كم هو صعب أن يكون الإنسان راهباً لما ذهب أحد إلى الدير.في رأيي يمكن تشبيه الكهنوت بالرهبنة من هذه الناحية إلى حدّ كبير، فهو رائع ولكنه في نفس الوقت صعب جدّاً.

إنّ صعوبة الكهنوت لا يدركها مباشرة كل كاهن، ويزداد الكهنوت صعوبة بالنسبة للكهنة الذين قبلوا الرسامة لدواعٍ ليست كلها روحية مفكّرين في المجد أو في إمكانية الإشراف على الناس ومقنعين أنفسهم بقداستهم الشخصية أو الذين صاروا كهنة من أجل لقمة العيش بحسب قول القديس ديميتري روستوفسكي: "أصبح كاهناً ليس حباً بالمسيح بل ليأكل الخبز المُريح". إنسان كهذا سيتضايق من الخدمة الكنسية وسيقصّرها وسيغضب من الناس معتبراً إياهم أغبياء ولجوجين، فستصير كل خدمة أو صلاة بالنسبة له عذاباً.

مختلفة هي حال الذين لم يبحثوا في الكهنوت عن أي شيء سوى الكهنوت نفسه، فتلك النعمة الإلهية التي نسمح لأنفسنا بأن نتحدّث فيها كثيراً يعيش مِلءَها الكاهن المحبّ للمسيح الذي يخدمه. ولكن حتى عبيد الربّ هؤلاء لا تخلو حياتهم الروحية من فترات التجارب والتراخي وغير ذلك. عندما يقبل أحدٌ الرتبة الكهنوتية يُلقي معها على عاتقه ثقلاً لا يبدأ يشعر به إلا مع مرور السنوات.

أتذكر كلمات مثلث الرحمات المطران أنطوني (بلوم) التي قالها عن الكهنوت. لقد قارن الكاهن بذلك الجحش الذي دخل المسيح أورشليم راكباً على ظهره. كان الجحش ببساطته يظنّ أن الناس يكرمونه هو وهم يبسطون ملابسهم على الطريق ويلوّحون بالأغصان ويهتفون التحيات. كم من مرّة ينسى الكاهن أنّ تقبيل يده وورع الناس الفائق أمام رتبته لا يُنسبان إليه شخصياً بل إلى الربّ يسوع المسيح. بدون فهم هذه الأشياء سنصير مثل ذلك الجحش من الإنجيل بينما الكاهن الحقيقي الوحيد هو الرب يسوع المسيح نفسه. هو الكاهن إلى الدهر. كهنوتنا منه وفيه، فبدونه نحن لا شيء.

إن الكاهن في أمسّ الحاجة لأن يدرك بأنه عاجز بالمطلق بدون المسيح، لأنه يُفتح أمامه علاوة على سفر ضميره الشخصي أسفار ضمائر ناس كثيرين. مثال كل واحد منا كافٍ لكي نفهم درجة ضعف الإنسان وفساده. والكاهن إضافة إلى صفحات ضميره الشخصي يقرأ في صفحات ضمائر المئات، فهذا المنظر الرهيب للخطيئة المتأصّلة بعمق ولإرادة الإنسان المستعبَدة قد يولّد عند مُشاهده تارة خوفاً وتارة كآبة وتارة تعباً. يكون الكاهن في أمسّ الحاجة إلى المسيح الحي الحاضر بجانبه وذلك لكي يقبل كل اعتراف كما يلزم ويقيم كل صلاة كما لأوّل مرة.

تحدّث المطران أنطوني (بلوم) في أحد كتبه عن كاهن شابّ شعر بعدم استحقاقه في لحظة تقديس القرابين، فتراجع عن المائدة المقدّسة وقال: "يا ربّ، أنا لا أستطيع". فعندئذ وقف بينه وبين المائدة أحد غير منظور مانحاً الكاهن القدرة على إتمام القداس. كان هذا هو "الوحيد" القادر على أن يتمّم القداس. لعلّ كل كاهن يستطيع أن يذكر من خبرته الروحية الشخصية كثيراً من الأمثلة كهذه، ولكن المعنى هو واحد: نحن لا شيء بدون المسيح.

الرجل الذي يرغب في أن يصير كاهناً أنا مستعدّ أن أقنعه طويلاً بالتراجع عن ذلك. هل تذكرون مكسيم غوركي حين قال إنه لن يتراجع عن الكتابة حتى لو جلدوه يومياً وسط الميدان؟ مثل هذه الرغبة القاهرة (ولكن بعيداً عن التعصّب والتهاب العينين) لا بدّ من أن تتملّك كاهناً مستقبلياً. وهذه الرغبة لا بدّ له من تقويتها من خلال معرفة مفيدة وهي معرفة الحياة الكنسية بالدرجة الأولى. يجب محبّة الإنجيل والخدمة الإلهية إلى الأبد، ويجب تعلّم عدم الانتباه إلى الشوائب في الحياة الكنسية وعدم الاهتمام ببواطنها. وكذلك لا بدّ من أن يباركه الرب للقاء ولو كاهنٍ واحدٍ تكون صورته مثالاً له طوال حياته، ليس في الوعظ والقداس فحسب، بل في الحياة اليومية أيضاً.

ثمّة عدة مِهَن يمكن تسميتها مقدّسة وتشبيهها بالكهنوت من حيث صفات عدّة. فمثلاً مهنة المعلّم هي مقدّسة. كلمة "معلّم" هي من أسماء المخلّص. كان الكثيرون من الذين لم يروا فيه ربّاً يجدون فيه معلماً. ولذلك كل من يعلّم الآخرين كل ما هو صالح ومفيد يتشبّه بالمسيح إلى حدٍّ ما.

لا بدّ للكاهن من أن يكون معلماً أيضاً، ويمكنه أن يتعلّم من التربويين الماهرين الصبر والإصرار والمواظبة والمحبّة نحو الذين يعلّمهم.

المهنة المقدّسة الثانية هي في اعتقادي مهنة الطبيب. الإشفاق على المريض وعدم الاشمئزاز من قروحه والصبر نحوه والاستعداد الدائم للذهاب إلى حيث يحتاجون إليك هي صفات طبيب حقيقي، فكم هي مشابهة لصفات كاهن حقيقي! هذا يعني أننا يمكن أن نتعلّم من "أصحاب الثوب الأبيض" وليس من كتب مدرسية للمدارس الإكليريكية فقط.

وأخيراً وليس آخراً، المهنة الثالثة التي يمكننا تشبيهها بالكهنوت هي في رأيي مهنة الجندي. فهو مثل الراعي لا يعمل بل يخدم. هو يؤدّي اليمين ويجب أن يكون مخلصاً له. لا بدّ من أن يكون عنده أكثر من الآخرين صفات مثل الطاعة والتضحية والرجولة والانضباط، وهذا هو ما يجب أن يتميّز به الكاهن الحقيقي أيضاً. بالمناسبة، تدلّ قوائم دير القديس بندلايمون في جبل آثوس على أنّ نسبة هائلة من رهبانه كانوا عسكريين متقاعدين، منهم ضبّاط وملازمون وجنود قد مرّوا في أغلب الأحيان بتجربة الحرب التي وسمتهم بإصابات، وكثيراً ما كان هؤلاء الرهبان متميّزين بين الآخرين.

هذه هي المهن الثلاث التي تساعدنا إلى حدّ كبير على فهم معنى الكهنوت الحقيقي. كانت الكتب المدرسية للاهوت الرعوي الصادرة قبل ثورة أكتوبر (المتأثرة بالفكر الكاثوليكي) تشير إلى ثلاث نواحٍ من الخدمة الرعوية: النبوية (الوعظ) والملوكية (الإشراف على الرعية) والكهنوتية (إقامة الأسرار الكنسية). دون أن نجادل في هذه المسلّمات الثلاث نشير إلى ثلاث غيرها. يجب أن يكون الكاهن معلماً وطبيباً وجندياً.

بعد هذا الكلام يخطر على ذاكرتنا ديوجين*. كان يمتلك فكرة سامية عن الإنسان ولكنه لم يكن يجده كما كان يتخيّله بحسب مثاله الأعلى. كان يمكن رؤيته في شوارع المدينة وهو يحمل في يده شمعة مضاءة وسط بياض النهار ويردّد: "أبحث عن إنسان!". إذا أعدْنا صياغة قول ديوجين يمكننا القول: "أبحث عن كاهن!". نودّ أن نسأل: "أين أنتم أيها الأطبّاء والجنود، الرعاة والمصلّيون؟ كم ينقصنا وجودكم والعالم يهلك بدون كهنة حقيقيين".

ذات يوم قال الربّ لتلاميذه أن يطلبوا من ربّ الحصاد أن يرسل فعلة صالحين، لأن الحصاد كثير والفعلة قليلون. لا بدّ من أن يصلّي كل المسيحيين إلى الله من أجل أن يأتي بفعلة صالحين إلى الكهنوت. إنهم سيأتون في وقتهم. من المستحيل ألا يأتوا. كان كل جيل من شعب الله يولّد من وسطه رعاة متطلعين إلى المثال الأعلى. يعرف الإنسان المنتبه أننا غير محرومين من ذلك في الوقت الحاضر، كما لن نُحرم في المستقبل. أنا أؤمن بهذا.

 

                                                         الأب أندراوس تكاتشوف

(الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية)

------------------------

* ديوجين سينوب (412-323 ق.م.) – فيلسوف إغريقي.